الجمود الموجع في سورية

المصدر: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
دخلت سورية في مرحلة "جمود موجع" قد يدوم أشهراً لا سنوات. ففي حين أن النظام عاجز عن كبح الانتفاضة، تبدو المعارضة غير قادرة هي الأخرى على إثبات سيطرتها العملياتية الفعّالة على حالة الفوضى المتزايدة على الأرض.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

مرة أخرى، يعطي تسارع وتيرة الأحداث في سورية الانطباع بأن نظام الرئيس بشار الأسد يقترب سريعاً من لحظة الحقيقة. فواقع أن أيام النظام باتت معدودة لم يَعُد في موضع شك، لكن كم عددها يظلّ سؤالاً مفتوحاًً. لايمكنه أن ينتصر، لكنه يستطيع الصمود وإطالة أمد الصراع. 

لقد وصف العديد من التقارير التي ظهرت في النصف الثاني من كانون الثاني (يناير) القيادة السورية بأنها غير قادرة على نحو متزايد على التغلّب على التحدّيات المسلحة لسيطرتها على البلدات والأحياء، حتى تلك الواقعة داخل المنطقة الحضرية الكبرى للعاصمة دمشق. كما يبدو أن الخناق الدبلوماسي على النظام يشتدّ أكثر: فقد أعقب القرار الجماعي للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بسحب مراقبيها من بعثة المراقبة العربية في سورية، على الفور، إطلاق خطة جديدة من جامعة الدول العربية دعت الأسد إلى نقل السلطة إلى رئيس مؤقّت وتشكيل حكومة وحدة وطنية، على أن تتولى هذه الحكم إلى أن يتسنّى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في غضون ستة أشهر. ومن ثم علقت الجامعة العربية بعثة مراقبيها في سورية تماماً، على الرغم من أن السلطات السورية كانت قد وافقت لتوّها على تمديد مهمة البعثة شهراً آخر، وأخذت خطتها الجديدة إلى الأمم المتحدة كي يتبناها مجلس الأمن الدولي.

هذه هي المرة الثانية في غضون شهرين التي يبدو فيها أن الأزمة السورية تتّجه بسرعة نحو نقطة تحوّل، بسبب القوة الدافعة لتركيبة الأحداث نفسها. ففي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت الجامعة العربية فرض مقاطعة اقتصادية تستهدف السلطات السورية، وتبعتها مبادرة غربية لفرض عقوبات على سورية من جانب الأمم المتحدة، عرقلتها روسيا والصين. وبعدها كثرت الدعوات المنادية بإقامة منطقة حظر جوي فوق سورية، أو ملاذات حدودية آمنة محميّة للاجئين و"ممرّات إنسانية" لإيصال المساعدات إلى السكان المحاصرين داخل البلاد. وتزايدت التقارير التي تتحدّث عن حصول انشقاقات في الجيش السوري أيضاً في النصف الأول من كانون الأول/ديسمبر 2011، كما تزايدت المزاعم حول حصول هجمات على القوات الحكومية والمنشآت من الجيش السوري الحر. ومن جانبه أطلق النظام السوري "بالونات اختبار" تتضمّن مقترحات سياسية تهدف في الظاهر إلى إبداء استعداده للتوصّل إلى حلّ عن طريق التفاوض. وقد كرّر تلك الحيلة في كانون الثاني/يناير 2012 عبر تسريب تقارير تقول إنه أرسل مبعوثين لإجراء محادثات مع المعارضة في الخارج.

ومع ذلك، التغيير الدراماتيكي في سورية قد لايكون وشيكاً. فالنظام لايزال يملك مايكفي من القوة والموارد – الاجتماعية والاقتصادية - والقمعية على وجه الخصوص – التي تمكّنه من تأخير زواله، ولكن ليس للتغلّب على خصومه.

