يضمّ الكونغرس الأميركي، منذ نيسان/أبريل، مجموعة تُطلق على نفسها اسم تكتّل النصر الإسرائيلي. ويقول هذا التكتّل المكوّن من نواب أميركيين موالين لإسرائيل: "حان الوقت للتخلي عن مفاهيم الإغناء التي تنتمي إلى مابعد الحديثة، والعودة إلى المفهوم المُختبر والمُثبت حول النصر. ربما آن الأوان كي تفوز حليفتنا إسرائيل، وكي يحظى الفلسطينيون بفرصة لتحسين حياتهم".

يكاد ذلك يتساوى نسبياً مع الفلسفة التي ينتهجها راهناً المبعوثون الأميركيون المكلَّفون التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فالولايات المتحدة تسعى، من خلال سلسلة من الخطوات الأحادية في الأشهر الأخيرة – الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، قطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، والدفع باتجاه فرض خفضٍ كبير لأعداد الفلسطينيين المعترَف بهم كلاجئين، فضلاً عن إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن - إلى إرغام الفلسطينيين على القبول بأنهم الخاسرون في نزاعهم مع اليهود. بيد أن هذا المجهود سيقود إلى نتائج معاكسة تماماً لما يتوخّاه مروّجوه.

ماجرى هو تمهيدٌ لما سيأتي. فما تقوم به إدارة ترامب وحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يُرسي الأسس لمشكلة ستكون عصيّة على الحل. ربما تظنّ إسرائيل وأصدقاؤها في أميركا أن حججهم تسود حيال الفلسطينيين، إنما واهمٌ من يعتقد أن بإمكانه حمل ملايين الفلسطينيين على الانكفاء والاستسلام لمجرد أن ذلك يُرضي سرديتهم المفضّلة.

النتائج المحتملة معروفة جيداً في هذه المرحلة. فقريباً سيصبح الفلسطينيون أكثرية ديموغرافية في إسرائيل والأراضي المحتلة، مايفرض على الإسرائيليين واحداً من ثلاثة بدائل في حال التخلي عن الحل المتمثّل بإقامة دولتَين قابلتين للحياة: مواصلة القمع إلى مالانهاية، فيما يستمرون في تطبيق منظومة منحازة بصورة أساسية ضد الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال؛ أو الشروع في الطرد الجماعي للفلسطينيين إلى البلدان العربية المجاورة؛ أو منح الفلسطينيين حقوقاً مدنية متساوية، ماقد يفتح الباب في نهاية المطاف أمام تحوّلهم إلى مواطنين في دولة واحدة ثنائية القومية يرفضها اليهود معتبرين أنها تشكّل تهديداً وجودياً لهم.

ليس هناك من طريق رابع، وحتى الخياران الثاني والثالث مستبعَدان إلى حد كبير على ضوء التكاليف الهائلة، المعنوية أو الديموغرافية، التي يمكن أن تترتّب على إسرائيل. لكن إذا ما كان القمع هو الخيار الوحيد، فهذا يعني أن الفلسطينيين، المحرومين من جميع الإمكانيات الأخرى، سيرون في العنف السبيل الأوحد لتحقيق أهدافهم السياسية. والجهود الحمقاء التي تبذلها إدارة ترامب راهناً لإرغام الفلسطينيين على القبول بهزيمتهم، ستدفع بهم حكماً في هذا الاتجاه، لأن ذلك يُشير إلى أنه لاوجود لمسارٍ من المفاوضات المُجدية.

قيل الكثير عن أن الفلسطينيين الشباب لم يعودوا يركّزون على الحصول على دولة، بل يُبدون حرصاً أكبر على كسب حقوقهم في أي إطار ممكن. لكن ماذا يعني ذلك حقاً، إذا ما كانت جميع الخيارات التي أبقت عليها إسرائيل لنفسها تقود إلى إنكار الحقوق الفلسطينية؟ وفيما يُصبح الفلسطينيون أكثر إدراكاً لوزنهم الديموغرافي، ستستهويهم أكثر لاشك الرغبة في إشعال الثورة مجدداً.

