إعادة تصوّر الأمن الداخلي في مصر

إعادة تصوّر الأمن الداخلي في مصر
مقال تحليلي
ملخّص
حتى لو نجحت مصر في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرّة مئة في المئة، تنبّه ميشيل دن ومارا رفكين إلى أنه يستحيل على البلاد الانتقال إلى ديموقراطية حقيقية إذا استأنفت أجهزة الأمن الداخلي عملها كما في مرحلة ما قبل 25 يناير/كانون الثاني.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

أعلن قادة المرحلة الانتقالية في مصر في 15 مارس/آذار عن الخطوة الأهم التي اتّخذوها حتى الآن في إطار الابتعاد عن إرث نظام مبارك منذ تنحّي الرئيس السابق عن الحكم في 11 فبراير/شباط الماضي: حلّ جهاز مباحث أمن الدولة. وقال وزير الداخلية الجديد منصور العيسوي إنه سيتم إنشاء قطاع جديد يُسمّى "قطاع الأمن الوطني" في الوزارة لمكافحة الإرهاب وحماية الأمن في الداخل بما يتماشى مع الدستور ومبادئ حقوق الإنسان. وأضاف أن الجهاز الجديد لن يتدخّل في النشاطات السياسية أو الحياة الشخصية للمواطنين.

سوف تُظهر التطوّرات في الأيام والأشهر المقبلة مدى جدّية هذا التغيير في الأمن الداخلي وعمقه وما إذا كان سيُطبَّق بفعالية. لكن الواضح منذ الآن هو أنه كانت هناك حاجة ماسّة إلى التغيير؛ فالمجموعات المعارضة والاحتجاجية في مصر تختلف حول أمور عدّة لكنها تُجمع على وجوب توقّف قوى الأمن الداخلي عن مضايقة الناشطين السياسيين وناشطي المجتمع المدني المسالمين واستخدام المناورات معهم وتعذيبهم. والخطوات الأولى التي اتّخذها مبارك ثم المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة – إقالة وزير الداخلية السابق حبيب العادلي وإحالته على المحاكمة وتعيين ضابط غير معروف من الجهاز الأمني مكانه – لم توجّه رسالة تغيير واضحة بما يكفي.

شكّل تعيين العيسوي – وهو مفوّض شرطة متقاعد ومحافظ سابق يتمتّع بالمصداقية لدى المعارضة والمجموعات الاحتجاجية – وزيراً في الحكومة الجديدة في الخامس من مارس/آذار، خطوة إضافية. لكن عندما ألقى رئيس الوزراء عصام شرف خطابه العلني الأول في ميدان التحرير في الرابع من مارس/آذار، قاطعه العديد من الحاضرين بصوت عالٍ للمطالبة بإجراء إعادة هيكلة جذرية وفورية لمباحث أمن الدولة. وبعد أربع وعشرين ساعة من إلقاء شرف خطاب التنصيب، اقتحم مئات المحتجّين مكاتب مباحث أمن الدولة في القاهرة والإسكندرية ومدن أخرى لمنع الموظّفين من تلف الوثائق التي قد تُثبت تورّطهم في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. وكانت إشاعات قد بدأت تسري في مطلع مارس/آذار بأن جهاز مباحث أمن الدولة يستعيد نشاطه من جديد بعدما تنحّى جانباً لأسابيع عدّة، وبأن ضبّاطه يؤجّجون نيران الخلافات المذهبية من أجل إثبات الحاجة إلى خدماتهم. فقد لقي ثلاثة عشر شخصاً مصرعهم في صدامات طائفية في الثامن من مارس/آذار، وشهد ميدان التحرير من جديد صدامات عنيفة بين المتظاهرين والبلطجية الذين يعملون لحساب الأجهزة الأمنية.

أعلن الوزير العيسوي في 15 مارس/آذار أنه سيجري اختيار ضباط القطاع الأمني الجديد في الأيام المقبلة، من دون أن يوضح إذا كان سيتم صرف ضباط مباحث أمن الدولة (وربما السماح لهم بالتقدّم بطلبات ليشغلوا من جديد الوظائف نفسها) أو إذا كانت القيادة العليا فقط هي التي ستتغيّر. ليس تسريح جهاز أمني بحجم الجهاز المصري بالعمل السهل. فقد عمد مبارك خلال حكمه الذي استمرّ ثلاثين عاماً، إلى زيادة حجم مباحث أمن الدولة ونطاق صلاحياتها بصورة مستمرّة. عام 1974، كان عدد موظّفي الشرطة 150 ألفاً فقط، لكن بحلول عام 2009، أشارت تقديرات المحلّلين إلى أن وزارة الداخلية المصرية تدير 1.7 مليون موظّف بينهم حوالى 400000 ضابط في مباحث أمن الدولة و850000 شرطي نظامي وموظّف في الوزارة و450000 عنصر في قوات الأمن المركزي. ومن أجل إدراك الحجم الفعلي لهذه الأرقام، لا بد من الإشارة إلى أن عدد موظّفي الأمن الداخلي في مصر يفوق عدد الجنود في الخدمة الفعلية بمعدّل ثلاثة إلى واحد، وكانوا يشكّلون عام 2002 خُمس مجموع موظّفي الحكومة المركزية.

