شبلي تلحمي | أستاذ في قسم الحكومة والسياسة في جامعة ميريلاند، ومدير موقع Critical Issues Poll، وزميل غير مقيم في معهد بروكينغز في واشنطن العاصمة

ينبغي النظر إلى إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن على أنه جزء من تحوّل أكبر بكثير تشهده السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، يستند إلى استخدام موارد قوة عظمى لخدمة أجندة متطرفة من شأنها أن تُحدِث قطيعة مع الأعراف الأميركية والدولية.

هذا لايعني أن تعامل أميركا مع الملف الإسرائيلي-الفلسطيني كان مُنصفاً في السابق. فالعلاقة بين الفلسطينيين والأميركيين لم تكن يوماً مُستقلّة بالكامل، بل كانت منذ البدء لازمة بديهية للعلاقة بين أميركا وإسرائيل. فعند توقيع اتفاقية أوسلو، الإسرائيليون هم من أحضروا ياسر عرفات إلى البيت الأبيض، وهم الذين أبعدوه حين تدهورت علاقته مع إسرائيل. لكن الولايات المتحدة كانت تملك مصالح عدا إسرائيل يجب حمايتها، ناهيك عن أن القادة الأميركيين كانوا، بدرجات متفاوتة، حسّاسين أحياناً تجاه محنة الفلسطينيين.

لكل هذه الأسباب، لطالما رغب العرب في أن تلعب الولايات المتحدة دوراً "نشطاً" من شأنه التأثير على إسرائيل. المُدهش اليوم هو أنهم حصلوا على هذا الدور الأميركي النشط، لكن ليس كما كانوا يتوقّعون: فما يحدث حالياً هو استعراض لعضلات أميركا، إنما لترقية أجندة متطرفة مؤيّدة لإسرائيل بشكلٍ صارخ. بعبارةٍ أخرى، ما نشهده هو سعي ثلّة من مستشاري ترامب، الذين مُنحوا حرية مُطلقة من فوق، إلى مساعدة إسرائيل في تحقيق مايعتبرونه انتصاراً تاريخياً في هذا الصراع، تحت شعار "الواقعية". وعلى الرغم من الصدمة التي تشكّلها هذه المحاولة ومدى صفاقتها، من المدهش أيضاً أن حكّام العالم العربي يوافقون عليها بحكم الأمر الواقع. يبقى في نهاية المطاف أن كل الأطراف المعنية ستخرج خاسرة من هذه العملية، لأن أحداً منها لايملك حلّاً منفرداً قابلاً للتطبيق، على الرغم من التفاوت الكبير بين كلٍّ من القوى الإقليمية والدولية.


 

ناثان ثرال | مدير مشروع الصراع العربي-الإسرائيلي في مجموعة الأزمات الدولية، ومؤلّف كتاب The Only Language They Understand: Forcing Compromise in Israel and Palestine (اللغة الوحيدة التي تفهمانها: فرض التسوية في إسرائيل وفلسطين)

لن يؤثّر قرار الولايات المتحدة بإغلاق البعثة الدبلوماسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن على فرص نجاح جهود السلام التي يبذلها الرئيس دونالد ترامب: فمنظمة التحرير الفلسطينية لم تكن تُشرك الإدارة الأميركية في نقاشاتها حول خطة السلام حتى قبل إغلاق المكتب، ومن المستبعد أن تغيّر رأيها الآن. لكن هذا لايعني أن إغلاق المكتب لن يؤثّر على الإسرائيليين والفلسطينيين. فحين تُضاف هذه الخطوة إلى جملة الإجراءات الأخرى المُتمثّلة في نقل الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس؛ وقطع المساعدات الأميركية عن كلٍّ من السلطة الفلسطينية، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والمشاريع التنموية، والمستشفيات في القدس الشرقية، يتّضح جلياً حتى لقادة منظمة التحرير الفلسطينية الأكثر إذعاناً وتأييداً للولايات المتحدة أنها ليست حليفاً لهم ولا وسيطاً محايداً في عملية التوصّل إلى اتفاق إسرائيلي- فلسطيني. الأهم أن هذه الخطوات الأميركية قد تسفر عن مشاكل إنسانية واقتصادية وأمنية في كلٍّ من القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، ستتحمّل إسرائيل معظم أكلافها. لذا، قد يؤدّي إرث ترامب في الملف الفلسطيني-الإسرائيلي عن غير قصد إلى زيادة أكلاف الاحتلال على المحتل نفسه. وسيشكّل ذلك على الأرجح منعطفاً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية، قد تكون حظوظه في النجاح أكبر من كل المحاولات السابقة.


 

غانم نسيبة | مؤسس شركة Cornerstone Global Associates للاستشارات

فقدت منظمة التحرير الفلسطينية قيمتها إلى حدّ كبير. كان لها في السابق ثلاثة أدوار متلازمة وهي: تمثيل الفلسطينيين في الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حزيران/يونيو من العام 1967؛ وتمثيل اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون خارج أراضي فلسطين التاريخية؛ وإبرام سلام مع إسرائيل. وهي بالتالي كانت ضمناً وسيلة لتحقيق سلام عربي- إسرائيلي شامل. كانت هذه الشروط المفروضة لقبول المنظمة على المستوى الدولي.

