المجلس الوطني السوري ينال اعتراف الخارج به، وقد يخسره في الداخل

المصدر: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
اتّفق المشاركون في مؤتمر "أصدقاء سورية"، الذي التأم في الأول من نيسان/أبريل 2012 في اسطنبول، على المساعدة في تمويل مقاتلي المعارضة السورية، وتقديم أجهزة الاتصالات للثوار، لكنهم لم يبلغوا البتّة حدّ التدخّل عسكرياً.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

اتّفق المشاركون في مؤتمر "أصدقاء سورية"، الذي التأم في الأول من نيسان/أبريل 2012 في اسطنبول، على المساعدة في تمويل مقاتلي المعارضة السورية، وتقديم أجهزة الاتصالات للثوار، لكنهم لم يبلغوا البتّة حدّ التدخّل عسكرياً. في غضون ذلك، تتّخذ جهود كوفي أنان برعاية الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية مساراً آخر يتمثّل بالتفاوض مع بشار الأسد. ومع أن خطة "أصدقاء سورية" ستساعد الثوار، إلا أن المعارضة لاتزال تواجه عثرات جمّة. وفي حين أن مقاربة أنان قد تشكّل المفتاح لتخطّيها، قد لا يكون المجلس الوطني السوري مستعداً لاعتمادها والمخاطرة بتلاحمه الداخلي الهشّ.

اتّسم البيان الختامي لاجتماع "أصدقاء سورية" بالأهمية السياسية البالغة لثلاثة أسباب. الأول هو إظهار تشديد الالتزام الإقليمي العربي والدولي بعملية "الانتقال السياسي المؤدّي إلى دولة حرة ومستقلة، مدنية ديمقراطية تعددية، في سورية"، ما يؤكّد الرسالة الموجَّهة إلى أعضاء النظام السوري ومناصريه، وكل مَن بقي خارج حلبة الصراع المباشر، بأن عزلة النظام لن تخفّ، وأن انتهاء التدهور المستمرّ للأوضاع الاقتصادية والأزمة المالية الخانقة بات مرتبطاً بشكل وثيق بالاستجابة لمطالب المعارضة بإعادة هيكلة السلطة السياسية في البلاد.

ثانياً، اعترف "أصدقاء سورية" بالمجلس الوطني السوري كممثل (وليس الممثل) لجميع السوريين، واعتبروه المظلة (الوحيدة) لتجميع أطياف المعارضة كافة. ويوفّر ذلك دفعةً قويةً للمجلس باعتباره القناة الضرورية للاتصالات السياسية والدبلوماسية، إضافةً إلى المعونات المالية والإنسانية.

يتّسم هذا الاعتراف بالأهمية خاصة في حال ثبات وقف إطلاق النار الذي تعهّدت به الحكومة السورية ابتداءً من 10 نيسان/أبريل، وفي حال الانطلاق بـ"الحوار السياسي الشامل" الذي دعا إليه مشروع ممثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية الخاص كوفي أنان. صحيح أنه يصعب التفاؤل باحتمال حصول هذه التطورات الإيجابية، غير أن اعتراف "أصدقاء سورية" بالمجلس الوطني يحرم النظام من إمكانية اختيار المعارضة التي يريد ليتحاور معها، كما فعل في الماضي، ويرغمه على إجراء الحوار تحت إشراف الوسطاء الإقليميين والدوليين.

غير أن الأهمية الثالثة لبيان "أصدقاء سورية" تكمن في الحدود الواضحة التي وضعها لتحرّك الأطراف الخارجية نحو مواجهة النظام السورية في المرحلة الحالية. وحتى بعض قيادات المجلس الوطني السوري تُقِرّ بأنه لن يحصل تدخّل عسكري خارجي في الأمد المنظور، حتى لو أنها تأمل بأن يتغيّر ذلك وتواصِل المطالبة به.