طوال مرحلة التسعينات التي واجهت حكومة مبارك خلالها موجة من الهجمات الإرهابية في الداخل، رعى مبارك سلسلة من القوانين أدّت إلى كبح الحقوق المدنية والسياسية، وتوسيع جهاز مباحث أمن الدولة في شكل مطّرد، وقد برّرها بالقول بأنها ضرورية للتصدّي للتطرّف الإسلامي. وكانت الجماعتان الإرهابيتان المحليتان، الجماعة الإسلامية والجهاد، الهدفَين المعلنين لحملة التدابير المشدّدة، لكن في الواقع استخدمت القوى الأمنية أيضاً صلاحياتها الواسعة للتضييق على المعارضين السياسيين للنظام ومنعهم من ممارسة أي تأثير. فإلى جانب الأشخاص الذين يُشتبَه في انتمائهم إلى المتشدّدين، اعتقلت الحكومة الناشطين المعارضين وبينهم الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التي لم تلجأ إلى العنف أو تنادي به منذ عقود. وقد تعرّض مئات السجناء الذين جرّدتهم حالة الطوارئ المطبَّقة على نطاق واسع من حق الاحتكام إلى القانون، للتعذيب أو قُتِلوا حتى من دون أن توجَّه إليهم تهم جنائية. ولم تتم ملاحقة مرتكبي هذه الانتهاكات قضائياً سوى في حالات نادرة. وحتى تاريخ 31 يناير/كانون الثاني 2011، لم تجرِ إدانة أي ضابط في مباحث أمن الدولة بتهمة التعذيب، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش، على الرغم من مثول ضباط أمام المحكمة في ثلاث قضايا على الأقل.

أبعد من الانتهاكات الفاضحة جداً، فرض جهاز مباحث أمن الدولة ثقافة الدولة البوليسية وعزّزها حيث كان يتم استدعاء المصريين المعنيين بالسياسة أو المجتمع المدني للوشاية عن جيرانهم وزملائهم بطريقة أو بأخرى. وكان من المعروف أن الموظّفين الحكوميين والمواطنين يحتاجون إلى تصريح غير رسمي من مباحث أمن الدولة في مجموعة واسعة من النشاطات التي تُعتبَر حسّاسة، مثل السماح لمنظمة غير حكومية بقبول منحة، أو ترميم كنيسة أو بنائها، أو تعيين مسؤول جديد عن برنامج أكاديمي. ولم يكن يُخفى على أحد، ولو نادراً ما كان يتم التطرّق إلى المسألة، بأن مباحث أمن الدولة كانت تعمل على تشويه سمعة ناشطي المجتمع الأهلي الذين كانوا يثيرون غضب النظام، كما حصل مع عالم الاجتماع سعد الدين ابرهيم عام 2000. واشتهرت مباحث أمن الدولة أيضاً بتحريك التصدّعات داخل المجموعات المعارِضة التي كانت تعتبر أنها تجاوزت الخطوط الحمراء غير الرسمية؛ ومن أشهر الحالات في هذا السياق حزب العمل الاشتراكي (جُمِّد ترخيصه منذ عام 1999)، وحزب الغد بزعامة أيمن نور (هناك خلاف على قيادته منذ عام 2005).

من الضروري إعادة تعريف مهمة قوى الأمن الداخلي بعيداً من التعذيب والتعسّف والمناورات السياسية والتدخّل غير المبرّر في الشؤون الخاصة، والتركيز بدلاً من ذلك على مكافحة الإرهاب والجريمة. وكان إعلان الوزير العيسوي التعبير الأوضح عن هذه النيّة حتى الآن. سوف تبدأ المرحلة الصعبة حيث يجب اتّخاذ قرارات عن حجم القوّة الضرورية، وإعادة تدريب الضباط، والسبيل لتفادي وقوع مشاكل خطيرة يتسبّب بها المصروفون من الخدمة؛ فلن تكون هناك على الأرجح حاجة إلى شرطة سرّية بهذا الحجم إذا أصبحت وظائفها أكثر محدودية إلى حد كبير. لن يكون هذا كله سهلاً، لكن لا مفرّ منه. حتى إذا أجرت مصر انتخابات رئاسية وتشريعية حرّة مئة في المئة، من المستحيل أن تتمكّن من الانتقال إلى ديموقراطية حقيقية إذا استأنفت أجهزة الأمن الداخلي عملها كما في مرحلة ما قبل 25 يناير/كانون الثاني.

End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.org/2011/03/16/إعادة-تصو-ر-الأمن-الداخلي-في-مصر/bixi

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。