العامل الحاسم في المسألة هو أنه، على الرغم من تنامي الضغوط والتوقّعات الدولية، لن يكون هناك أي تدخّل عسكري خارجي قبل انهيار النظام. فالتدخّل كان من شانه، لو حصل، أن يحفّز على حصول انقسامات في داخل القيادة السورية، ويسرّع وتيرة انشقاق مؤيّدي النظام من أبناء الطبقة الوسطى، مايفضي إلى ترجيح كفّة التوازن الداخلي بشكل حاسم. بيد أن الجامعة العربية، التي قامت وبشكل غير متوقّع بأكثر مما قامت به أي جهة خارجية فاعلة أخرى لعزل النظام السوري وإضفاء الشرعية على المعارضة السورية الداخلية وعلى اتخاذ الإجراءات الدولية ضدّ حكومة الأسد، وصلت إلى طريق مسدود لايرجّح لمجلس الأمن الدولي أن يجد له مخرجاً.

وفي ظلّ غياب التدخّل العسكري الخارجي، فإن مسار التطورات داخل سورية نفسها سيتشكّل عن طريق إرث علاقات الدولة -المجتمع والاقتصاد السياسي نفسه الذي حدّد أين ستبدأ الانتفاضة وتنتشر، وأين تظل قائمة إلى الآن: في المحافظات، وبين سكان الريف والفقراء في المناطق الحضرية. ولعل هذا لايفسّر فقط الطبيعة المتنوّعة والمنقسمة للمعارضة، لكنّه ينذر بأن الهياكل القيادية المدنية البارزة للمعارضة قد تجد نفسها مضطرّة أكثر فأكثر إلى التنازل عن الدور الرئيس في وضع أجندة العمل لصالح الجيش السوري الحر. بيد أن مايثير القلق أكثر هو أن ينتقل ذلك الدور إلى القوى المحلية غير المتجانسة وربما المنقسمة التي تقود عملية التحوّل المتزايد إلى الصراع المسلّح ضد النظام، والتي تحدث في عشرات المواقع المنتشرة في أنحاء البلاد.

عامل الإرث

تشير طبيعة العلاقات بين الدولة والمجتمع في سورية، وخصوصاً على النحو الذي يشكّلها الاقتصاد السياسي للبلاد وتنعكس فيه، إلى أن المجموعة نفسها من العوامل التي تمكّن في الوقت الراهن مختلف الفئات الاجتماعية من التحرّر من سيطرة الحكومة، تمكّن النظام أيضاً من إطالة أمد وجوده. 

وتبدو مقارنة الحالة السورية بالتجربة العراقية في أعقاب حرب الخليج الأولى 1990-1991 مفيدة في هذا الصدد، إذ إن نظام صدام حسين ردّ بشراسة على الانتفاضات المسلّحة على جبهتين في آن - بدأها مقاتلو البيشمركة الأكراد المتمرّسون في الشمال، ووحدات متمرّدة من الجيش في المناطق التي يسكنها الشيعة في الجنوب. وتمكّن النظام لاحقاً من الصمود أمام فرض ملاذ آمن بتفويض من الأمم المتحدة في الشمال، ومنطقة حظر طيران في الجنوب، وقيام طيران التحالف بتسيير الدوريات وتسديد الضربات المتكررة، وحصار اقتصادي طاحن على مدى الأعوام الاثني عشر التالية، إلى أن وقع الغزو الأميركي في العام 2003. 

لم يتعرّض النظام السوري حتى الآن إلى هذا النوع من الضغط. لكن الأهمّ من ذلك هو أن النظام يفتقر إلى القبضة القوية على شعبه التي كانت تتوفّر لنظيره العراقي على مدى عقود، مايجعله أكثر عرضة إلى العصيان الجماعي على النطاق الذي نشهده في الوقت الحاضر. 

منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي وصاعداً، إن لم يكن قبل ذلك، أصبح العراقيون يعتمدون أكثر فأكثر، وبأغلبية ساحقة في نهاية المطاف، على الدولة في الوظائف والإعانات والاستثمار الذي يموّله النفط، وهو مامكّن النظام، علاوة على ذلك، من القضاء على القطاع الخاص، سوى بأشكاله الأبسط أو الطفيلية/الزبائنية. في ظلّ هذه الظروف، كان للحظر الدولي على صادرات النفط العراقية بعد العام 1990 أثر سلبي تمثّل في إضعاف قدرة المجتمع على الإفلات من شرك الدولة، في حين نقل النظام جزءاً من مهامه القمعية والرعاية الاجتماعية إلى العشائر الموالية، وحتى إلى الهيئات الخيرية الشيعية.

الاقتصاد السياسي السوري يختلف اختلافا جذرياً، مع وجود انعكاسات كبيرة على قدرة النظام على مواجهة أو قمع المعارضة واسعة النطاق. فالنظام السوري الذي أقامه الرئيس حافظ الأسد في العام 1970، والذي يفتقر إلى وجود عائدات نفطية كبيرة، سعى بدل ذلك إلى استمالة القوى الاجتماعية المتنافسة - سواء عن طريق تحرير التجارة الخارجية على مراحل والحفاظ على التحالفات مع كل من المنظمات العمالية ورجال الأعمال، أو تشجيع الاستثمارات والمشاريع الخاصة في المناطق الريفية - بدلاً من إخضاعها بالقوة الغاشمة. هذا على الرغم من أنه كان مستعداً، بالطبع، لاستخدام العنف العشوائي أحياناً، كما أثبت عندما أطلق العنان للجيش السوري لسحق انتفاضة مدينة حماة في شباط/فبراير 1982، ما أدّى إلى مقتل مابين عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألف شخص خلال ثلاثة أسابيع فقط. 

كانت نتيجة ذلك، بحلول أواخر التسعينيات، اقتصاداً منفصماً تعايش فيه القطاع العام الكبير لكن المتداعي مع القطاع الخاص المتنامي والحيوي، حيث كانت تحكم كلاً منهما قوانين وقواعد إدارية منفصلة. أدّت الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الجديدة في الفترة 2003-2008، والإعلان عن اقتصاد "السوق الاجتماعية" في العام 2005، إلى تنويع وتجزئة الطبقات في سورية أكثر، في حين بَعثرَت هيكل السلطة المركزية. فأصبحت فروع الأجهزة الأمنية وحزب البعث الحاكم في المحافظات والمناطق، متداخلة أكثر فأكثر على نطاق واسع مع الشبكات الاقتصادية المحلية.

على الرغم من أن هذا يعني أن النظام السوري اليوم لديه قدر أكبر من التماسك ووحدة الهدف في مواجهة المجموعة المتنوعة من القوى الاجتماعية والسياسية المعارضة له، إلا أنه يخضع إلى كثير من الديناميكيات النابذة والضغوط نفسها كالمعارضة، ولايمكنه الاعتماد إلى أجَل غير مسمى على ولاء أو عزيمة مستوياته المرؤوسة. وهو تقدّم بحذر نسبي حتى الآن، مايفسّر عدم لجوئه بعد إلى تكتيكات عسكرية على غرار تلك التي استخدمها في حماة - ربما باستثناء عملية استرجاع بلدة جسر الشغور الواقعة على الحدود الشمالية في حزيران/يونيو 2011 – وإبقائه، حسب التقارير الواردة، على الجزء الأكبر من الجيش في ثكناته.

وفي حين تتضاءل سلطة الحكومة، فإنه يجري استبدالها بخليط من الجماعات المسلحة والفصائل السياسية، والانتهازيين شبه الجنائيين. لكن ما لم تكن حركات المعارضة الرئيسة قادرة على جذب معظم هؤلاء إلى مايشبه الهيكل الموحد والفاعل تحت قيادتها – وهو الأمر غير المؤكّد على الإطلاق- عندها قد يثبت النظام السوري أنه قادر على إبرام صفقات مع "الزعماء" المحليين، أو تحريض الفصائل المتنافسة ضدّ بعضها بعضاً. فهو يؤكّد بالفعل على شبح العنف العشوائي والتطرّف الطائفي لردع قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى الحضرية عن الانتقال إلى المعارضة العلنية، على الرغم من عدائها للنظام وازدياد أعبائها الاقتصادية. 

