المغرب: هل ينجح الطريق الثالث

المصدر: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
يبقى الإصلاح الفعلي في المغرب أملاً أكثر منه حقيقة، إذ إن الملك يتحكّم بزمام السلطة والمجموعة الوحيدة القادرة على الضغط عليه تبدو غير مهتمّة بالسياسة.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

عندما بدأت الانتفاضات في العالم العربي في العام 2011، انكبّ الملك محمد السادس ملك المغرب بسرعة على تطبيق عملية إصلاح سياسي، في محاولة لتجنّب الاحتجاجات قبل أن تجتاح الموجة نظامه، وكان الزعيم العربي الوحيد الذي قام بذلك. في غضون أسابيع، شكّل الملك المغربي لجنة لصياغة دستور جديد، سرعان ماتمّت الموافقة عليه في استفتاء بعد ثلاثة أشهر. وبحلول تشرين الأول/أكتوبر، أجريت انتخابات برلمانية جديدة، وعندما فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بأكثرية المقاعد، لم يتردّد الملك في تسمية الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، رئيساً للوزراء.

أدّت الخطوات الجريئة التي قام بها الملك محمد السادس إلى تجنيب المغرب الاضطراب وعدم الاستقرار اللذين يعانيهما العديد من البلدان الأخرى. والسؤال هو ما إذا كان المواطنون المغاربة يعتقدون أن عملية كبيرة للإصلاح تجري فعلاً من شأنها السماح باستمرار هذا الاستقرار، أو ما إذا كانوا يعتقدون أن عملية الإصلاح قد توقّفت، فيختارون أخذ زمام الأمور بأيديهم. ماهو واضح الآن هو أنه على الرغم من إحراز بعض التقدم، لاتزال السلطة في نهاية المطاف بيد الملك، كما أن الجهة الفاعلة التي تملك أفضل فرصة للضغط على النظام الملكي، "جماعة العدل والإحسان"، لاتزال خارج البرلمان وهي غير مهتمّة في السياسة، في الوقت الحاضر على الأقلّ.

مسار غير مؤكّد نحو الإصلاح

يروّج حزب العدالة والتنمية للاستجابة المغربية للربيع العربي بوصفها "الطريق الثالث". من وجهة نظر قادة حزب العدالة والتنمية، لم يشرع المغرب في عملية إصلاح محدودة من أعلى، يوجّهها ويتحكّم بها الملك. كما أنه لم يواجه ثورة أطلقها مواطنون غاضبون انتفضوا ضدّ النظام. لقد اختار المغرب بالأحرى مساراً بديلاً يقوم على شراكة حقيقية بين الملك وحزب العدالة والتنمية، تَعِدُ بتحقيق إصلاح أشمل مما كان سيمنحه القصر وحده، من دون الاضطراب الذي تتسبّب به ثورة شعبية غير منضبطة. بعد مرور ثمانية أشهر على تشكيل الحكومة الجديدة، بدأ العديد من المغاربة يتساءلون عمّا إذا كانت الشراكة بين الملك، الذي لايزال قوياً، وحاشيته الداهية سياسياً من جهة، وبين حزب العدالة والتنمية ومايحظى به من تأييد شعبي من جهة أخرى، تُمثِّل حقاً طريقاً ثالثاً واعداً للإصلاح أم مجرّد عودة إلى الوضع القائم.

إن الشكوك حول قدرة حزب العدالة والتنمية على ترسيخ نفسه شريكاً حقيقياً للملك في عملية الإصلاح بدلاً من البقاء طرفاً فاعلاً ضعيفاً لايمكنه سوى إحداث تغيير هامشي تدريجي، هي شكوك مبرّرة. في العام 1991، سمح الحسن الثاني ملك المغرب آنذاك، للحزب المعارِض الأكثر نجاحاً في ذلك الوقت، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بتشكيل الحكومة في خطوة جريئة نحو الديمقراطية. في الواقع، أزالت هذه الخطوة الحزب من قائمة المعارضة ولم تسمح له بممارسة سلطة حقيقية.

