في الثامن من آب/أغسطس، رُفِع النقاب عن مسوّدة الدستور التونسي، ماساهم في إعادة إحياء النقاش حول مستقبل الحقوق والحرّيات في الدولة التي قامت بعد الثورة. وسوف تنعقد الجمعية التأسيسية - أي الهيئة المنتخبة التي وضعت المسوّدة - من جديد في أيلول/سبتمبر الجاري للمباشرة بمراجعة الفصول الحالية والتوصّل إلى دستور متماسك يُتوقَّع أن يصدر بصيغته النهائية بحلول شباط/فبراير 2013. ومن أجل إقرار مسودّة الدستور، يجب أن توافق عليها غالبية مطلقة - 109 من أصل 217 عضواً في الجمعية التأسيسية - فصلاً تلو الآخر.

أثارت أربعة فصول على وجه الخصوص درجات مختلفة من الانتقاد: الفصل الخامس الذي ينظّم الإعلام؛ والفصل 28 الذي ينص على أن المرأة هي "شريك" للرجل و"يتكامل دورهما داخل الأسرة"؛ والفصل 45 الذي يسعى إلى تحديد طريقة انتخاب الرئيس: مباشرةً من الشعب أم من أعضاء مجلس الشعب؛ والفصل الثالث الذي ينص على تجريم الإساءات الدينية: "تضمن الدولة حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وتجرّم كل اعتداء على المقدسات الدينية". وفي حين دارت سجالات حادّة حول مسألة اعتماد النموذج الرئاسي أم النموذج البرلماني، وحول شؤون الحرّية الإعلامية، والدفاع عن حقوق المرأة - وقد دفعت القضية الأخيرة بنحو سبعة آلاف رجل وامرأة إلى تنظيم مسيرة في وسط العاصمة تونس احتجاجاً على اللغة "التكاملية" للفصل 28 - لم نشهد احتجاجات أو نقاشات مماثلة بشأن الفصل الثالث. واقع الحال أن المجتمع الأهلي التزم الصمت بطريقة مستغربة في موضوع الفصل الثالث الذي ربما يشكّل الجزء الأكثر إثارة للإشكالية في مشروع الدستور. وفي حين يفرض كل بلد حدوداً قصوى على حقوق مواطنيه وحرّياتهم، إن الجهود واسعة النطاق لحظر انتقاد الدين بموجب الفصل الثالث من مسوّدة الدستور هي مثيرة للقلق. فغالب الظن أن هذا الفصل بصيغته الحالية الملتبسة سوف يحدّ من فسحة التعبير، وقد يُستخدَم أداة للقمع السياسي والاجتماعي.

قوانين التجديف على الدين أمرٌ شائع في جزء كبير من الشرق الأوسط وشمال أفرقيا، ولاتزال قائمة في بعض البلدان الأوروبية مثل اليونان وبولندا وإيرلندا. لقد ترقّب عدد من المدافعين الدوليين عن حرية التعبير ومن الناشطين التونسيين العلمانيين، أن تتبنّى الجمعية التأسيسية مساراً رسمياً أكثر حيادية في مجال حرّية التعبير الديني. وقد اعتبرت الدكتورة أغنس كالامارد، المديرة التنفيذية لمجموعة "الفصل 19" Article 19 التي تُعنى بالدفاع عن حرية التعبير وتتّخذ من لندن مقراً لها، أن قانون التجديف "يُضيِّع [على التونسيين] فرصة" اعتماد معايير دولية في مجال حرية التعبير. وقد التزمت مجموعات كان يُتوقَّع منها الاعتراض على الفصل الثالث، الصمت، مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والنقابات الصحافية والأحزاب السياسية علمانية التوجّه، وذلك على الأرجح بسبب خوفها من فقدان شرعيتها لدى المجتمع التونسي الذي لايتقبّل الإساءة إلى الأديان الإبراهيمية (ولاسيما الإسلام). فعلى سبيل المثال، قلّة من المنظمات الأهلية اعترضت في آذار/مارس الماضي لدى صدور حكم بالسجن سبع سنوات ونصف السنة بحق ملحدَين في بلدة المهدية الساحلية بعد قيامهما بنشر وثائق تهزأ بالإسلام على الإنترنت.