ومن شبه المؤكّد أن يدعم النظام هذا الأمر بمبادرات "إصلاح" دورية، وإن بالحدّ الأدنى، أو عروض لتقاسم السلطة مقيّدة بشدّة - ربما خلال المؤتمر المقبل لحزب البعث في شباط/فبراير. وستوفر هذه الخطوات للحلفاء الخارجيين مثل روسيا والعراق هامشاً يحتاجون إليه لتبرير تكتيكات المماطلة في الأمم المتحدة أو في الجامعة العربية.

الخارج أمام الطريق المسدود

مايمنح النظام السوري قسطاً إضافياً من الحياة هو الانحسار الشديد للخيارات أمام معارضيه الإقليميين والدوليين. فالجامعة العربية رفعت سقف مطالبها بشكل كبير في أواخر كانون الثاني/يناير، أولاً من خلال الدعوة علناً إلى انتقال السلطة في سورية، ومن ثم من خلال إنهاء مهمة بعثة المراقبة التابعة لها. كانت هذه خطوات هامة أكدت بشكل لالبس فيه لمؤيّدي النظام والمتردّدين على حدّ سواء مدى عزلته التي تزداد عمقاً. وقد أدّت عملياً إلى تآكل مظهر الاستقرار والشرعية الذي سعى النظام إلى الحفاظ عليه، وتبديد أي أوهام بين المراتب العليا وسائر القطاعات الاجتماعية المؤيّدة له بأنها يمكن أن تنجو من الأزمة بمجرّد التشبّث والتحمّل، من دون التفكير في إعادة هيكلة أساسية للسلطة في سورية. وعلى الرغم من أنه من بين الدول العربية، لم تعترف إلى الآن سوى تونس والمجلس الوطني الانتقالي الليبي رسمياً بحكومة المعارضة في المنفى، "المجلس الوطني السوري"، إلا أن توسيع دائرة الاعتراف من شأنه أن يوصل الرسالة نفسها بقوة إضافية. 

على الرغم من ذلك، الحزم الذي أظهرته الجامعة العربية يخفي معضلة، إذ إن اعتراف الجامعة بأن ليس بوسعها أن تفعل أكثر مما فعلت، كامن في قراراتها الأخيرة. ومن اللافت للنظر أن الجامعة لم تُعِدْ فرض المقاطعة الاقتصادية التي أعلنت أصلاً في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 – والتي رُفِعتْ، في أي حال، في وقت لاحق عندما وقّع النظام السوري خطة العمل العربي في كانون الأول/ديسمبر، ووعد بسحب وحدات الجيش من المدن، والإفراج عن المعتقلين، والسماح بالمظاهرات السلمية - كما أنها لم تنفّذ تهديدها السابق بحظر رحلات الطيران المدني العربي من وإلى سورية. وهذا يعكس عدم وجود توافق في الآراء بين الدول الأعضاء في الجامعة، وحقيقة أن أياً من دول الجوار التي تتبادل معها سورية التجارة والعمالة، والتي تضمن استمرار تلقّي تحويلات العملة الصعبة، لم تغلق حدودها المشتركة. 

وهي لن تغلقها، ربما باستثناء تركيا: فقد صوّت العراق ضدّ المقاطعة الاقتصادية الأصلية، ويبدو مرشحاً ليكون بمثابة "رئة إضافية" لسورية، من خلال تزويدها بممر اقتصادي إلى إيران ولوارداتها من الوقود (المازوت). وامتنع لبنان عن التصويت، وهو وغير قادر على تطبيق حصار بري على أي حال، بسبب اتقساماته السياسية العميقة بشأن الوضع في سورية، في حين صوّت الأردن لصالح المقاطعة لكنه طلب على الفور إعفاءه من تنفيذ المقاطعة بسبب ظروفه الاقتصادية.