يبدو أن الملك محمد السادس ذهب إلى ماهو أبعد من ذلك، إذ اعتمد دستوراً يفرض عليه اختيار رئيس الوزراء من الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد، وكان الحسن الثاني فعل ذلك طواعية. لكن ما لم يُظهِر حزب العدالة والتنمية قدراً من القوة والقدرة السياسية أكبر مما أظهر الاتحاد الاشتراكي، فقد يكون لمشاركته في الحكومة التأثير نفسه من حيث إضعاف الحزب وتقويض مفهوم الطريق الثالث للإصلاح.

أوضحت لي الزيارة التي قمت بها إلى المغرب مؤخراً، بعد سنة واحدة على تقديم الملك محمد السادس الدستور الجديد للأمة، أن الطريق الثالث للإصلاح أمل أكثر منه واقع ملموس في هذه المرحلة. فحزب العدالة والتنمية هو أكبر شريك في الائتلاف الحاكم، وهو يحدّد أسلوب مجلس الوزراء ويُدخِل بعض الإصلاحات. لكن الملك لايزال يملك السلطة النهائية. فالدستور يمنحه السلطة الحصرية على جميع المسائل ذات الأهمية الاستراتيجية، وهو الذي يحدّد ما المسائل التي تُعتَبَر استراتيجية. إضافة إلى ذلك، يحيط بالملك مستشارون من ذوي الدهاء السياسي والخبرة الذين تعوّدوا على ممارسة السلطة، في حين لايزال حزب العدالة والتنمية يتعلّم أصول الحكم.

لايزال الطريق الثالث شراكة غير متوازنة البتة بين القصر وحزب العدالة والتنمية، إذ تتركّز السلطة بمعظمها في القصر، كما هو حال السيطرة على جزء كبير من الاقتصاد. قد تميل دفة الميزان ببطء لصالح حزب العدالة والتنمية عندما يكتسب الحزب الخبرة، لكن قد يفشل أيضاً الإسلاميون ويكتشفون في نهاية المطاف أنهم استبدلوا دور الخصوم الأقوياء بدور الشركاء المروَّضين. لاشك في أن نجاح الطريق الثالث، إذا كانت هذه هي النتيجة، سيُقاس بالسنوات لا بالشهور. لكن من السابق لأوانه بالتأكيد الثناء على المغرب باعتباره نموذجاً ناجحاً للإصلاح التدريجي.

لاتقتصر على المغرب فقط معرفةُ ما إذا كان ثمّة طريق ثالث للتغيير السياسي قابل للتطبيق من شأنه أن يرسم مساراً حذراً بين الركود الذي يسود عندما لاتشعر الحكومات السلطوية بالضغط الشعبي، وبين المسار الفوضوي نحو السيادة الشعبية الذي نشهده في بعض البلدان العربية. ففي جميع الدول التي شهدت انتفاضات، لاتزال السلطة منقسمة جداً بين بقايا النظام السابق وبين الأحزاب الإسلامية التي حقّقت أداءً قوياً في الانتخابات.

يبدو أن مصر بدأت الدخول في فترة من التعايش الفعلي بين المؤسّسة العسكرية والمؤسسات الأخرى - الدولة الخفية – وبين القوى الشعبية الإسلامية. أما في تونس، فيتولّى حزب النهضة الإسلامي السلطة ضمن ائتلاف مع أحزاب أخرى، لكن المعارضة تحاول توطيد نفسها تحت لواء تنظيم جديد، "نداء تونس"، الذي شكّله رئيس الوزراء السابق الباجي قائد السبسي، العضو في النظام السابق. وإذا ما نجحت مناورة السبسي – والنتيجة هذه ليست حتمية نظراً إلى تشتّت الأحزاب العلمانية – فقد تشهد تونس أيضاً شكلاً من أشكال تقاسم السلطة بين القوى السياسية التي تمثّل النظام السابق وبين الإسلاميين. لكن في كلا البلدين، كما هو الحال في المغرب، ليس من الواضح ما إذا كان تقاسم السلطة هذا بحكم الأمر الواقع، في ظلّ عجز أي من الطرفين على القضاء على نفوذ الآخر، سيؤدّي إلى الصراع وعدم الاستقرار أم إلى تسوية الخلافات وتطبيق إصلاحات الطريق الثالث التدريجية.

