غموض كبير لايزال يلّف قضية اختفاء جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول. خاشقجي، الذي شاركنا مرتين آراءه ضمن قسم "عقول باحثة" في "ديوان"، كان صحافياً سعودياً بارزاً انتقل إلى الإقامة في الولايات المتحدة العام 2017 بعد أن خضع إلى ضغوط متزايدة بسبب انتقاده القيادة السعودية، وفي مقدّمتها ولي العهد محمد بن سلمان.

للاطلاع على تقديرات حول مصيره، أجرت ديوان في 9 تشرين الأول/أكتوبر مقابلة مع آدم كوغل، وهو باحث حول شؤون الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، وسبق له إجراء تحقيقات واسعة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة. كوغل حائز على ماجستير في الدراسات العربية من جامعة جورجتاون في العام 2009، وأقام لمدة خمسة عشر شهراً في دمشق، حيث درس اللغة العربية وعمل مع اللاجئين العراقيين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما كان زميلاً في برنامج فولبرايت في الأردن خلال العاميْن 2005 و2006.

مايكل يونغ: هل تعتقدون أن جمال خاشقجي قُتل في القنصلية السعودية في اسطنبول؟

آدم كوغل: لايمكننا الجزم بما حدث لجمال خاشقجي بعد دخوله القنصلية السعودية في اسطنبول في 2 تشرين الأول/أكتوبر، لكن الأدلة كافة تشير في الوقت الراهن إلى محصلة رهيبة. من غير الواضح ما الذي يمكن استخلاصه من التسريبات المختلفة للاستخبارات التركية وإنكار السعوديين واقع اختفائه، لكن الحقيقة البسيطة والمؤكدة هي أنه دخل القنصلية ولم يخرج منها على الإطلاق، حتى أن خطيبته انتظره خارج القنصلية لمدة اثنتي عشرة ساعة. نأمل أن تكشف الحكومة التركية عن جميع تفاصيل ونتائج تحقيقها المستمر حتى نتمكّن من تكوين صورة أوضح حول ماحدث لجمال.

يونغ: من المسؤول برأيكم؟ وإذا كانت السعودية متورّطة، كما يُقال، إلى أي حدّ يُعتبر مثل هذا السلوك مألوفاً لدى نظام سعودي يتجنّب بشكل عام قتل خصومه بطريقة فظيعة كهذه؟

كوغل: إذا كان صحيحاً أن عملاء سعوديين احتجزوا أو قتلوا جمال خاشقجي، كما ادّعى بعض المسؤولين الأتراك، سيكون ذلك بمثابة مستوى متدنٍ صارخ جديد لعدم احترام محمد بن سلمان حقوق الإنسان وسيادة القانون الأساسية. الجدير ذكره هنا أن ولي العهد سبق أن أظهر اندفاعه وخروجه عن القانون من خلال معاملته لناشطين في مجال حقوق الإنسان ومعارضين سياسيين، فضلاً عن الحرب الكارثية التي يخوضها في اليمن والسياسة التي يعتمدها لعزل قطر.

كما استهدفت السلطات السعودية، بتعليمات من ولي العهد محمد، ناشطين في مجال حقوق الإنسان في الخارج عملياً وعبر هجمات إلكترونية. ووصل بها المطاف إلى حدّ اختطاف ناشطة في مجال حقوق المرأة السعودية في الإمارات في آذار/مارس الماضي. بيد أن قتل صحافي بارز في الخارج – إن كان صحيحاً – سيشكّل تطوراً جديداً مرعباً.

يونغ: ماذا فعل خاشقجي إلى درجة إغضاب النظام السعودي؟

كوغل: تحدّث جمال خاشقجي بمصداقية في الشؤون السعودية، لأنه حتى السنة الماضية لم يكن في الواقع منشقاً سياسياً، بل على العكس كان أقرب إلى كونه إصلاحياً مؤسسياً يدعم خطوات التحرير من داخل النظام. لابل هو عمل في وزارة الخارجية السعودية طيلة سنوات سابقاً، وكان مقرّباً من أفراد من العائلة المالكة. لكن حقيقة أن شخصاً مثل جمال، يَعرف تقريباً كل صحافي ومحلل غربي عمل في السعودية على مدى العشرين سنة الماضية، غادر إلى المنفى وبدأ بشكل علني في انتقاد محمد بن سلمان، هي على ما يبدو أكثر مما يمكن أن تتحمّله السلطات السعودية.

يونغ: ماهي برأيكم تداعيات اختفاء خاشقجي على المديين المتوسط ​​والطويل؟

كوغل: بصفتنا منظمة هيومن رايتس ووتش، نأمل بالتأكيد أن تتمثّل إحدى النتائج الإيجابية لهذا الوضع المرعب في قيام الإعلام الدولي والمؤسسات السياسية لحلفاء السعودية الغربيين بمقاربة ولي العهد محمد من زاوية مختلفة: ليس كشاب إصلاحي، بل كمستبد خارج عن القانون وعازم على تعزيز حكمه واجتثاث المعارضة المحتملة بكل أشكالها. وبغض النظر عن قضية خاشقجي، ونظراً إلى الاعتقالات الجماعية التي نفذّها محمد بن سلمان محلياً والسياسات الخارجية الكارثية، يتعيّن على جميع الدول الامتناع عن بيع الأسلحة للسعودية، والتوقف عن دعم التحالف الذي تقوده هذه الأخيرة في اليمن. علاوةً على ذلك، ينبغي على كل صحافي ومحلل أن يكشف الحقائق المتعلقة بخرق الأمير محمد للقوانين وعدم احترامه للحقوق الأساسية، بدلاً من التملّق ووصفه بالمُصلح الذي يسعى إلى إنقاذ المجتمع السعودي.