الآن، فشلت منظمة التحرير الفلسطينية بشكل نهائي في إنجاز المهمات الثلاث التي زعمت أنها تعمل على تنفيذها، ولم يعد بإمكانها الادّعاء بأنها الممثّل الوحيد للفلسطينيين، سواء داخل أو خارج فلسطين التاريخية. فبالنسبة إلى الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، تقوم السلطة الفلسطينية حالياً بلعب هذا الدور. علاوةً على ذلك، فشلت المنظمة في تحقيق سلام مع إسرائيل، على الرغم من أن حكومات إسرائيلية من كل الألوان كانت في السلطة. كما فقدت منظمة التحرير الفلسطينية تواصلها مع مجموعات اللاجئين الفلسطينيين. ولذا، يُعتبر إقفال مكتب المنظمة في واشنطن جزءاً من عملية فكّ ارتباط هذه الأخيرة بالفلسطينيين، وهي العملية التي كانت تسير على قدم وساق لسنوات عديدة. ولايمكن لذلك سوى أن يصبّ في مصلحة عملية السلام. أخيراً، يتعيّن على الفلسطينيين التطلّع إلى مرحلة مابعد منظمة التحرير الفلسطينية.


 

إيان بلاك | باحث أول زائر في مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، ومحرر سابق لشؤون الشرق الأوسط، ومحرر دبلوماسي ومحرر الشؤون الأوروبية في صحيفة الغارديان. كما أنه مؤلف عدد من الكتب، آخرها Enemies and Neighbors: Arabs and Jews in Palestine and Israel, 1917–2017 (أعداء وجيران: العرب واليهود في فلسطين وإسرائيل، 1917– 2017) (Penguin and Grove Atlantic)

صحيح أن عداء الولايات المتحدة للحركة الوطنية الفلسطينية والتحيّز الصارخ لإسرائيل ظهرا جلياً في قرار الرئيس دونالد ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتقليص المساعدات المقدّمة إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين. وكغيره من الخطوات السابقة، يمتلك الإقفال العقابي لمكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن قيمة فعلية ورمزية على حدّ سواء: فقد تمّ تعطيل قناة اتصال، لكن الأهم من ذلك أن هذه الخطوة قوّضت مواقع المنظمة بعد مرور 30 عاماً على انطلاق حوارها مع الولايات المتحدة. ولايمكن لمثل هذا القرار سوى أن ينسف الآمال المعلّقة على إمكانية أن تكون هذه الإدارة وسيطاً نزيهاً. وهذا ما تفعله أيضاً المقاربة الراهنة حيال غزّة التي يُرجّح أن تشجّع التفكك والتشرذم الفلسطيني، وتزيد تخندق حماس. لقد باتت سياسات كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، في عهد إدارة ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متطابقة تقريباً. ومع ذلك، لايعني دقّ مسمار أميركي آخر في نعش حلّ دولتين عادل وصالح أن أي نتيجة أخرى متفاوض عليها ستكون قابلة للتحقيق.

لكن، وعلى أي حال، لايمكن إقصاء الفلسطينيين عن "الطاولة".


 

علي أبو نعمة | المدير التنفيذي لموقع الانتفاضة الإلكترونية (Electronic Intifada)، ومؤلف كتاب The Battle for Justice in Palestine (معركة من أجل العدالة في فلسطين)

هذا القرار بحد ذاته لايهمّ. فالهدف من خطوة إغلاق مكتب المنظمة هو ممارسة الضغط على الكونغرس الأميركي ليواصل تقديم المساعدات، بدعوى أن السلطة الفلسطينية تتعاون على نحو ملائم مع إسرائيل. والآن وبعد أن أوقفت الولايات المتحدة تقديم جميع المساعدات باستثناء "الأمنية" منها إلى السلطة الفلسطينية، لم تعد هذه الخطوة مهمة، لأن مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ستضمن استمرار تدفق هذه المساعدات.

هذا وينبغي إدراج خطوة الإقفال هذه في إطار جهود الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى إجبار الفلسطينيين على الاستسلام، من خلال وقف جميع أشكال التمويل الأميركي تقريباً. وفي حين أن هذا سيتسبّب بمعاناة الفلسطينيين الأكثر انكشافاً، لن ينجح في تحويل الفلسطينيين إلى صهيونيين، كما يتوهّم المستوطنون والمتطرّفون المسؤولون عن السياسة الأميركية الحالية. ويتلخّص الدرس الطارئ والمتأخر كثيراً بالنسبة إلى الفلسطينيين وحلفائهم بأن انتظار الإنقاذ من واشنطن (أو الاتحاد الأوروبي) كان وسيبقى دائماً انتظاراً عقيماً. وحدها استراتيجية لبناء قوة مستقلة، من خلال المقاومة الجماعية والمقاطعة الدولية، يمكن أن تنجح في عزل نظام الفصل العنصري في إسرائيل وهزيمته.