التغيير من دون مواجهة

مع أن الشكوك حول جدوى الطريق الثالث تتزايد، حتى في أوساط المغاربة الذين أشادوا أصلاً بنهج الملك، بعض التغييرات يجري في البلاد حالياً. فحزب العدالة والتنمية يركّز حالياً ركيزاً كبيراً على مسألتين: تطبيق الدستور، والكفاح من أجل الحكم الرشيد ومكافحة الفساد.

إن تطبيق الدستور يعني الاستفادة من الإمكانات التي يتيحها لمجلس الوزراء والبرلمان لصوغ السياسات. فموجب النظام الجديد، يستطيع مجلس الوزراء أن يجتمع بقيادة رئيس الوزراء، الذي يُطلَق عليه رسمياً اسم رئيس الحكومة، ويتوصّل إلى قرارات بشأن أي قضية لاتتعلق بالأمن أو المسائل "الاستراتيجية" التي تظلّ من صلاحيات الملك. ويبقى مجلس الوزراء مقيّداً، في جميع قراراته، بالرغبة في تجنّب حدوث نزاع مع الملك. على سبيل المثال، بموجب القانون الجديد الذي أقرّه البرلمان في 8 أيار/مايو 2012، لرئيس الوزراء الحق في إجراء أكثر من 1000 تعيين سياسي، في حين يجري الملك حوالى 40 تعييناً فقط. وغني عن القول أن التعيينات التي يُترَك أمرُها للملك هي الأهم، مثل التعيينات في الجيش وقوى الأمن وأجهزة الاستخبارات والسلك الدبلوماسي.

وعلى الرغم من وجود مستوى رسمي من الاستقلالية الممنوحة، لايزال حزب العدالة والتنمية يتشاور مع القصر على مايبدو حتى بشأن التعيينات التي يحقّ لرئيس الوزراء القيام بها. ويعود ذلك جزئياً ببساطة إلى أن حزب العدالة والتنمية لايملك شبكات خاصة من الخبرة والاتصالات التي من شأنها السماح له بالقيام بخيارات مستقلّة. لكن جزءاً من السبب أيضاً هو أن الحزب لايرغب في خوض مواجهة مع الملك، كما يؤكّد قادته على الدوام.

أياً تكن أسباب إذعان حزب العدالة والتنمية إلى القصر، يبدو أن الحكومة الجديدة تختبر هامش الإصلاحات المهمّة بدلاً من تطبيقها مباشرةً. وفي هذا الصدد، تبرز مسألتان مهمّتان: محاولة حزب العدالة والتنمية مكافحة الفساد وإدخال درجة عالية من المبادئ الأخلاقية في الحياة العامة، وإصلاح نظام الإعانات المكلف الذي يتآكل الموازنة ويتسبّب بتشوّهات اقتصادية كبيرة من دون مساعدة الفقراء.