ومغزى ذلك أن "أصدقاء سورية" قد وضعوا المجلس الوطني أمام تحديات رئيسة عدة. أوّلها، معالجة مسألة افتقارها إلى برنامج سياسي، أي "خريطة طريق" لانتقال السلطة. إذ أن مجرد المطالبة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد، أو اعتبار ذلك الهدف النهائي لأي عملية تفاوضية، لايجيب على أسئلة هامة مُلِحّة: ليس أقلها كيفية التعامل مع الشريحة الواسعة من الجماعات السياسية والاجتماعية التي تنظر بريبة إلى زوال نظام وحلول غيره، مهما كان موقفها من النظام الحالي أو اعتراضها على نهجه وعنفه. ماذا سيحصل لكبار مسؤولي الدولة والحكومة والإدارات، علاوة على الصفوف الأعلى حتى الأدنى من حزب البعث؟ هل هناك ما يوحي باستعداد هؤلاء لتسهيل مهمة الانتقال السلمي والمنتظم للسلطة، من دون ترتيبات وتطمينات سياسية مسبقة؟ ثمة مَن يقول في قيادة المجلس الوطني السوري أن المشكلة برمّتها تنحصر بالرئيس الأسد و"العصبة" التي حوله، وأنه يسهل حلّها برحيله، لكن ذلك يشكّل تبسيطاً للأمور وتفادياً للأسئلة الصعبة.

أما التحدي الثاني، أنه في غياب التدخل العسكري الخارجي، سيجاهد المجلس الوطني ليحتفظ بالزخم الدبلوماسي في الخارج، وبالمبادرة السياسية في الداخل، وهو الأمر الأهم. وسرعان ما سيكتشف، إن لم يدرك على الفور، أن اعتراف "أصدقاء سورية" بمكانته الخاصة سوف يثير آمال جمهوره وتوقّعاته إلى أكثر ما يحتمل أو يقدر على تلبيته، ما قد يدفعه إلى اتّخاذ مبادرات سياسية جديدة لاتحظى بالإجماع في صفوف المجلس، ناهيك عن صفوف المعارضة عموماً. صحيح أن وثيقة "العهد الوطني لسورية المستقبل" التي قدّمها المجلس في لقاء اسطنبول، إلى جانب "العهد والميثاق" الجديد لجماعة الإخوان المسلمبين، يطرحان رؤية مشرقة لمستقبل ديمقراطي تعدّدي يحترم الحقوق والتنوّع، إلا أن المهمة الأصعب لاتزال تكمن في توضيح الخطوات والآليات اللازمة للمرحلة الانتقالية المقبلة، إذا كان لها أن تحصل.

ثالثاً، يجيب عدد من قادة وأطراف المجلس الوطني السوري على التحدّي السابق بالحديث عن "استعادة التوازن" مع النظام، ويقصدون بذلك بناء القدرة العسكرية الذاتية القادرة على درء وردع العنف المستمر والعشوائي للنظام. غير أنه في غياب المناطق المحمية من الخارج، أو القواعد الحدودية في داخل البلدان المجاورة، وإمدادات الأسلحة، سوف تنحصر المعارضة المسلحة في داخل سورية، وتكون مبعثرةً في إطار مجموعات وتجمّعات صغيرة لتفادي الحصار والدمار، ما يقوّض فكرة التوازن من أساسها. ولذا، البحث عن التوازن ضمن هذه الشروط يعني تجنّب الانكباب على تطوير البرنامج السياسي، من دون إيجاد الحلول لكيفية الاحتفاظ بالسيطرة على المجموعات المسلحة في الداخل، وتطوير الجيش السوري الحرّ كإطار هيكل قيادي منضبط وكقوة قتالية فاعلة، ومواصلة القيادة السياسية العليا للعمل العسكري.

