من بين الجيوب التي ترك فيها النزاع ندوباً في المشهد الليبي المتصدّع، تشكّل مدينة سرت الواقعة في منتصف الساحل الليبي مكاناً يسوده شكلٌ متمايز من أشكال اليأس. فالمدينة التي تشغل موقعاً استراتيجياً عند الطرف الغربي من "الهلال النفطي" الغني بالنفط، تقع أيضاً عند خط الصدع الذي يفصل بين الفصائل المتناحرة في ليبيا. لكن في نظر الكثيرين في الغرب، تشتهر سرت على وجه الخصوص بأنها ملاذ للموالين، إذ فرّ إليها الدكتاتور الليبي معمر القذافي في آخر أيامه ولقي حتفه هناك خلال ثورة العام 2011. ثم سُلِّطت الأضواء عليها من جديد عندما باتت المعقل الجغرافي الأقوى للدولة الإسلامية خارج سورية والعراق، قبل طرد التنظيم منها على أيدي القوات الليبية المدعومة من سلاح الجو والقوات الخاصة الغربية في العام 2016.

بعد أكثر من عام على هذا التحرير، دُفعت سرت من جديد إلى الهامش، مايُسبّب الأسى لأبنائها الذين أنهكتهم الحرب. فقد تحوّلت مساحات واسعة في وسط المدينة إلى أنقاض، وأُغلِقت مدارس وجامعات، ولاتزال الألغام والجثث متناثرة في شوارعها وأزقّتها. لكن الأهم من هذا الدمار المادّي هو الضرر الذي لحق بمؤسساتها السياسية ونسيجها المجتمعي. ومما لاشك فيه أن جزءاً كبيراً من هذا الضرر مردّه إلى الحكم العنيف الذي فرضته الدولة الإسلامية. صحيح أن التنظيم تولّي بدرجة معيّنة حفظ النظام وتوفير الخدمات، وهو ما كان مطلوباً من أبناء المدينة، غير أنه سرّع في انهيار السلطة القبلية، وقلَبَ المعايير الاجتماعية رأساً على عقب، وتسبّب بنزوح وصدمة واسعَين. لكن المحن التي تبتلي بها سرت راهناً هي أيضاً، وفي جوانب كثيرة، استمرارٌ للإقصاء المتواصل الذي تتعرض له في مرحلة ما بعد العام 2011، وللجروح السياسية العميقة التي لمّا تندمل بعد.

إرثٌ مرير من التهميش

خلف الصورة النمطية السهلة التي تُلصَق بسرت كمعقل للموالين، للمدينة هويّة وتاريخ معقّدان. يتألف سكّانها الذين يبلغ عددهم 150000 نسمة، من أكثر من 20 قبيلة تُقيم أبرزها، ورفلة والقذاذفة وأولاد سليمان والفرجان، روابط مهمة مع القبائل الأخرى في مختلف أنحاء ليبيا. لقد كانت سرت، على امتداد قرون، مستعمرة عادية على الهامش تجمعها روابط تجارية واجتماعية مع الجنوب الصحراوي وليس مع الشرق أو الغرب. لكن ذلك كلّه تبدّل مع بدء حكم القذافي في العام 1969. فقد حوّل القذافي، المولود في قرية قصر أبو هادي المجاورة، مدينة سرت إلى جيبٍ للقبائل والنخب المفضّلة لديه، فأغدق عليها بمساكن عامة، وجامعة، وفيلات على شاطئ البحر. وعلى الرغم من أن طرابلس ظلّت عاصمة البلاد، نقل الحاكم الديكتاتوري العديد من المؤسسات الحكومية إلى المدينة، فيما عمل على تعزيز قبيلته القذاذفة، التي كانت صغيرة في السابق، كي تتفوُّق على القبائل الأكبر في سرت.