لهذا السبب تتّجه الجامعة العربية إلى مجلس الأمن الدولي. لكن تصلّب المواقف الروسية والصينية في مواجهة السياسة الأميركية والغربية تجاه سورية (وإيران) يوحي بأنه ستتم عرقلة عمل الأمم المتحدة أو تخفيفه. وقد يتفق الجميع في نهاية المطاف على تشديد العقوبات الاقتصادية. ولكن على الرغم من أنه يعتقد أن سورية عانت من انكماش بنسبة 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2011، فإن التجارب العربية الأخرى تشير إلى أن النظام يمكنه البقاء لبعض الوقت: إذ شهد العراق انخفاضاً أسوأ بكثير بعد العام 1990، وعانت السلطة الفلسطينية من انخفاض بنسبة 40 بالمئة بعد بدء الانتفاضة الثانية، ونجت ليبيا، التي يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على تصدير النفط، من عقد ونصف العقد من العقوبات. فالتسرّب عبر الحدود البرية السورية، وتنوّع الاقتصاد السوري والتطوّر النسبي للقطاع الخاص الذي يتمتّع بشبكات تجارية واسعة في الخارج، يشير إلى أن البلاد، وليس النظام وحده، يمكنها أن تتحمّل الكثير من الألم.

لن يكون هناك تدخّل عسكري خارجي، حتى لو عكست روسيا والصين مواقفهما تماماً. ولن تكرّر الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي السيناريو الليبي، لأسباب مختلفة: التحديات العملياتية واللوجستية ليست عصيّة على الحل في سورية، لكنها تتجاوز بالتأكيد تلك التي تمّت مواجهتها في ليبيا، والعمل العسكري الخارجي ربما يوحّد عدداً من السوريين خلف النظام يوازي من هم ضدّه، ويمكن للجيش السوري أن يظهر دفاعاً أقوى بكثير من القوات المسلحة الليبية قليلة التجهيز ومنخفضة الروح المعنوية. وأخيراً ولكن ليس آخراً، من الواضح أنه على الرغم من أنها تستعدّ للعواقب الاقتصادية الوخيمة لإغلاق حدودها أمام التجارة مع سورية، لن تتحمّل تركيا عبء التدخّل العسكري. وهذا هو السبب في أن تركيا سعت إلى تبديد تكهّنات مفادها أنها قد تسمح بإنشاء مناطق حدودية محمية، ناهيك عن "الممرّات الإنسانية" داخل سورية، والتي تتطلّب جهداً عسكرياً أكبر بكثير.

على الرغم من أن النظام السوري يزداد هشاشة مع مرور الوقت، فإنه يحتاج إلى ماهو أكثر من "دفعة بسيطة" كي ينهار. فما من شك أن أجهزة الأمن الداخلي تعاني من الاستنزاف وتراجع الروح المعنوية، لكنها تظل موالية ومتماسكة في الغالب. وعلى الرغم من تواصل حالات الفرار من الجيش، إلا أنه لايوجد حتى الآن على تحوّل الرشح إلى فيضان، والأهم من ذلك هو أنه لم تحدث حتى الآن حالات من انشقاق ألوية بأكملها أو حتى كتائب، وخصوصاً بين وحدات الدروع والمدفعية والدفاع الجوي أو الأسلحة الاستراتيجية. وثمة مؤشر هام على حالة الجيش يتمثّل في أن معظم الانشقاقات لازالت تحدث في الرتب الدنيا، مايشير إلى أنه حتى من هم في سلك الضباط ممن يشعرون بالنفور الشديد تجاه النظام لايعتقدون حتى الآن أن بوسعهم معارضته بأمان.