لذلك كلّه، قد يجد المجلس الوطني السوري أن "الحوار السياسي الشامل" الذي دعت إليه خطة أنان ليس بالمكروه الذي ينبغي تحمّله مؤقّتاً، بل يشكّل أداةً قويةً بين يديه. سيكون من السذاجة بمكان تعليق أي آمال على التزام النظام بحوار هادف، لكن من الحماقة أيضاً التخلّي عن الدعوة إلى الحوار كوسيلة للمواجهة السياسية بحدّ ذاتها. ومع أن المقاربة التي تتضمّنها خطة أنان قد تكون بطيئةً ومؤلمةً، إلا أنها تتيح للمعارضة وسيلةً ضروريةً لإعادة المجابهة من المجال العسكري، حيث النظام يبقى الأقوى، إلى المجال السياسي، حيث المعارضة هي الأقوى. في غياب ذلك، سيكون من الصعب تصوّرُ أن تعمد الأقليات، ولاسيما العلويين والمسيحيين منها، المتخوِّفة من ردّ فعل طائفي أو إسلامي، وشريحةٌ كبرى من الطبقة الوسطى السنّية، إلى تغيير ولاءاتها طوعاً.

وهنا تكمن أهمية مبادرة أنان: لن تقنع المعارضة الأسد بمشاركة السلطة أو التخلّي عنها، من خلال الالتزام بالحوار وإعطاء الأولوية لحلٍّ مُتفاوَض، لكنها ستفعل ما هو أهم من ذلك، وهو إعادة طمأنة الطبقة الوسطى الواسعة والأقليات، التي ستكون مشاركتها في المصالحة السياسية وإعادة بناء الاقتصاد أساسيةً بعد انتهاء الصراع، كما ستولِّد ضغوطاً داخليةً ضمن معسكر الأسد.

لا شك أن هذه القطاعات تمتلك المفتاح لما ستكون عليه وتيرة وشكل الانتقال السياسي في سورية، من ناحية، ومسار المرحلة التالية، من ناحية أخرى. فجوهر المسألة، بالنسبة إلى المجلس الوطني السوري، كما بالنسبة إلى المعارضة ككلّ، لا يكمن في ما إذا كانت خطة أنان ستتوصّل إلى إقامة محادثات سلام هادفة مع النظام في المستقبل القريب أم لا، بل إن الهدف يجب أن يكون نقل التوازن السياسي داخل سورية على المدى المتوسط، أي في غضون ستة إلى تسعة أشهر فصاعداً. وفي أثناء ذلك، تدفع التأثيرات المُترتِّبة عن الإنهاك في صفوف النظام، وهروب رأس المأل وانخفاض قيمة العملة، والنقص في الوقود، بهذه القطاعات المجتمعية المفصلية الإضافية، إلى وضعٍ يجعلها تنخرط في الصراع الدائم. لكن طالما أنه لا توجد خريطة طريق للانتقال، تبقى إمكانية تعبئة هذه القطاعات غائبةً.

لسوء الحظ، إن مجرّد اقتراح مثل هذا النقاش السياسي ضمن المعارضة ككلّ، في داخل البلاد وخارجها، وحتى في داخل أوساط المجلس الوطني السوري، يثير اتهامات متبادلةً وجواً من انعدام الثقة. لكن هذا التحدّي لن يزول: إذا عجز المجلس الوطني السوري عن الاستجابة للتوقّعات غير الواقعية التي يعلّقها به مواطنو الداخل والقوى المُسانِدة في الخارج، في الأشهر المقبلة، فسيخسر دعم أولئك الذين يواصلون تحدّي النظام مباشرةً داخل سورية، من دون أن يكسب الثقة والحلفاء بين القطاعات الأخرى التي يحتاج إلى استمالتها وتعبئتها. وبالتالي، سيكون الامتحان الحاسم بالنسبة إليه هو الولوج إلى هذا النقاش على المستوى القيادي، وإعادة وصل ما انقطع مع هيئات المعارضة داخل سوريا، كهيئة التنسيق الوطنية أو تحالف "الوطن" الذي أُعلِن عنه مؤخّراً والمجالس الثورة الناشئة في المدن الرئيسة، التي يحجبها عنفُ النظام، من جهة، والتأييدُ الخارجي للمجلس الوطني السوري، من جهة أخرى.

هذا التعليق معدلاً عن مقالة صدرت في صحيفة الحياة

End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.orghttp://carnegie-mec.org/2012/04/05/المجلس-الوطني-السوري-ينال-اعتراف-الخارج-به-وقد-يخسره-في-الداخل/akak

الأزمة السورية

Publication Resources

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。