سدّدت ثورة العام 2011 ضربة كارثية لمكانة المدينة السياسية ونسيجها الاجتماعي. فإلى جانب بلدة بني وليد، ظلّ الجزء الأكبر من سرت موالياً للدكتاتور الليبي وتعرّض لهجوم ضارٍ على أيدي الثوار المناهضين للقذافي بدعم من سلاح الجو التابع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في الأسابيع الأخيرة من الحرب. وقد دُمِّرت مساحات شاسعة من المدينة تحت وابل القصف العشوائي، ولاذ آلاف الأشخاص بالفرار. وقد نهب الثوّار المنتصرون المنازل، وأقدموا على توقيف الموالين للقذافي، الفعليين أو المشتبه بهم، وإعدامهم، مستندين في معظم الأحيان إلى معيار أوحد هو انتماؤهم إلى قبيلة القذاذفة أو ورفلة. والجزء الأكبر من هذا العقاب نفّذه مقاتلون ثوّار من مصراتة، وهي مدينة مرفئية نافذة تقع على بعد 270 كيلومتراً نحو الغرب. ونتيجةً لذلك، نشأ عداءٌ بين قبائل سرت وقوات مصراتة، وتحوّل إلى سمة أساسية في تاريخ المدينة المضطرب بعد العام 2011، فكان أحد الأسباب التي سهّلت صعود تنظيم الدولة الإسلامية.

في الأشهر والسنوات التي تلت الثورة، تحوّلت سرت إلى مكان يعمّه الإهمال والإقصاء واليأس، وتعرّض عددٌ كبير من أعيانها للاستهداف بموجب قانون العزل السياسي، هذا التشريع الواسع النطاق الذي أقرّه مجلس النواب الليبي في العام 2013، وأدّى إلى إقصاء شرائح واسعة من الأشخاص من الوظائف الحكومية مستقبلاً على خلفية انتمائهم إلى النظام السابق.

إضافةً إلى هذا التهميش السياسي، حملت مرحلة مابعد الثورة تغييرات مترامية الأبعاد في البنية الاجتماعية للمدينة، وآليات تسوية النزاعات، والهرميات القبلية. لقد اتّهم عدد كبير من الأشخاص في سرت المصراتيين بمحاباة قبيلة المعدان، وهي قبيلة محلية من قبائل سرت ذات جذور في مصراتة، بعد تسليم المسؤولية الأمنية إلى ائتلاف ميليشياوي ذي ميول جهادية يُعرَف بلجنة تفعيل الأجهزة الأمنية في مدينة سرت. ومع تزايد الإجرام والفوضى والخلافات بين القبائل، قدّم هؤلاء الجهاديون أنفسهم في صورة رجال شرطة ومُحكّمي نزاع، وبحلول العام 2013، اندمجوا، بدعمٍ من ميليشيا جهادية مصراتية، مع تنظيم أنصار الشريعة الذي تكوّنَ بصورة مستقلة من الميليشيا التي تحمل الاسم نفسه في بنغازي، والذي انبثق منه تنظيم الدولة الإسلامية في سرت.

صعود الدولة الإسلامية  وسقوطها

على الرغم من أن صعود الدولة الإسلامية أثار من حينٍ إلى آخر بعض السجال داخل تنظيم أنصار الشريعة، توجّه قياديون كبار في التنظيم، بحلول صيف 2014، من سرت إلى سورية لإعلان ولائهم للخلافة التي أقامتها الدولة الإسلامية، في حين أرسلت هذه الأخيرة بدورها مستشارين وعقائديين أجانب إلى سرت. في البداية، ركّزت الدولة الإسلامية على الدعوة والتعليم الديني، مع أنها توسّعت تدريجياً نحو فرض الأمن وتولّي الشؤون القضائية التي ارتدت أهمية نظراً إلى انهيار المحاكم، وبشكل أساسي، ضعف شيوخ القبائل وبالتالي عجزهم عن تأمين الحماية والتوسّط لحلّ النزاعات.

لم تواجه الدولة الإسلامية مقاومة تُذكَر من القبائل المنقسمة في سرت. وتمكّنت، من خلال الدعوة إلى "التوبة"، من تجنيد أفراد من قبائل كانت موالية سابقاً لنظام القذافي – القذاذفة وورفلة والمغاربة – والذين رأوا في التنظيم الجهادي إما مصدر حماية في مواجهة المصراتيين، وإما، في الحد الأدنى، أهون الشرَّين. وقد امتلأت صفوف الدولة الإسلامية بالمنشقّين من أنصار الشريعة الذين توافدوا بأعداد متزايدة، وبالمقاتلين الأجانب الذين تدفّقوا من العالم العربي والساحل. وبحلول أواخر العام 2015، اكتملت سيطرة التنظيم بعد سحقه تمرّداً أطلقته قبيلة الفرجان، وتوسُّعه نحو بلدات مجاورة.