أسرّ أعضاء بارزون في حركة النهضة (التي تسيطر على 89 من أصل 217 مقعداً في الجمعية التأسيسية في تونس) في مجالس خاصة، أنهم تردّدوا في البداية في إدراج هذا الفصل في مسوّدة الدستور، لكنهم شعروا بأنهم مرغَمون على القيام بذلك بعد سلسلة من "الاستفزازات غير المسؤولة" التي تقف وراءها جهات مؤيّدة للعلمانية، والتي أخلّت (بحسب اعتقادهم) بالنظام العام وأضرّت بالقيم السائدة. تُعدّد حركة النهضة سلسلة من هذه "الاستفزازات"، منها فيلم "لا الله لا سيدي" للمخرجة التونسية نادية الفاني، الذي أثار جدلاً واسعاً الصيف الماضي؛ وعرض فيلم "برسيبوليس" للمخرجة مرجان ساترابي؛ وأعمال الشغب الأخيرة في حي المرسى الراقي في العاصمة تونس، التي اندلعت على خلفية معرض فنّي اعتُبِر "مسيئاً" للحساسيات الإسلامية. وقد اعتبرت شخصيات رفيعة المستوى في حركة النهضة، بينهم وزير حقوق الإنسان سمير ديلو، أن قوانين مكافحة التجديف سوف تحمي النظام العام والأمن؛ وأشار بعضهم إلى القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على حرية التعبير من أجل تدعيم مزاعمهم؛ فكثيراً ماتفرض الديمقراطيات في رأيهم حدوداً على التعبير خدمةً للسلامة العامة.

بحسب هذه الحجّة، الحساسيات كبيرة جداً في تونس إلى درجة أنه يجب حظر الإساءات الشديدة إلى الدين لأنها قد تتسبّب بخلل خطير في النظام العام. بيد أن منتقدي النهضة يردّون بأن الحركة تتساهل على نحو غير ملائم في موضوع الأمن، فتنصاع للسلفيين الذين يُعتقَد أنهم مسؤولون عن أعمال الشغب في المرسى واحتجاجات أخرى ضد الحفلات الموسيقية في قيروان وصفاكس، سعياً منها إلى الفوز بدعمهم.

ومع أن أعضاء النهضة يشدّدون على أن حزبهم يسعى إلى "إقناع" التونسيين بعيش حياة إسلامية تقيّة، و"ليس إكراههم" على ذلك، إلا أنه لايزال ثمة تشوّش كبير بشأن حقوق الأكثريات والأقليات في البلاد. غالباً مايستخدم أعضاء الحركة منطق الأكثرية، فيزعمون أن آراءهم تعكس آراء معظم التونسيين الذين يشعرون - خلافاً للنخب المدينية والعلمانية في البلاد - بالإساءة من الإهانة للأخلاقيات العامة. (يصعب إثبات هذا الزعم بسبب غياب الاستطلاعات الموثوقة لتقييم موقف الرأي العام من موضوع التجديف على الدين). فضلاً عن ذلك، ليس منطق الأكثرية - الذي يناسب النهضة في شكل خاص كونها الحزب الأكثر شعبية في البلاد - حكراً على الإسلاميين فقط. فعدد كبير من التونسيين - الإسلاميين والعلمانيين على السواء - يخلطون كثيراً بين كلمة "ديمقراطية" وبين حكم الأكثرية. فمفهوم حقوق الأقليات جديد بالنسبة إلى الكثير من التونسيين ولايستوعبونه جيداً.