يبدو حزب العدالة والتنمية صادقاً في تصميمه على تطبيق الأخلاق في الحياة العامة. فوزراؤه يقدّمون أنفسهم على أنهم رجال الشعب، ويستمرون في العيش في منازلهم القديمة بدلاً من الانتقال إلى المقارّ الرسمية، ويتخلّون قدر الإمكان عن التباهي العلني والامتيازات التي ترافق السلطة. كما يؤكّدون أن عدم تبذيرهم أدّى إلى تقليص النفقات التشغيلية للوزارات بنسبة تصل إلى 50 في المئة (لم تستطع الكاتبة أن تعرف كيف احتُسِبَت هذه النسبة المئوية)، وأنهم استثمروا حوالى 5 مليارات درهم كان جرى توفيرها في إطار الجهود الرامية إلى تحسين الخدمات المقدّمة للفقراء. وإضافة إلى مصادر التمويل الأخرى، سمحت المدّخرات للحكومة بإطلاق برنامج مساعدة طبية جديد وطموح، هو برنامج RAMED، الذي سيستفيد منه حوالى 8.5 مليون شخص من ذوي الدخل المنخفض، و4 ملايين يعيشون في فقر مدقع، و4.5 مليون معرّضون إلى الخطر، ومايقرب من 160 ألفاً من نزلاء مراكز الرعاية الاجتماعية والسجون وغيرها من المؤسسات. وصحيح أن البرنامج مبادرة من حزب العدالة والتنمية، إلا أن الملك هو الذي ترأّس إطلاق البرنامج رسمياً في الدار البيضاء في نيسان/أبريل، وذلك تماشياً مع التقليد الذي يقول بأن كل الأشياء الجيّدة تأتي من الملك.

في حين أن الجهود التي يبذلها حزب العدالة والتنمية لخفض النفقات التشغيلية وزيادة تمويل البرامج التي تساعد المغاربة المحرومين جديرة بالثناء، تبدو أهميتها هامشية بالمقارنة مع المشكلة الحقيقية التي تواجهها البلاد والمتمثّلة بالفساد والتفاوت في الدخل. يسيطر الملك والقصر على قطاعات مهمة من الاقتصاد، ومعظم التقديرات يصنِّف الملك من بين أغنى القادة في العالم، على الرغم من فقر البلاد.

تُعتَبَر المصالح التجارية للملك واسعة الانتشار، والحصص التي يمتلكها في قطاعات مثل توزيع الأغذية وإنتاج الإسمنت وتعدين الفوسفات تعني أنه ينتفع مباشرة من عدد من السياسات الحكومية الاقتصادية، مثل مشاريع البنية التحتية التي تستهلك كميات كبيرة من الإسمنت. حتى نظام الدعم الذي يبقي على سعر المواد الغذائية الأساسية وغاز الطهي وزيت الديزل والبنزين أقلّ من التكلفة، والذي يلتهم حالياً نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد و13 في المئة من الميزانية، يُتَرجَم إلى فوائد للملك والمحيطين به الذين يزوّدون السوق الموسّعة التي أوجدتها الإعانات، في حين تتحمّل الدولة ودافعو الضرائب التكلفة.

من غير المؤكد ما إذا كانت مصالح الملك الاقتصادية الواسعة تمثّل فساداً بالمعنى الضيّق للكلمة، لكن ما من شكّ في أن قدرة الملك على بناء شبكة أعمال واسعة، ترتبط مباشرة بسلطته السياسية. وأنشطة الملك تتجاوز تماماً قدرة حزب العدالة والتنمية على الاعتراض، خصوصاً أن الحزب يرفض المواجهة. ويندّد حزب العدالة والتنمية بالفساد ويحثّ على الفضيلة في سلوك الموظفين العموميين، ويمارس أسلوب الحياة الأخلاقية الذي يروّج له. وقد يكون على استعداد، في مرحلة ما، حتى لتحدّي الجهات الفاعلة الصغيرة، لكن قضية الفساد الأساسية في الدوائر العليا تبقى خارج نطاق عمله.

