جامعة عربية بأسنان؟

مقال فورين بوليسي
ملخّص
لقد أثارت الصحوة العربية ردود فعل غير مسبوقة من قبل جامعة الدول العربية إزاء الانتفاضتين في سوريا وليبيا، مما أتاح الفرصة لتعزيز الجامعة ودعم قدرتها على الاضطلاع بدور إيجابي في المنطقة.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

 في ظلّ وجود المراقبين على الأرض في سورية لرصد ما إذا كان نظام الرئيس بشار الأسد سيضع حدّاً لحملته القمعية، تتولّى جامعة الدول العربية قيادة ردّ الفعل الدولي على العنف المتصاعد. بيد أن هذا لايعني أن كل الأمور تتم بسلاسة. إذ تعرّض مراقبو الجامعة العربية إلى الهجوم، وكانت تواكبهم قوات أمن النظام، وتمنعهم من التعاطي بشكل مستقل مع المتظاهرين. كما تعرّضوا أيضاً إلى انتقادات من جانب المعارضة السورية بسبب قلّة عدد أعضاء البعثة وافتقارهم المُفترَض إلى الاستقلالية. وفي حين أن هذه الانتقادات الأخيرة مشروعة، إلا أنه علينا ألا ننسى المدى الذي وصلت إليه هذه المنظمة الإقليمية في السنة الماضية: فقد جلبت الصحوة العربية ردود فعل لم يسبق لها مثيل من قبل جامعة الدول العربية بشأن الانتفاضتين في سورية وليبيا. وهذا يمكن أن يخلق فرصةً لتعزيز الجامعة ودعم قدرتها على لعب دور إيجابي في المنطقة. ومع ذلك، فهذه لاتزال إمكانية لم يتم إنجازها بشكل كامل، إذ يتعيّن على الجامعة أن تثبت أنها قادرة على تبديد صورة الوهن والعجز التي لازمتها، وأن تثبت أنها تستطيع أن تلعب دوراً ذا مغزى في الشؤون العربية، في ضوء الحقائق الجديدة في المنطقة.

لذا، وحتى مع كل الانتقادات التي تواجهها، لايزال من قبيل الإنصاف أن نتساءل عما إذا كنا نشهد ولادة جامعة عربية جديدة أكثر قوة. تقليدياً، كانت الجامعة منظمة ضعيفة للغاية عن عمد أكثر من أي شيء آخر. فعندما تأسّست في العام 1945، لم تكن الدول العربية ترغب في أن تنتهك الجامعة سيادتها، ولذلك أصرّت على ضرورة أن يتم اتّخاذ القسم الأكبر من قراراتها بالإجماع.

ومرةً تلو الأخرى، كان هذا يعني أن الجامعة العربية تفتقر إلى الفعالية في مواجهة الشدائد، وأنها غير قادرة على اتّخاذ أي قرارات سياسية أو اقتصادية كبرى. ثم أن مساهمتها في التنمية في العالم العربي كانت ضئيلة. وإذا ماقارَنّا الجامعة العربية بالاتحاد الأوروبي، سنجد أن هذا الأخير قد تطوّر أكثر بكثير، على رغم الحقيقة بأن المجموعة الاقتصادية الأوروبية، التي نشأ الاتحاد الأوروبي من رحمها، كانت قد تأسّست بعد عقد من تأسيس الجامعة العربية.

الصحوة العربية قد تغيّر كل شيء

في حين أن جامعة الدول العربية نادراً ما اتّخذت قرارات ضدّ الدول الأعضاء، فقد حدث تغيير ملحوظ في وتيرة عملها وتصميمها في العام 2011. كانت الموافقة على مشاركة قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليبيا خطوة كبيرة. فمن دون ذلك القرار، من الممكن جداً أن يكون معمر القذافي لايزال في السلطة إلى اليوم، ويتواصل سقوط آلاف القتلى. علاوةً على ذلك، كان فرض عقوبات على النظام السوري لقيامه بقتل شعبه يمثّل المرة الأولى التي تتّخذ فيها الجامعة العربية إجراءات من هذا القبيل ضد دولة عضو.

ولو أن جامعة الدول العربية لم تتحرك ضد سورية، لكان في وسع الأسد أن يدّعي أنه لايزال يتمتّع بالشرعية في العالم العربي، والتي من الواضح أنه لايتمتّع بها اليوم.

في عصرنا الحالي الذي تحكمه العولمة، لم يَعُد في وسع المجتمع الدولي التزام الصمت عندما تصبح الحكومات معاديةً لشعوبها. وبالتالي، سرعان ما أدركت الجامعة العربية أنها لايمكن أن تصمّ أذنيها عمّا كان يحدث، كما فعلت في الماضي.