إضافةً إلى ذلك، قد تكون لدى أعضاء النهضة دوافع شخصية خلف تأييدهم للفصل الثالث. فبعضهم يعتقد أنه يخدم مصالح المواطنين الأفراد لأنه يشكّل رادعاً قانونياً للخطيئة الكبرى مبرَّراً من الناحية الأخلاقية؛ وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفصل الثالث ينص على تجريم الإساءات للأديان الإبراهيمية، فيما يشدّد على الإرث المتعدّد الأديان في تونس. ولعل قمع الممارسات الدينية في الماضي يحضّ أيضاً النهضة على التحرّك. ففي ظل النظام العلماني القديم، تعرّض التونسيون الأكثر توجّهاً نحو المحافظية، إلى مجموعة من الضغوط السياسية؛ فقد كان الشبّان يُعتقَلون لأسباب بسيطة جداً مثل حضور صلاة الفجر، إذ أن النظام كان يعتبر أن ممارسي هذه الطقوس منخرطون في المعارضة الإسلامية. وغالباً ماكان الرجال الذين يطلقون لحاهم يتعرّضون إلى المضايقات من المسؤولين الأمنيين، كما أن النساء اللواتي يرتدين الحجاب كنّ يُمنَعن في معظم الأحيان من ارتياد الجامعات أو العمل في المؤسّسات العامة. لاتزال ذكريات هذا القمع محفورة في الأذهان، وربما يخشى عدد كبير من أعضاء النهضة، في قرارة نفوسهم، أن تُكبَح ذات يوم قدرتهم المستحدَثة على ممارسة الإسلام بحرّية وعلنيّة، ولذلك يسعون إلى تثبيتها من خلال فرض الحمايات القانونية القصوى للممارسات التقَوية.

فضلاً عن ذلك، كان ثمة سبب وجيه للاعتقاد بأن الجمعية التأسيسية سوف تتجنّب الخوض في قوانين التجديف. ففي حين تتضمّن قوانين الصحافة والعقوبات القديمة أحكاماً تحمي الآداب العامة والنظام العام، لم تكن هناك في تونس سابقة قانونية لتجريم الإساءات إلى الدين. بحسب آمنة القلالي، وهي من كبار الباحثين التونسيين في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، يضيف الفصل الثالث "طبقة قمعية جديدة إلى ترسانة القمع" التي كانت قائمة بموجب قانون العقوبات التونسي؛ فهو يذهب أبعد من القوانين السابقة، لا عبر تجريم الإساءات الدينية وحسب، بل أيضاً عبر تضمين هذا البند في الدستور، الأمر الذي سيؤثّر في كل التشريعات المستقبلية حول حرّية التعبير.

لقد وضعت حركة النهضة تعريفاً واضحاً لهذا "التجريم"، إذ اقترحت معاقبة المسيئين إلى الدين بالسجن عامَين إذا كانوا يرتكبون إساءتهم للمرة الأولى، أما مَن يكرّر الإساءة فيُحكَم عليه بالسجن أربع سنوات. لكن ليس واضحاً بعد ما الأفعال التي تشكّل "اعتداء على المقدّسات". فلا شيء يمنع من أن يفسّر عناصر الشرطة والقضاة المحليون الفصل الثالث على هواهم، وربما يعتبرون كل شيء، من الشتائم العرضية إلى الحفلات الموسيقية، جرماً. إذا أُقِرّ الفصل الثالث في صيغته الحالية، فسوف يولّد، في أفضل الأحوال، ضغوطاً على الفنّانين والكتّاب كي يفرضوا رقابة ذاتية على أنفسهم، كما حصل مع قوانين التجديف في اليونان وبولندا. وفي أسوأ الأحوال، سوف يؤدّي إلى رقابة حكومية علنية وأحكام بالسجن لفترات مطوَّلة بحق الفنّانين وسواهم ممَّن يسمّون بمجرمي الفكر، كما يحدث بوتيرة متكرّرة في باكستان.

إن مفاوضات الأشهر المقبلة سوف تذلّل على الأرجح العقوبات في مسائل تنظيم الإعلام ووضع النساء، إلا أن أحزاب المعارضة والمنظّمات الأهلية ستجد صعوبة أكبر بكثير في رفع تحدٍّ فعلي في وجه النهضة في موضوع قوانين التجديف. ومع أن منظمات دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" ومجموعة "الفصل 19" رفعت الصوت، إلا أنه يقع على عاتق التونسيين أنفسهم، الناخبين منهم والمشترعين، تحديد موقف تونس من حرية التعبير، وإذا ماكان للفصل الثالث مكان أصلاً في الدستور.

مونيكا ماركس حاصلة على "منحة رودس" وطالبة دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية في سانت أنتوني كولدج في جامعة أكسفورد. تجري حالياً أبحاثاً ميدانية في تونس.