أحد العناصر الأساسية في صعود الدولة الإسلامية الحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا بين تكتّلَين فضفاضَين من المجموعات المسلّحة: تحالف فجر ليبيا المؤلّف من الإسلاميين والبلدات الثورية، ومنها مصراتة، وهو يتخذ من غرب البلاد مقراً له؛ وعملية الكرامة المؤلّفة من قبائل شرقية ومناصرين للحراك الفيدرالي، ووحدات عسكرية ناقمة، شكّلت تكتّلاً فضفاضاً في إطار الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. وبحلول أواخر العام 2014 ومطلع العام 2015، كان النزاع قد شهد وتيرة تصاعدية وتحوّل إلى معركة على المنشآت النفطية في حوض سرت. جغرافياً، تقطّعت أوصال مدينة سرت بسبب هذا القتال، وتمكّنت الدولة الإسلامية من التوسّع من دون أي عوائق في ظل تركيز الجانبَين بصورة أكبر على الاقتتال في مابينهما.

كانت ميليشيات مصراتة، المتمركزة على مقربة من سرت، في الموقع الأفضل لمواجهة الدولة الإسلامية، إلا أن قادة المدينة المرفئية تخوّفوا من أن يؤدّي أي توسيع لقوتهم العسكرية إلى إضعافهم في مواجهة حفتر، الذي كانوا يرون فيه تهديداً أكبر. ولم تتحرّك الميليشيات التي يقودها المصراتيون باتجاه سرت إلا في أيار/مايو 2016، بعدما هاجمت الدولة الإسلامية نقاط تفتيش شرق مصراتة وهدّدت بقطع طريقها التجاري نحو الجنوب. ونظراً إلى التاريخ المضطرب بين سرت ومصراتة، حاول دبلوماسيون غربيون تحويل الحملة إلى مجهود وطني حقيقي من أجل إشراك قوات حفتر، لكنهم لم يفلحوا في ذلك.

وكانت النتيجة إطلاق عملية البنيان المرصوص التي امتدّت لستة أشهر، وحظيت بدعم من سلاح الجو الأميركي وعدد من قوات العمليات الخاصة الغربية، ولقي مايزيد عن 700 مقاتل مناهضين للدولة الإسلامية، ومعظمهم من مصراتة، مصرعهم في المعارك. وقد شُنَّت العملية تحت السلطة الاسمية لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس التي تحظى باعتراف دولي، بيد أن عدداً كبيراً من وحدات القتال ضد الدولة الإسلامية أبدى، بصورة مطّردة، حذره من الحكومة، وأظهر بعضها عداءً علنياً لها. وتجدر الإشارة إلى أن الهجمات الجوية والمدفعية تسبّبت بإلحاق أضرار كبيرة بشاطئ سرت ووسط المدينة، حيث كانت للدولة الإسلامية محطة أخيرة، مع أن عدداً من مقاتلي التنظيم كانوا قد فرّوا من المدينة قبل انطلاق الهجوم. وفي حين أن أعداد الضحايا والإصابات في صفوف المدنيين كانت متدنّية وفق ما أُفيد، تسبّبت الحملة بنزوح الآلاف داخل المدينة وخارجها. وكما كان متوقّعاً، تخوّفت بعض قبائل سرت التي كانت موالية لنظام القذافي من تكرار التجاوزات التي ارتكبتها ميليشيات مصراتة في العام 2011، فغادرت المدينة. لكن، وباستثناء بعض التقارير المتفرّقة عن حدوث أعمال نهب، لم تصل الانتهاكات إلى الدرجة التي كان يُخشى منها.