ثمّة تساؤلات عمّا إذا كان إصرار الجامعة العربية الجديد يرجع إلى تأثير بعض اللاعبين الرئيسيين فيها – المملكة العربية السعودية بشأن سورية، وقطر بشأن ليبيا – أو ما إذا كانت فعّاليتها الجديدة تمثّل دلالة على وجود رغبة من جانب الدول الأعضاء في السماح للجامعة بأن تلعب دوراً أكثر أهميةً في الشؤون العربية. مع ذلك، وعلى الرغم من ضعف هيكليتها وسجلّها الضعيف، بادرت الجامعة إلى اتّخاذ إجراءات. هذا يدلّ على أنه يمكن إصلاح الجامعة العربية لتعزيز دورها في تطوّر العالم العربي الجديد.

جرت محاولات للقيام بهذه الإصلاحات في الماضي، لكن تمّ عرقلتها دائماً من جانب نظام عربي قاسٍ بشكل عنيد لايريد الخروج من الوضع الراهن، أو التنازل عن السيادة للجامعة العربية، أو أي جهة أخرى. هذا الوضع يتغيّر الآن.

سياسياً، تستطيع جامعة الدول العربية المساعدة على وضع قواعد محدّدة للحكم من شأنها تكريس مبادئ التعدّدية، وحماية الحقوق الشخصية، والتداول السلمي للسلطة، والتسامح تجاه جميع القوى السياسية طالما أنها تتقاسم هذه المفاهيم.

ثمّة مخاوف كبيرة من أن الإسلاميين سيستفيدون من نظام "رجل واحد وصوت واحد لمرة واحدة"، أي باستخدام الديمقراطية للوصول إلى السلطة ومن ثمّ حرمان الآخرين من حقوقهم الديمقراطية. لكن الفترة الحالية هي أيضاً الوقت الذي لاتزال فيه النخب السياسية تصارع التغيير وتستخدم الإسلاميين كتكتيك للتخويف. يمكن لجامعة الدول العربية أن تساعد في تحديد قواعد اللعبة بالنسبة لجميع البلدان، ويمكنها أن تساعدها على التعلّم من التجارب الإيجابية في بلدان مثل تونس. وكما أظهرت الانتفاضات تحدّيات اقتصاديةً خطيرةً بالنسبة إلى البلدان التي تمرّ بمرحلة انتقالية، يمكن للجامعة العربية مساعدة المنطقة على الاندماج على نحو أفضل من خلال التجارة والعمل وحركة رأس المال.

ينبغي أن يُنظَر إلى جامعة الدول العربية بوصفها جزءاً من الحلّ بدلاً من كونها جزءاً من المشكلة من جانب البلدان القوية التي قاومت التغيير سابقاً. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، لديها مخاوف حقيقية حول إلى أين يمكن أن تقود العمليات الانتقالية. ويمكن لجامعة الدول العربية أن تساعد في تهدئة هذه المخاوف من خلال جعل تلك العمليات أكثر سلاسة وسلميّة.

يتعيّن على البلدان الأعضاء في الجامعة أن تقود عملية التغيير هذه. فقد برز الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي من رحم نظام مابعد حسني مبارك في مصر، وهو في وضع يمكّنه من قيادة هذه الإصلاحات التي تشتدّ الحاجة إليها.

بيد أنه لاينبغي أن تكون الأزمة هي المدعاة الوحيدة للعمل، إذ يجب أن يتم العمل على الفرصة الذهبية للإصلاح من خلال وضع مقترحات محدّدة. وهذا لاينطبق فقط على ضرورة تشجيع قدرة الجامعة العربية على التدخّل ضدّ الدول الأعضاء عندما تحدث عمليات قتل، بل أيضاً على المساعدة في دفع التطوّر باتجاه منطقة متكاملة اقتصادياً ومتنوّعة سياسياً.

لطالما اعتُبِرَت الجامعة العربية عديمة الجدوى، ولذا تجنّبها المجتمع الدولي. فقد كان زعماء العالم يعتقدون أن لافائدة من التحدّث إلى الجامعة. هذه فرصة لتغيير كل ذلك. إذ لم يكن في وسع المجتمع الدولي أن يتحرّك بشأن ليبيا من دون جامعة الدول العربية، وهو لايستطيع التحرّك اليوم بشأن سورية من دونها. ولاتزال البلدان خارج المنطقة تتطلّع إلى الجامعة العربية لكي تقوم بما لايمكنها القيام به هي. وإذا لم تتحرّك الجامعة العربية بقوّة، فسوف تضطرّ إلى مواجهة الواقع غير السارّ الذي تغاضت عنه، وتُسلِّم المهمّة إلى المجتمع الدولي مرةً أخرى.

تظهر الأوضاع في ليبيا وسورية أن ثمة حدوداً لما يمكن للمجتمع الدولي القيام به من دون وجود إجماع عربي. وقد حان الوقت لبناء جامعة عربية جديدة فعّالة، يمكنها الإفادة من الصحوة العربية.

تمّ نشر هذا المقال بالإنكليزية في مجلّة فورين بوليسي.

End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.org/2012/01/18/جامعة-عربية-بأسنان/hkxh

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。