يمثِّل الربيع العربي لكثُرٍ الوعدَ بعالم عربي أكثر عدلاً وديمقراطية. لكن تقرير تحديات التنمية العربية 2011، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، يحذّر من أنه في غياب أي تحسينات اقتصادية مهمة وزيادة في المساواة الاجتماعية، سيكون من الصعب إدارة عمليات الانتقال إلى الديمقراطية في الربيع العربي.

قدّمَ التقريرَ، في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، كلٌّ من محمد بورنيك، رئيس فريق الحدّ من الفقر في مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في القاهرة، ونهى المكاوي، مديرة مكتب الشرق الأوسط في مؤسسة فورد، وعبد الله الدردري، مدير شعبة التنمية الاقتصادية والعولمة في الإسكوا، وباولو ليمبو، مدير المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في القاهرة. أدار النقاش بول سالم وإبراهيم سيف.

الدولة الريعية

شرحت نهى المكاوي أن إحدى الفرضيات الأساسية التي توصّل إليها التقرير هي أن السبب الرئيس للربيع العربي كان انهيار العقد الاجتماعي الفاشل القائم على توزيع العائدات مقابل القبول السياسي. وأضافت أن هذا النظام أسفر، بدلاً من ذلك، عن قدر أكبر من انعدام المساواة، وهو غير مستدام على المدى الطويل لأنه مدعوم فقط من موارد طاقة متقلّبة.

قياس الفقر

أكّد محمد بورنيك أن الإحصاءات المتوفّرة لعلماء الاقتصاد مُضلِّلة لأنها لاتأخذ بعين الاعتبار الصورة الكاملة للإقصاء السياسي والاقتصادي في العالم العربي. وشرح أن عجز البدائل أجبر واضعي التقرير على استخدام بعض المؤشرات التي يعرفون أنها غير ملائمة في أفضل الأحوال، لكنهم حاولوا وضعها في إطار اجتماعي أوسع.

  • المؤشرات الاقتصادية: صحيح أن المنطقة تمتلك ثروات مادية هائلة، إلا أن هذه الثروات لم تُفِد الرفاه الإنساني العام، وفقاً لبورنيك. والتقرير يشدّد على أنه فيما يُسجَّل نموّ اقتصادي (ولاسيما ارتفاع في المداخيل)، ثمة تفشٍّ للإقصاء السياسي، والتفاوت، وسوء إدارة الموارد، والبطالة، مايجعل مثل هذا النمو غير ملموس من غالبية الشعب.
     
  • الأنظمة الفاسدة: وفقاً للتقرير، تُظهِر البيانات نمواً اقتصادياً ولا تُظهِر انخفاضاً في مستويات الفقر لسبب من الأسباب، وهو أن رؤوس أموال طائلة تُهدَر لأنها تُستَغَل لاستمالة مناصري الأنظمة.
     
  • الاعتماد على النفط: يشير التقرير إلى عدد الاقتصادات العربية التي تعتمد على النفط. فقد شكّل الاعتماد على النفط، إضافةً إلى طبيعة هذا الأخير المتقلّبة، عائقاً في وجه التحوّلات البنيوية، كتحسين البنية التحتية، الذي غالباً مايتمّ في الاقتصادات غير المعتمدة على الطاقة.

انعدام المساواة في العالم العربي

  • التشابه مع أميركا اللاتينية: شرح بورنيك أن انعدام المساواة في الشرق الأوسط شبيه بانعدام المساواة في أميركا اللاتينية. فكلا المنطقتين تقومان على تفاوتات هائلة في توزيع الثروة ضمن المدن، وفي مابين المراكز الريفية والمُدنية، وما بين دول المنطقة.
     
  • غياب الوظائف الجديدة: يشير التقرير إلى أن أحد التحديات الرئيسة التي يواجهها العالم العربي هو البطالة. فالبلدان العربية تشهد تنامياً سريعاً في أعداد سكانها، غير أن الوظائف الجديدة تبقى قليلة في هذه الاقتصادات القائمة على الموارد. وغياب الوظائف صعب بشكل خاص بالنسبة إلى الداخلين حديثاً إلى سوق العمل، ولاسيما النساء والشباب منهم. كما يرى التقرير أن مشاركة المرأة في سوق العمل في العالم العربي تُقدَّر بنصف المعدل العالمي.

الحلول السياسية والاجتماعية البراغماتية

أشار عبد الله الدردري إلى أن التقرير لايصف نموذجاً سياسياً محدَّداً للنمو الاقتصادي، بل ينادي باعتماد نظام اقتصادي يقوم على الكرامة الإنسانية والإدماج، ويشدّد على أهمية المساءلة المتبادلة بين الدول وبين مواطنيها.

  • زيادة الضبط: يظهر التقرير أن الأنظمة المالية في بعض الدول فقدت آليات الضبط اللازمة. فالدول ذات العملات المرتبطة بالدولار الأميركي مثلاً، فقدت قدرتها فعلياً على التأثير في استراتيجيات السياسة النقدية على مستوى الاقتصاد الجزئي. كذلك يشدّد على أن اختلال التوازن الاقتصادي في العالم العربي لايمكن إصلاحه من دون قدرة على إدارة السياسات محلياً.
     
  • التكامل الإقليمي: رأى الدردري أن العالم العربي يحتاج إلى تكامل إقليمي أكبر لإرساء اقتصاد تنافسي. فالدول العربية بدأت تترابط بشكل وثيق أكثر مما كان يُعتقَد، والتكامل يجب أن يستمر في تحفيز اسثمارات أكبر في المنطقة.

التطلّع إلى المستقبل

يقرّ التقرير المتفائل تفاؤلاً حذراً بأن مشاكل جمة تجابه المنطقة، غير أن هذه الأخيرة يمكن أن تتّجه نحو تصحيح اختلالات التوازن القائمة إذا ماعمدت إلى معالجة هذه المشاكل بالتدابير المناسبة. كما يذكر التقرير بشكل خاص أن استراتيجيات التنمية التي فشلت سابقاً قد تكون أكثر فعالية اليوم، نظراً إلى الديناميكيات السياسية الجديدة التي أطلقها الربيع العربي.