الجهود الهرقلية لتحقيق التعافي والأمن

نظراً إلى حدّة القتال ضد الدولة الإسلامية، تواجه سرت تحديات هائلة لتحقيق التعافي حتى في ظل الظروف العادية. لكن موقع المدينة الجغرافي بين عملية البنيان المرصوص بقيادة حكومة الوفاق الوطني وبين الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر كان السبب في ظهور عوائق إضافية تمثّلت في الاستقطاب والتشنجات السياسية. ومن العوامل التي تتسبّب أيضاً بزعزعة الاستقرار موقع المدينة على مقربة من الهلال النفطي المتنازَع عليه والذي يشكّل محطّ أطماع. وقد سلّط ذلك كلّه الضوء على الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي إلى تعزيز صمود المدينة بغية التخفيف من مخاطر استفحال التشنجات الاجتماعية والسياسية وتحوّلها إلى صدامات قبلية. 

إدراكاً لهذا الواقع، حاولت منظمات دولية تعمل في سرت، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إشراك الجهات الفاعلة المحلية، والمجتمع المدني، والبلدية في عملية التنفيذ. وقد سعت، من خلال هذه الخطوة، إلى تعزيز استدامة مشاريع بسط الاستقرار فضلاً عن ترسيخ حسٍّ بالتملك يتخطى الخلافات القبلية-السياسية. ويُضاف ذلك إلى المساعدات المُقدّمة لإصلاح البنى التحتية، ولاسيما المدارس الابتدائية والثانوية، والجامعة، والمستشفى.

بيد أن مجموعة من المسائل المحلية تتسبّب بإبطاء هذه الجهود. فنظراً إلى السلطة المحدودة التي تمارسها حكومة الوفاق الوطني وافتقار الدعم من المجتمع الدولي إلى التركيز في المدى الطويل، ثمة صعوبة في تفعيل دور المجتمع المدني، أو زيادة الثقة ببلدية سرت، أو تحسين المدركات عن حكومة الوفاق الوطني. كما أن التفسيرات المختلفة لمعنى الاستقرار بالنسبة إلى الدول المانحة المتعددة التي تعمل في سرت، تُرجِمت في شكل استجابة مجزّأة. ولاتزال المؤسسات القضائية معطّلة، الأمر الذي قد يجعل أبناء سرت عرضة للتأثُّر بشكل خاص بأي مجموعة يمكن أن تؤمّن التحكيم والعدالة وتسوية النزاع، وهو تكتيك لجأ إليه تنظيم أنصار الشريعة في العام 2012، والدولة الإسلامية في مرحلة لاحقة. في الوقت الراهن، يُنقَل الأشخاص الذين يتم توقيفهم في سرت إلى سجون في مصراتة بسبب عدم وجود سجون عاملة في المدينة، مايوّلد توترات بين أبناء سرت وفصائل البنيان المرصوص ذات الأكثرية المصراتية، ولاسيما في أوساط الشباب.

كذلك ترزح الإجراءات اليومية لحفظ الأمن وإنفاذ القوانين تحت وطأة التشنجات القبلية والفئوية والإيديولوجية. فبعد طرد الدولة الإسلامية، سيطرت ميليشيا محلية نافذة تُعرَف بالكتيبة 604 مشاة، على الجزء الأكبر من الوظائف الأمنية في المدينة. إشارة إلى أن الكتيبة، التي تتألف في شكل أساسي من أفراد من قبيلتَي ورفلة والفرجان في سرت، والذين كان فرّ عدد كبير منهم من المدينة في صيف العام 2015 بعدما سحقت الدولة الإسلامية انتفاضة قبيلة الفرجان بطريقة همجية، حاربت إلى جانب تحالف البنيان المرصوص، مع حصولها على دعم من مقاتلين في بني وليد والزنتان وسبها، وعلى مساعدات مادية من الميليشيات في طرابلس. من السمات التي تُميّز الكتيبة 604 انتماء أعضائها إلى مايُسمّى بالتيار المدخلي، أحد التيارات السلفية، تيمناً بمؤسّسه، الإمام السعودي ربيع بن هادي المدخلي. وفي حين تُشدّد العقيدة المدخلية على طاعة الحاكم والابتعاد عن العمل السياسي، لايمكن البتة القول بأن أتباع التيار المدخلي في ليبيا غير مسيّسين، بل هم جزء لايتجزأ من النزاعات الفئوية في جميع أنحاء البلاد، ويمارسون تأثيراً متزايداً في مجالات حفظ الأمن والإعلام والتعليم والشؤون الدينية.