تعكس قضية الإعانات حدود مايمكن أن يفعله حزب العدالة والتنمية من دون مواجهة الملك والخطر الحقيقي المتمثّل في حقيقة أن القصر سيكون قادراً على التحكّم بالحزب وتركه يتحمّل مسؤولية اتخاذ القرارات غير الشعبية. ويتّفق خبراء الاقتصاد على أن الإعانات الشاملة تشكّل سوء استخدام لموارد الحكومة، إذ يستفيد منها مَن لايحتاجون إلى مساعدة كما تشوِّه السوق. على سبيل المثال، لاينتهي المطاف بقوارير غاز الطهي المدعومة في مطابخ الفقراء والأغنياء على حدّ سواء فقط، بل أيضاً في المعامل الصغيرة والحقول، حيث تستخدم أكوام من قوارير الغاز لتشغيل مضخّات المياه والآلات الأخرى. وتقدّر الحكومة أن 70 في المئة من الإعانات يذهب إلى نسبة الـ20 في المئة الأغنى من السكان.

أما الحل فيبدو بسيطاً من الناحية النظرية: يتعيّن على الحكومة استبدال الدعم الشامل بمساعدات نقدية للأسر الفقيرة، الأمر الذي من شأنه مساعدة المحتاجين حقاً، وتخفيض التكلفة الإجمالية والقضاء على التشوّهات الاقتصادية. لكن إصلاح نظام الدعم عموماً لايحظى بالشعبية إجمالاً، إذ يخشى الفقراء من أنهم لن يحصلوا على المبالغ الموعودة، في حين أن الطبقة الوسطى، وهي غير مؤهلة للحصول على مبالغ نقدية، لاتريد دفع أسعار أعلى، كما أن الشركات التي تحتال على النظام لاتريد دفع التكلفة الحقيقية للطاقة.

يدعو برنامج حزب العدالة والتنمية إلى الانتقال من الدعم إلى المساعدة المستهدفة. ويعتقد العديد من المغاربة أن القصر سعيد للغاية بالسماح للحكومة بأن تخوض تجربة التغيير، التي بدأت مع زيادة سعر البنزين والديزل في حزيران/يونيو ويفترَض أن تُختَتَم برفع أشكال الدعم كافة قبل نهاية ولاية الحكومة في العام 2016. وإذا ما أسفر التغيير عن بروز مشاكل، فسيوجَّه غضب المستهلكين ولومهم إلى الحكومة، في حين يمكن للقصر أن يتخلّص من مشكلة قديمة بأقلّ قدر من المخاطر السياسية.

الحفاظ على زخم الإصلاح

لم يأخذ الإصلاح في المغرب مداه إلى الآن. فحزب العدالة والتنمية مصمّم على اتخاذ مزيد من الخطوات لإصلاح أخلاق الحياة العامة وحماية الفقراء. لكن التوازن الحالي بين الحزب الذي يريد تجنّب المواجهة، وبين القصر الذي لايزال يبدو أقوى من الحكومة المنتخبة، لايبشّر بالخير في مايتعلّق بعمق الإصلاحات. ثمّة حدود لما يمكن أن يحقّقه حزب العدالة والتنمية من دون مواجهة المصالح الخاصة. فيمكن أن يتكرّر سيناريو العام 1991، حينما أدّى دمج حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحكومة إلى تحوّله إلى "حزب الحكومة"، كما اعترف أحد قادته في مقابلة مع الكاتبة، ما لم يتعرّض النظام الملكي إلى ضغط أكبر من الضغط الذي يبدو حزب العدالة والتنمية مستعداً لممارسته في الوقت الراهن.

من غير المرجّح أن تأتي هذه الضغوط من مجلس النواب والأحزاب الممثّلة فيه. فقد تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الاستقلال والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية الأصغر حجماً، وجميعها أحزاب معتدلة. أما الأحزاب البرلمانية التي ليست في الحكومة فهي إما عديمة الأهمية وإما حتى أقرب إلى النظام الملكي، وهي تعارض حزب العدالة والتنمية لا الملك. مع ذلك، ثمة بعض الجهات السياسية المهمّة ربما من خارج البرلمان التي بقيت حتى الآن على هامش العملية السياسية، والتي يمكن أن تصبح عاملاً حاسماً.

