الأولوية في الاقتصادات العربية ... للموارد أم المؤسسات؟

المصدر: Getty
مقال الحياة
ملخّص
يعتمد بناء كيانات إقليمية قوية في الدرجة الأولى على إقامة كيانات فريدة متماسكة تقوم على المؤسسات ولا ترتبط بمزاج الأفراد، ولعل في «الربيع العربي» وتداعياته فرصة لكيفية البحث عن صيغ جديدة في ما يخص ترسيخ الاستقرار.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

كثيرة هي البيانات التي تشير إلى عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالدول العربية، ولا تمل التقارير من تكرار الأسباب الكامنة وراء الأزمة، فهي تتعلق بهيمنة المنظور الأمني على التنمية، وغياب الشفافية والنزاهة، وغياب المبادرات الفردية بسبب هيمنة الدولة، ووجود نظام حوافز مشوه يؤدي إلى التركيز على الاستثمارات القريبة الأجل، وغياب الدور الحقيقي للقطاع الخاص القادر على توليد فرص العمل للشباب العاطلين من العمل، وغيرها من الأسباب المتعلقة بغياب القانون ومؤشرات الحاكمية الجيدة.

ولم تخـرج توصــيات التــقريـــر الأخير للتنميـــة البشرية الصادر عـن برنامج الأمم المتحدة للتنمية لعـــام 2011 عـن حدود هذا التشخيص، واقترح بعـض التوصيات العامة التي يمكن أن تساعد في الخروج من الأزمة، سواء الحلول القريبة أم البعيدة الأجل. ولا خلاف على تشخيص المشكلة التي تعاني منها الدول العربية وإن كانت مشكلات الدول تتفاوت، فالنظر إلى الدول العربية ككتلة متجانسة يتجاهل بعض الحقائق، وحتى داخل التكتلات الإقليمية، مثل مجلس التعاون الخليجي، توجد فروق كبيرة في مستويات الدخل، ما يعني ضرورة التعامل مع خصوصيات الدول حين تقترَح سياسات، وفي العادة تصنَّف الدول العربية على أساس درجة توافر الموارد الطبيعية مثل النفط الذي يؤمّن مداخيل طائلة للدول المصدرة في حين أن الدول الفقيرة بالموارد الطبيعية تعاني كثيراً من المشكلات في التعامل مع شعوبها.

لكن «الربيع العربي» والأزمات التي كشف عنها تشير إلى أن تصنيف الدول العربية بهذا الشكل غير كافٍ، فهناك دول تملك موارد لكنها تتعثر اقتصادياً، ويأتي العراق في مقدمها، فلا خلاف على أن العراق بمقياس الموارد ربما يعتبَر الأغنى خليجياً إذا أخذنا في الاعتبار الموارد والمياه والسكان، وعلى رغم ذلك يعتبَر العراق الأشد معاناة من بين الدول بسبب الخلافات السياسية وعدم وجود رؤية سياسية واضحة. وينطبق الكلام ذاته على ليبيا التي تعاني تركة القذافي الذي لم يهتم بقطاعات حيوية يمكن أن تقود مسيرة البلاد إلى التنمية، وأهمل بدرجة غير معقولة التعليم والصحة. كذلك يمكننا الحديث عن الجزائر الغنية بالموارد والتي تعاني أعلى نسب البطالة في أوساط الشباب في العالم واقتصادها يعتمد في شكل صارخ على مورد واحد فيما تعاني بقية القطاعات من مشكلات لا حصر لها على رغم الرصيد الكبير من العملات الاجنبية.

أمثلة العراق وليبيا والجزائر تشير إلى أن تصنيف الدول وفق الموارد يعتبر منقوصاً، فما تفتقده تلك الدول، مثلاً، هو البنية التحتية والمؤسسات الضرورية للنهوض بهذه الدول إلى مستوى جديد، وتحقيق التنويع وتوليد فرص العمل. وهذا يعني أن تحدي هذه الدول يكمن في هذه العلة وليس في مكان آخر خلال المراحل الانتقالية التي تمر بها هذه الدول.

المجموعة الثانية من الدول، هي تلك التي تمتلك الدول فيها مؤسسات، لكنها تفتقد إلى الموارد، ولعل مصر وما تمر به والاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية المشروطة سياسياً يعتبَر أحد معوقات استعادة زخم النمو وينعكس في شكل واضح علـــى قــــدرة مصــــر على تحقيق التوازن الذي يمكن أن يساهم بالمسيرة الديموقراطية التي انطلقت في مصر، ولا يختلف الأمر كثيراً في تونس التي تسعى إلى تحسين علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي والحصول على مرتبة الشريك المتقدم. وقرب مصر تأتـي دول مثل المغرب والأردن تضم مؤسسات ناضجة، لكن مزيجاً من غياب الرؤية وافتقار الموارد الكافية هو الذي يعيق تحقيق أهداف التنمية واستيعاب المتغيرات، ولا تزال تلك الدول تسعى إلى بلورة رؤيتها الواضحة لما يجري في المنطقة.

أما اليمن فهو دولة فريدة من حيث وجود بعض الموارد مثل النفط، ولديها ثروة سمكية وتحتل موقعاً جغرافياً مميزاً ولها تاريخ يساعدها على المضي قدماً في مسيرتها الاقتصادية، لكن مؤسسات الدولة منقسمة وضعيفة، والتركيبة الاقتصادية مشوهة، ولا يلوح في أفقها ما يشير إلى أن أزمتها الاقتصادية في طريقها إلى الحل، لكن مشكلتها لا تكمن بنقص الموارد بكل تأكيد.

إن التحليل التقليدي للاقتصادات العربية كما تعودنا عليه خلال الحقب الماضية لم يعد كافياً حتى كخطاب للجماهير التـــي عبـــرت عــــن رفضها لكل المعادلات التي كانت سائدة في السابق، وإن كان هناك إجماع على مسائل فهو ضرورة الخروج بحلول عملية تخاطب هموم عامة النـــاس، وحلـــول تــــقارب كذلك المشكـــلات التــي تعانيها كل دولة على حدة، الخروج من فخ التصنيفات القائم على تقسيم الدول بناء على معادلة الموارد ومدى توافرها.

وهنا تبرز مسألة التعاون الإقليمي من منظور التركيز على صفات كل دولة وكيف يمكن تطوير علاقات اعتماد متبادل بين الدول يكون المحرك فيها بالدرجة الأولى البعد الاقتصادي. وهذا يقودنا للحديث عن القمة العربية المقبلة التي تعقد في ظروف غامضة وغياب برامج واضحة في ما يخص الملف الاقتصادي الذي يعتبَر أحد الملفات الرئيسة التي تحرك الشارع العربي، ونظرة سريعة على الواقع الاقتصادي في المنطقة تشير إلى ان هناك آفاقاً رحبة للتعاون إذا جرى التأسيس لها والخروج عن المألوف من مفردات تؤكد أهمية التعاون الإقليمي، فبناء كيانات إقليمية قوية يعتمد في الدرجة الأولى على إقامة كيانات فريدة متماسكة تقوم على المؤسسات ولا ترتبط بمزاج الأفراد، ولعل في «الربيع العربي» وتداعياته فرصة لكيفية البحث عن صيغ جديدة في ما يخص ترسيخ الاستقرار.

 تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.

End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.orghttp://carnegie-mec.org/2012/03/27/الأولوية-في-الاقتصادات-العربية-...-للموارد-أم-المؤسسات/fbkj

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。