يبرز هذا التأثير بشكل خاص في مدينة سرت. فقد طردت الكتيبة 604 أئمة المساجد واستبدلتهم بسلفيين، وفرضت التعليم السلفي في المرحلة الابتدائية، واحتلّت كلية للاختصاصات التقنية والفنية، وسيطرت على وسائل إعلامية. وفي شؤون حفظ الأمن، يُنظَر إلى الكتيبة على نطاق واسع بأنها الكيان الأمني الأكثر نفوذاً، فهي تعمد إلى توقيف المشتبه بهم في ارتكاب جرائم بالنيابة عن جهاز المباحث الجنائية في وزارة الداخلية، وتتولى حراسة مطار سرت، وتؤمّن الحماية الشخصية للمسؤولين في البلدية. وفي بعض النواحي، تمكّنت الكتيبة، من خلال توفير الأمن، فضلاً عن الشرعية التي اكتسبتها بوصفها كياناً متجذراً على المستوى المحلي ومستنداً إلى القبائل، من إقامة عقدٍ اجتماعي مع بعض شرائح السكان في سرت. غير أن عدداً كبيراً من أبناء سرت يتوجّس من نفوذ الكتيبة 604 ويرى فيه مصدر قلق عميقاً، نظراً إلى أن طريقتها في العمل تذكّر بأسلوب الدولة الإسلامية، لاسيما وأنها تطبّق الأعراف الاجتماعية في اللباس والسلوك الشخصي والطقوس الدينية، والتي لا أساس لها في القوانين الليبية الرسمية والمدوّنة.

تشكّل علاقات الكتيبة 604 مع قوات البنيان المرصوص المصراتية مصدراً آخر للتوترات. في الوقت الراهن، تتمركز المجموعات المسلحة المنضوية في إطار عملية البنيان المرصوص في ضواحي المدينة، حيث تؤمّن الحماية لمداخلها من خلال قوة حماية وتأمين مدينة سرت. تضطلع القوة، التي أنشأتها حكومة الوفاق الوطني في طرابلس في العام 2017 وتتألف بمعظمها من مصراتيين من عملية البنيان المرصوص، ببعض المهام المتعلقة بحفظ الأمن، على الرغم من أن علاقاتها مع الكتيبة 604 تشوبها الريبة والشكوك. كذلك لم تحصل قوة حماية وتأمين مدينة سرت على أي دفعات مالية من حكومة الوفاق الوطني منذ انتهاء عملية البنيان المرصوص. وفي خطوة مثيرة للجدل، عمدت حكومة الوفاق إلى إنشاء آلية لتمويل مديرية أمن سرت وتقنينها عن طريق وزارة الداخلية، والمديرية عبارة عن كيان يعتمد بصورة شبه كاملة على الكتيبة 604 مشاة فضلاً عن بعض الأعضاء السابقين في قوة الردع الخاصة في طرابلس. على الرغم من أن مديرية أمن سرت، وقوة حماية وتأمين مدينة سرت، والكتيبة 128 في الجيش الوطني الليبي عمدت مؤخراً إلى تنسيق دوريات مشتركة في مابينها لتأمين الطريق الممتد من سرت إلى الجفرة ضدّ أي هجوم للدولة الإسلامية، إلا أن العلاقات بين القوى المختلفة لاتزال متشنّجة، وزواج المصلحة هذا قد لايُعمِّر طويلاً، ولاسيما إذا لم تكترث له بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وغيرها من الجهات الفاعلة التي بإمكانها تفعيل الزخم الذي أحدثه هذا التنسيق.

إلى جانب هذه التشنجات المتعلقة بحفظ الأمن، تقضّ تحدّيات أخرى مضجع المدينة. فعلى الرغم من عودة نحو 90 في المئة من السكان إلى سرت، لايزال عدد كبير منهم نازحين في أحياء أخرى داخل المدينة، مايطرح المسألة الحسّاسة المرتبطة بالتعويضات ودور الحكومة والمؤسسات الدولية في تقديم الدعم.