في الواقع، ثمة ثلاث مجموعات من خارج البرلمان تستحق المراقبة: ناشطو حركة 20 فبراير الذين دفعت تظاهراتهم في شوارع المدن الرئيسة بالملك إلى إصدار قرار بالمضيّ قُدُماً في وضع دستور جديد على الفور قبل أن تتحوّل الاحتجاجات إلى انتفاضة؛ والتنظيمات السلفية؛ وجماعة العدل والإحسان، وهي تنظيم إسلامي يرفض بشدّة الاعتراف بدور الملك الديني باعتباره "أمير المؤمنين"، وبالتالي لايشارك في العملية السياسية والقانونية.

لم تَعُد حركة 20 فبراير ناشطة إلى حدّ كبير، إذ لم يتمكن الناشطون الشباب من الحفاظ على زخم الاحتجاجات، بسبب أوجه القصور التنظيمية، ولأن العديد من المغاربة كانوا على استعداد لانتظار ماستجلبه إصلاحات الملك. في البداية، حظيت شبكة النشطاء الفضفاضة التي تكوّنت منها الحركة بتأييد مجموعة مستبعدة من الجماعات اليسارية المتشدّدة وأعضاء جماعة العدل والإحسان، غير أن هذا الدعم تفكّك الآن، إذ أعلنت جماعة العدل والإحسان في 19 كانون الأول/ديسمبر أنها أوقفت دعمها لحركة 20 فبراير.

لكن حركة 20 فبراير، وعلى الرغم من عدم نشاطها، استطاعت أن تحتلّ مكانة مهمة في المغرب عبر تحوّلها إلى قناة للجماعات العلمانية التي ليست راضية عن الوضع الراهن، والتي لاتعتقد أن الأحزاب العلمانية الحالية يمكن أن تكون فعّالة ولاتتعاطف مع الحركات الإسلامية. ومع أن إمكانية حدوث ذلك قائمة، ليس ثمّة دليل إلى الآن على أنه يتحقّق.

لاتبدو معظم التنظيمات السلفية مستعدة لخوض المعترك السياسي بكامل قوتها حتى الآن. وهذا مايميّز المغرب عن مصر، حيث سرعان ماشكّل السلفيون، وبشكل غير متوقّع، حزباً سياسياً في أعقاب إطاحة مبارك، وحصلوا على أكثر من 20 في المئة من المقاعد البرلمانية بعد سنة. والوضع يختلف أيضاً عن تونس، حيث أصبح السلفيون قوة من خارج البرلمان ترفع صوتها وتُعَدّ عنيفة في بعض الأحيان، وحيث أطلقوا مؤخّراً حزبهم الخاص، "جبهة الإصلاح"، في أيار/مايو الماضي. لكن في المغرب، لايزال معظم السلفيين يركّزون على التعليم والدعوة كما على النضال من أجل الإفراج عن زملائهم المسجونين، وينقسمون في هذه المساعي مابين أتباع شيوخ مختلفين.

وقد حصل تنظيم سياسي سلفي، هو حزب الأمة، على ترخيص رسمي في تموز/يوليو، إلا أنه لم ينشط حتى الآن. كما بدأ الشيخ محمد الفزازي مؤخّراً الترتيب لعقد اجتماعات مع القوى السلفية لمناقشة الوضع السياسي في البلاد، ويزعم أنه أعلن عن خطط لإنشاء حزب سياسي، هو "العلم والأمل"، لكن لم يتضّح بعد المدى الذي وصل إليه في عملية التنظيم والتعبئة.
أما جماعة العدل والإحسان فهي مختلفة تماماً: هي قوة سياسية لديها القدرة التنظيمية والعدد الكافي من الأعضاء الذين يؤهّلانها لتصبح طرفاً فاعلاً رئيساً، مايضع ضغطاً حقيقياً على النظام الملكي، وربما يضع عملية الإصلاح على مستوى مختلف.

