روزانا بومنصف | محررة أولى في صحيفة "النهار" اللبنانية

لايمكن عزل الحديث عن تشكيل حكومة جديدة في لبنان عن السياق الإقليمي للبلاد. وثمة افتراض بأن إيران تسعى إلى تشكيل حكومة في كل من العراق ولبنان، قبل أن يسري مفعول العقوبات الأميركية في 4 تشرين الثاني/نوفمبر الرامية إلى الحدّ من صادرات طهران النفطية. مع ذلك، لايمكن لأحد أن يُنكر أن عرقلة تشكيل حكومة لبنانية (أو عراقية) قد تكون أداة مساومة للتخفيف من حدّة هذه العقوبات، حتى لو لم يكن حليف إيران، حزب الله، في مقدمة الأطراف المُعرقلة لتشكيل الحكومة في بيروت. علاوةً على ذلك، لايجب أن ننسى أن العرقلة ناجمة أيضاً عن صراع مستمر بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية حول التمثيل المسيحي داخل المجلس.

في الوقت نفسه، تحاول الدول العربية الضغط في اتجاه تشكيل سريع للحكومة، والوقوف في وجه أي حكومة غير متوازنة من شأنها أن تصبّ في خانة حزب الله وتسهّل محاولات تقويض اتفاق الطائف. وقد كان تفاؤل رئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري الأخير بشأن عملية التشكيل، بمثابة نفي لجميع المزاعم القائلة بأن السعودية تعرقل هذه العملية.


 

سامي نادر | مدير معهد المشرق للشؤون الاستراتيجية، وخبير اقتصادي ومحاضر في جامعة القديس يوسف في بيروت

لا أعتقد أن تشكيل الحكومة سيستغرق وقتاً طويلاً بعد. ويمكن تلخيص المطبّات التي مرّت بها عملية التشكيل، خلال الأشهر الخمسة الماضية، على النحو التالي: أراد حزب الله وحلفاؤه، الذين فازوا في الانتخابات البرلمانية، تسليم سعد الحريري منصب رئيس الحكومة، لكن بشروطهم الخاصة. وبعبارة أخرى، لم يكونوا مستعدّين للتنازل عما يعتبرونه نصيبهم العادل داخل الحكومة.

بيد أن الأمور تبدو مختلفة الآن: إذ إن حزب الله يحتاج إلى حكومة وحدة وطنية يرأسها الحريري، لتحصينه ضدّ الضغوطات الدولية المتنامية. فمواجهة إيران هي عنوان اللعبة في واشنطن، وقد انضمت إليها مؤخراً الدول الأوروبية عبر فرض عقوبات على طهران. علاوةً على ذلك، ستزداد العقوبات الاقتصادية على حزب الله، وبالتالي سترتفع احتمالات توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية جديدة. إضافة إلى ذلك، قد يدرك أصحاب المصلحة في لبنان أخيراً أن اقتصاد البلاد على شفير الانهيار، وبالتالي من شأن أي تأخير إضافي أن يكون خطيراً. والواقع أنني لن أندهش إذا اندفع حزب الله لإقناع حلفائه بضرورة التوصّل إلى حلّ وسط.


 

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط

لن تتشكّل الحكومة إلا حين يعترف السياسيون اللبنانيون أن البلاد باتت على شفا الكارثة، وإلا حين تشعر الأطراف الإقليمية أنها حققت أقصى مراميها ومكاسبها في هذه المرحلة.

هذه الحقيقة تكشف النقاب عن أن ما أعاق تشكيل الحكومة حتى الآن هي المصالح المتباينة على نحو شاسع. فهناك أولاً، وأساساً، شدّ الحبال العنيف بين الطرفين السياسيين المسيحيين المتنافسين على الهيمنة المستقبلية على طائفتهما وعلى منصب الرئاسة اللبنانية. وهذا ينطبق على وجه الخصوص على تموضع جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر لخلافة والد زوجته الرئيس ميشال عون حين يغادر هذا الأخير الساحة السياسية. ومثل هذه المجابهة أسفرت عن تسميم أجواء الخطاب السياسي العام، وأحيت مشاعر وأحاسيس حقبة الحرب.