كذلك تسود مشاعر استياء بسبب الوتيرة البطيئة لإعادة الإعمار، والتأخر في إنجاز الأعمال، وغياب الشفافية حول كيفية إنفاق الأموال. ولاتزال الألغام وغيرها من الذخائر غير المنفجرة تشكّل تهديداً، الأمر الذي يعتبره كثرٌ تقصيراً من جانب قوات البنيان المرصوص وبلدية سرت. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها منظمات دولية غير حكومية للتركيز على نشر التوعية حول هذه المسألة، إلا أنه غالباً مايشتكي السكان من البطء الشديد في تنفيذ أعمال نزع الألغام. يشكّل هذا الواقع، مقروناً بندرة الإمدادات الطبية في المستشفى الرئيس في سرت، مصدر قلق للأشخاص الذين هم بحاجة إلى علاج طبي طارئ.

تزداد أيضاً المنافسة بين القبائل، ولاسيما على عقود إعادة الإعمار المدرّة للأرباح. ويتخوّف البعض في المدينة، في شكل خاص، من أن مقاولين من سرت ينتمون إلى قبائل ذات جذور مصراتية، يقومون بإنشاء "سوق" لتأمين الحماية حول ورش إعادة الإعمار والتأهيل في المدينة. وقد ساهم عدم وجود هيئة وساطة قبلية في تأجيج هذه التشنجات، فقد حُلَّ مجلس حكماء وأعيان سرت، وهو عبارة عن هيئة وساطة بين القبائل، خلال الحرب ضد الدولة الإسلامية، ولم تنجح الجهود التي بذلتها البلدية مؤخراً لإعادة تشكيله. وعلى الرغم من إنشاء لجنة اتصالات مؤلّفة من أشخاص نافذين يؤدّون دور الوسطاء بين البلدية ومختلف الجهات الفاعلة في سرت ومباشرتها العمل منذ آب/أغسطس 2017، إلا أنها لم تتمكّن من النهوض على أكمل وجه بالمسؤوليات التي كان يتولاها مجلس حكماء وأعيان سرت سابقاً.

على ضوء هذه التحديات، ليس مفاجئاً أن يبقى المستقبل مظلماً بالنسبة إلى الكثيرين في سرت. ففي حين أن وجود الدولة الإسلامية داخل المدينة انحسر إلى حد كبير، إلا أن المقاتلين يعيدون تنظيم صفوفهم في الصحراء في جنوب البلاد، ولايزال خطر الكمائن أو الآليات المفخّخة بمتفجّرات يدوية الصنع قائماً أكثر من أي وقت مضى. لكن الأهم هو التحدي الناجم عن الإهمال المستمر، ووتيرة التعافي المنقبضة، وشبح التوترات بين المجتمعات المحلية الذي يُخيّم دائماً فوق المدينة. في المجمل، سلّطت هذه المحن الضوء على الحرمان الذي يشعر به مواطنو سرت منذ العام 2011. وإلى جانب الفراغ المطوّل في السلطة، قد يُشكّل هذا اليأس والتشوّش فرصة متجدّدة لظهور فريق متطرف – إما الدولة الإسلامية وإما تيار جهادي جديد – من منطلق حفظ النظام وإحقاق العدالة.

إذاً، ليست إعادة الإعمار والتعافي في سرت مرتبطتَين فقط بتعزيز مرونة الحوكمة المحلية؛ بل يجب أن تقوما أيضاً على الابتعاد عن الأساليب الرجعية والمأمونة والتحوّل نحو التركيز على بناء قدرات سرت على مستوى الأمن المحلي، وتفعيل مؤسساتها القضائية. فمن شأن ذلك أن يحول دون تفاقم مشاعر الإحباط والأسى والغضب التي تعتمل في نفوس السكان وبلوغها نقطة الانفجار، لأنه في هذه الحالة، قد يتحوّل مجهود إرساء الاستقرار في سرت من مهمة شاقّة إلى مهمة مستحيلة.

*يستند هذا المقال بشكل أساسي إلى العمل الميداني  والمقابلات التي أجراها المؤلّفان في سرت.