تأسّست جماعة العدل والإحسان في العام 1973، إلا أنها ليست تنظيماً قانونياً مسجلاً، ولذلك لاتوجد أرقام عن عدد أنصارها. لكنها ليست تنظيماً سرّياً أيضاً، إذ إن قادتها على استعداد تام للتواصل مع الآخرين، وهي تعتبر أكبر تنظيم إسلامي في المغرب. وتخصّص الجماعة معظم أنشطتها لأسلمة المجتمع بدلاً من السياسة.

مع أن قادة جماعة العدل والإحسان يرفضون قبول دور الملك كأمير للمؤمنين، يلمحون إلى أنهم ربما يكونون مستعدين لقبول الملك بوصفه ملكاً دستورياً. لكنهم لايخفون أنهم يحبّذون الشكل الجمهوري للحكم. وقد أدّى رفض الخضوع إلى الحكم المركزي للسياسة المغربية - بما في ذلك قبول الملك باعتباره ممثّل السلطة الدينية العليا والسلطة السياسية – إلى دخول قادة جماعة العدل والإحسان، بمَن فيهم مؤسّسها، إلى السجن مراراً.

يضع قرار عدم الدخول في معترك السياسة جماعة العدل والإحسان في وضع صعب لايمكن أن يدوم في نهاية المطاف، ويمكن أن يحكم عليها بعدم الجدوى السياسية على الرغم من إمكاناتها الكبيرة. وفي الواقع، يمكن أن يكون للجماعة نفوذ سياسي كبير، إذ يزعم البعض أنها تملك أصلاً هذا النفوذ. وثمّة مَن يقول إن الكثير من أعضائها ربما يشاركون في العملية السياسية من خلال التصويت على الرغم من توجيهات القيادة، وقد ساهموا في نجاح حزب العدالة والتنمية. كما أن تنظيم الجماعة يتيح لها أصلاً الاضطلاع بأنشطة سياسية، فمجلس الشورى ومكتب الإرشاد في الجماعة يترأسان "دائرتين" منفصلتين، إحداهما مخصّصة للتعليم والدعوة، والأخرى للعمل السياسي. والدائرة الأخيرة منظّمة على نحو يشبه الحزب إلى حدّ كبير، وتضمّ نساء وشباباً ومنظمات عمالية، فضلاً عن أقسام جغرافية في مختلف المواقع. لابل إن الجماعة تملك مركزاً للبحوث، مايدلّ على اهتمامها بالقضايا والسياسات الملموسة. وليس لدى أي مجموعة أخرى خارج البرلمان في المغرب هيكل مشابه لهيكل جماعة العدل والإحسان حتى من بعيد.

من غير الواضح ما الذي يمكن أن يدفع جماعة العدل والإحسان إلى أن تقرّر المشاركة في الحياة السياسية؛ ربما يكون الدافع وفاة مؤسّسها المسنّ أو تجدّد الاحتجاجات في الشوارع إذا ماثبت أن الطريق الثالث غير كاف لإحراز تقدّم في حلّ مشاكل المغرب. لكن يبدو من غير المحتمل أن يظلّ التنظيم الذي يتميّز بالتجهيز الأفضل لفرض عملية تغيير أكثر ديناميكية في المغرب، على الهامش إلى الأبد. فالتغيير في سياسة جماعة العدل سيشكّل تحدّياً جديداً وأكثر أهمية بالنسبة إلى النظام الملكي ويشكّك في الطريق الثالث لحزب العدالة والتنمية.

بغض النظر عن القرارات التي يمكن أن تتوصّل إليها الجماعات من خارج البرلمان في المغرب في الأشهر المقبلة، سيعمد على الأرجح المغاربة الراغبون في تغيير أعمق وأسرع إلى تحدّي الطريق الثالث.

End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.org/2012/07/31/المغرب-هل-ينجح-الطريق-الثالث/d6bn

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。