ثمة عامل آخر هنا يساهم بدوره في مفاقمة حالة الاستقطاب، هو إعادة توكيد النفوذ السوري في سياسات البلاد، في الوقت نفسه الذي تزداد فيه ضغوط حزب الله وحلفاؤه على الحكومة لتطبيع العلاقات مع دمشق. والحال أن تغيّر الموازين لصالح النظام السوري، يدفع حلفاءه اللبنانيين إلى أحد أمرين: إما العمل لقيام حكومة قصيرة الأجل، أو تأخير تشكيلها بهدف ضمان بروز قيادات أكثر إذعاناً لاحقاً، قد تقبل بإحياء الهيمنة السورية وتحويل لبنان إلى منفذ ومتنفّس تستطيع عبره سورية الانخراط مع العالم، وربما أيضاً تجنّب وطأة العقوبات الدولية. وهذا يعني أن حلفاء النظام السوري يعتبرون أن الوقت أزف لحصد ثمار استثمارهم في دعم نظام الأسد، فيما هم ينشطون لدرء الجهود الأميركية الهادفة إلى ضعضعة إيران.

قد يبدو أن كل هذه الشواغل تصب في خانة تدوير الزوايا، لكن لم يعد بالإمكان في الواقع القفز فوق الحاجة الماسة إلى وضع لبنان مجدداً على الطريق الصحيح والسليم. إذ إن تدهور الثقة باقتصاد البلاد، وزيادة الضغوطات الاجتماعية - الاقتصادية، والتآكل الواضح في نسيج مؤسسات البلاد، يجعل من الأهمية بمكان أن تبادر القيادة السياسية إلى إغلاق صفحة التأخير بأقصى سرعة.


 

حنين غدّار | زميلة زائرة في زمالة فريدمان في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في العاصمة الأميركية

يبدو أن عملية تشكيل الحكومة اللبنانية عادت إلى المربع الأول، بعد أن أعلن رئيس الوزراء سعد الحريري الأسبوع الماضي أن الحكومة قد تتشكّل في غضون أسبوع أو عشرة أيام. إذ على رغم أن الحريري شدّد على أن كل الأطراف قدّمت تنازلات، إلا أنه لايبدو أن هناك شيئاً من هذا القبيل من جانب الحزبين المسيحيين الرئيسيين اللذين يعرقلان مسيرة التشكيل. وفي الوقت نفسه، كان حزب الله يلقي بلائمة التأخير على عاتق "التدخلات الأجنبية"، ملمحاً بذلك إلى موقف الولايات المتحدة الرافض لتسلّم الحزب أي وزارة خدمات أساسية، خاصة وزارة الصحة.

على أي حال، السؤال الرئيس الآن هو: هل ستقوم الحكومة بمعالجة الأزمات الاقتصادية والسياسية في البلاد؟ والجواب هو: لا بالتأكيد تقريبا. إذ الأمر هنا يحتاج إلى تنفيذ عمليتين أساستين إثنتين لمساعدة لبنان على التعافي من أزماته هما: إصلاح مؤسسات الدولة من خلال آليات محاسبة حازمة، واحتواء هيمنة إيران على لبنان. إذ طالما تواصل طهران الهيمنة على قرارات البلاد السياسية والأمنية؛ وطالما يواصل الفساد حرمان المؤسسات من الموارد، سيبقى لبنان معزولاً سياسياً واقتصادياً وستمضي مسيرة التفسخ والتحلل قدما.

يعتقد العديدون في لبنان أن المجتمع الدولي سيتدخّل لمساعدة البلاد، لأن استقراره يبدو أولوية أكثر من مسائل الفساد أو حتى من نفوذ حزب الله المتنامي. كما يعتقد آخرون أن قضية اللاجئين السوريين ستحفز الحكومات الأوروبية على تقديم المساعدات لانتشال لبنان من حالة اللااستقرار التي قد تنجم عن سوء سلوك المؤسسات والسياسيين. بيد أن الحقيقة أن استقرار لبنان قد لاتبقى له الأولوية بسبب التحولات السياسية في الولايات المتحدة وبلدان أخرى، وأيضاً بسبب تزايد وتائر التركيز على إيران وأتباعها في المنطقة.