قد لايكون الفلسطينيون مستعدّين للعنف راهناً، لكنهم سيستعيدون جهوزيّتهم ذات يوم، إلا إذا التمسوا مساراً آخر يُقدّم لهم نتائج أفضل. سوف تردّ إسرائيل انتقاماً، مُردّدةً الاتهام المعهود بأن الفلسطينيين لايفهمون إلا باستخدام العصا معهم، لكن السياق سيكون قد تغيّر بحلول ذلك الوقت. فالإسرائيليون، الذين سيكونون قد كسبوا الكثير عن طريق رعاتهم الأميركيين، لن يُنظَر إليهم بعين التعاطف مثلما كان يحدث سابقاً. إنها نتيجة إضافية من نتائج نزعة الثأر الأميركية في الأشهر الأخيرة، فقد استهدفت الولايات المتحدة الفلسطينيين الأشد هشاشة وفقراً، وقطعت عنهم المساعدات. وهكذا فإن كثراً ممّن يشاهدون مايجري، لن يعودوا مستعدّين لإلقاء اللائمة على الضحايا.

في نهاية المطاف، ستعود غطرسةُ مَن يدفعون باتجاه فرض نصرٍ إسرائيلي، بنتائج مناوئة لإسرائيل. يتعذّر تحقيق نصرٍ، سواءً من جانب الإسرائيليين أو الفلسطينيين، طالما أنه حُكِم على الشعبَين أن يعيشا جنباً إلى جنب. لقد تكرّرت الإشارة إلى هذا الواقع مراراً كثيرة، بحيث إنه من المستغرَب أن مثل هذه الحقيقة البديهية لاتزال غافلة عن صنّاع السياسات.

بغية استلهام عبرةٍ من الماضي، يستحق الأمر عناء العودة إلى مقابلة أجراها آري شافيت من صحيفة "هآرتس" مع المؤرّخ الإسرائيلي بيني موريس في كانون الثاني/يناير 2004، وكانت موضع نقاش واسع. لقد تحدّث موريس، وهو من أبرز المؤرّخين التنقيحيين في إسرائيل ومؤلّف كتاب ريادي عن ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، عن المنطق الذي يقف خلف طرد الفلسطينيين على أيدي القوات الصهيونية في حرب 1948. يقول موريس إن قرار "نقل" السكان اتّخذه الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون. ولدى سؤاله عمّا إذا كان بن غوريون يتحمّل مسؤولية سياسة الطرد الجماعي، وعما إذا كان هذا الأخير "من أنصار نقل الفلسطينيين" (transferist)، وفق التعبير الذي استخدمه شافيت، أجاب موريس:

بالطبع كان بن غوريون من أنصار النقل. لقد أدرك أنه لايمكن قيام دولة يهودية بوجود أقلية عربية كبيرة ومعادية في وسطها. يتعذّر قيام دولة من هذا القبيل. لن تتمكّن من فرض وجودها...

كان بن غوريون محقاً. لو لم يفعل مافعل، لما أبصرت الدولة النور. يجب أن يكون هذا الأمر واضحاً. يستحيل التهرّب منه. لولا اقتلاع الفلسطينيين، لما أمكن قيام دولة يهودية هنا.

صحيح أن موريس كان يتكلم عن العام 1948، إنما لامفرّ من إسقاط مضمون كلامه على الوضع الراهن. بالفعل، لم يتغيّر الكثير في تعلّق الشعبَين الجوهري بالأرض. بيد أن كل ماتفعله القيادة الإسرائيلية الراهنة يصبّ في إطار الاحتفاظ بسكانٍ عرب معادين – سيصبحون قريباً أكثرية – في وسط إسرائيل. لهذا يبدو مفهوم النصر الإسرائيلي عبثياً جداً. ولهذا السبب أيضاً لايمكن أن يتحقّق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلا من دون نصر لأي طرف.