الجيش السوري الحرّ لايشكّل حتى الآن تهديداً عسكرياً إستراتيجياً، ولايرجّح له ذلك في ظل غياب الحماية العسكرية الخارجية. وهذا يحول دون ظهور "مناطق محرّرة" حقيقية، حتى لو أفلتت مناطق من الريف أو بعض المدن الصغيرة من سيطرة الحكومة. فمن الواضح أن النظام فضّل التخلّي عن بعض المناطق لتجنّب تمدّد قواته وبعثرتها، ولذلك فإن فقدانه السيطرة الجزئية في بعض المدن والأحياء في ضواحي دمشق قد يكون مضلّلاً. وفي الواقع تمكن النظام من عكس تلك الخسائر، وأظهر قدرته المستمرة على شنّ هجمات مضادة واستعادة السيطرة على الأرض. هذا الوضع ربما يكون مؤقتاً، لكن النظام يركّز على تأمين مدينتي حمص وحماة المضطربتين، وذلك بهدف ضمان التواصل الجغرافي والسيطرة المستمرة بين دمشق وحلب والموانئ الشمالية - وهي المنطقة التي يعيش فيها حوالى ثلثي السوريين - وعلى طول الطرق الرئيسية إلى حدوده مع العراق ولبنان والأردن.

جمود موجع

دخلت سورية مرحلة "جمود موجع" قد تستمرّ شهوراً وليس سنوات، ولكن بالتأكيد شهوراً وليس أسابيع. وقد وصلت الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه في المستقبل المنظور. النظام غير قادر على قمع الثورة، لكن المعارضة - سواء في المنفى، والجزء الرئيسي منها داخل البلاد - تبدو هي الأخرى غير قادرة أيضاً على توسيع نطاق أعمالها، أو تأكيد قيادتها السياسية الواضحة، أو سيطرتها العملياتية الفعّالة على حالة الفوضى المتزايدة على الأرض.

كما أن تحوّل الأزمة السورية إلى تنافس جيو-سياسي بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى - وخاصة المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا والعراق والولايات المتحدة وروسيا – يرفع السقف، ويعرقل على المنوال نفسه، المسارات البديلة لحلّ النزاع، ويزيد من مخاطر العنف الطائفي.

ومع ذلك، ليس من الضروري أن يتحوّل التدهور والانزلاق إلى الصراع الطائفي إلى حرب أهلية شاملة، وهذا يعود جزئياً إلى أن المعارضة لاتزال غير قادرة على حشد قوات كافية للسيطرة على المناطق أو المنشآت التي تصرّ الحكومة على الاحتفاظ بها، بل الأرجح هو واحد من سيناريوهين اثنين.

السيناريو الأول هو أن تصل عناصر داخل الطائفة العلوية المهيمنة - ربما قيادتها الدينية التقليدية، أو بعض القادة العسكريين من خارج الدائرة المباشرة لعائلة الأسد وعشيرته - إلى استنتاج مفاده أنهم لايمكن سوى أن يهزموا في حال نشوب صراع عسكري مطوّل أو حرب أهلية. عندها يمكنهم أن يضغطوا على الرئيس الأسد بهدف إقناعه بالتفاوض ضمن شروط مواتية طالما بوسعه القيام بذلك. 

ولكن في حال عدم حدوث ذلك، أو لو حدث وفشل، فسوف يتآكل النظام من الداخل تدريجياً إلى أن يصل إلى نقطة تحوّل وتبدأ سلطته بالانهيار على مستوى جهاز الدولة برمتّه، مايطلق شلالاً من الانشقاقات عندما يدرك الجيش وموظّفو الوزارات والدوائر وسكان المدن أن النظام لم يَعُد قادراً على الصمود أو القيام بهجوم مضاد. لايمكن التنبّؤ بالضبط بما يمكن أن يتسبب في "انفراط المَسبَحة"، لكنه قد لايحدث لبعض الوقت. 

End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.orghttp://carnegie-mec.org/2012/01/31/الجمود-الموجع-في-سورية/baxe

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。