في المغرب وتونس ومصر والأردن وسورية – بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المستوردة للنفط - العجز في الميزانية آخذ في الارتفاع، وكذلك الطلب على التوظيف والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. ومع ذلك، فإن حكومات هذه البلدان مستمرّة في تخصيص حصة كبيرة من النفقات الحكومية لدعم الاستهلاك إلى درجة أضعفت تخصيص استثمارات في خدمات عامة أخرى حاسمة. فإعانات الوقود، التي تمثّل غالبية دعم الاستهلاك في مصر والمغرب وسورية، تعود بالنفع على الأغنياء أكثر من الفقراء. ومع ارتفاع أسعار النفط وضيق المجال المالي (أي المجال المُتاح للحكومة لاتّخاذ قرارات تتعلّق بكيفية إدارة ميزانيتها) لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ الارتفاع الأخير في الأسعار، أصبح عبء دعم الوقود على الميزانيات الحكومية أكثر حدّة. فقد قلّص الأردن وسورية، وإلى حدّ ما تونس، الإعانات، لكن مصر والمغرب لايزالان يتجنّبان الإصلاحات على هذا الصعيد. ومع ذلك، فإن إصلاح نظام دعم الوقود أمر لامفرّ منه لأن المجال المالي لهذه البلدان لم يَعُد كافياً. وعن طريق تأجيل القيام بأي إصلاح، فإن واضعي السياسات يهدرون موارد ماليةً قيّمةً، وينخرطون في سياسات انكفائية، ويجعلون الآفاق الاقتصادية أكثر سوءاً.

العبء الثقيل لدعم الاستهلاك

على الرغم من أن اقتصادات بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمكّنت من التوسّع في خضمّ الأزمة العالمية - تراوح نمو الناتج المحلي الإجمالي من 2.8 في المئة في الأردن، إلى 5 في المئة في المغرب في العام 2009 – إلا أن العجز في ميزانياتها ازداد أيضاً، بسب حزم الإنقاذ وتنامي المطالب الاجتماعية. ففي العام 2009، بلغ متوسط العجز في الموازنة 4.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الخمس، حيث وصل إلى نسبة 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر. وشهد المغرب وتونس، اللذان كانت موازنة الحكومة فيهما قريبةً من التوازن في العام 2008، تدهوراً  بمتوسط يقترب من 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2009. 
 
وهكذا، يستمرّ دعم الاستهلاك في امتصاص حيّز كبير من الموارد الحكومية لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويُزاحِم النفقات في مجالات رئيسة أخرى مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية الأساسية. ففي مصر، بلغ الدعم نسبة 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط، على مدى السنوات الأربع الماضية، وهو مايعادل الإنفاق الحكومي الاستثماري ثلاث مرات. وخصّصت تونس والمغرب وسورية في المتوسط نسبة 3.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدعم في العام 2009، فيما تجاوزت النسبة في الأردن أيضاً أكثر من 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2006 و2009، على الرغم من أنها في اتجاه نزولي واضح.
 
يشكّل دعم الوقود غالبية عمليات دعم الاستهلاك في مصر والمغرب وسورية. ويتراوح نصيبه بين 60 و95 في المئة، حسب مستوى أسعار النفط العالمية. وعلى الرغم من شعبيته من الناحية السياسية  فإن الدعم يطرح ثلاث إشكالات:
  • التأثير على الفقراء: تُظهر الدراسات الحالية أن الآثار المترتّبة على الدعم الشامل و غير المستهدف للوقود  تعود لصالح الأغنياء أكثر من الفقراء. 
  • استهلاك النفط: من خلال تخفيض أسعار النفط بشكل مصطنع، فإن الدعم يشجّع التكنولوجيا التي تستخدم الوقود بشكل مكثّف، ويؤدّي إلى الإفراط في الاستهلاك.
  • تقلّب الميزانية: لأنه يعتمد على أسعار الطاقة العالمية، فإن عبء دعم الوقود على الموازنة العامة للدولة شديد التقلّب. ففي خضم موجة التدهور الحاد في أسعار النفط في العام 2009، على سبيل المثال، تراجعت نفقات الدعم إلى 9 بلايين دولار، منخفضةً من 16 بليون دولار في العام 2008، عندما كانت الأسعار في عنان السماء. ومع استئناف النمو العالمي وردود الفعل المباشرة لذلك على سعر النفط الخام، يعود العبء إلى الارتفاع مرة أخرى. فقد بلغ متوسط السعر خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2010 نحو 80 دولاراً للبرميل، مقارنةً مع متوسط سعر بلغ 62 دولاراً في العام 2009.

الإصلاحات في الأردن وسورية

الأردن وسورية، وإلى حدّ ما تونس، متقدّمة في جهودها الرامية إلى إصلاح قطاع دعم الوقود: 
  • الأردن: الدراسة التي قام بها صندوق النقد الدولي في العام 2005، والتي توصلت إلى أن أفقر 20 في المئة من سكان البلاد حصلوا على أقلّ من 10 في المئة من إجمالي دعم الوقود، بينما تلقّى أغنى 20 في المئة منهم أكثر من 40 في المئة من هذا الدعم،منحت الحجة الدامغة للدولة للمضي قدماً في التخلّص من دعم الوقود بحلول العام 2008. ومذاك الحين، طبّق الأردن آليةً تلقائيةً لتعديل الأسعار الداخلية تنقل بموجبها أسعار النفط العالمية إلى المستهلكين.
  • سورية: في العام 2008، زادت الحكومة أسعار معظم المنتجات البترولية في السوق المحلية، ووفّرت مايعادل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من نفقات الدعم الضمني. وفي موازاة ذلك، أصدرت الحكومة بطاقات لكل أسرة بما يصل إلى ألف ليتر من الديزل بثلث سعر السوق. في العام 2009، حلّت التحويلات النقدية المستهدفة، والتي يحقّ لما يقرب من نصف الأسر السورية التمتع بها، محلّ البطاقات.
  • تونس: في كانون الثاني/يناير 2009، وضعت السلطات التونسية آليةً جديدةً لتسعير الوقود، تعكس جزئياً حركة أسعار النفط العالمية في السوق المحلية.
كما اعتمد واضعو السياسات في كل من الأردن وسورية، تدابير مواكبة للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار الوقود على الأسر ذات الدخل المنخفض. فقد زاد الأردن الحدّ الأدنى للأجور والرواتب لموظّفي الدولة ذوي الأجور المنخفضة. وفي سورية، رفعت الحكومة الأجورفي القطاع العام.

مصر والمغرب في حاجة إلى اللحاق بالركب

ينبغي على واضعي السياسات في مصر والمغرب تحويل الموارد المالية الشحيحة من دعم الوقود إلى الاستثمار العام في القطاعات ذات المردود الاجتماعي المرتفع، مثل الصحة والتعليم. ففي حين يتّفق هؤلاء على ضرورة استبدال الدعم الشامل لأسعار الوقود بمقاربات مستهدفة ذات قدرة على تحقيق أهدافها بأقلّ التكاليف، فإنهم يخشون من الضائقة الاجتماعية المرتبطة بذلك، واحتمال حدوث اضطرابات. ومع ذلك، ينبغي على واضعي السياسات أن يتعلّموا من الإلغاء الناجح لدعم الوقود في بلدان أخرى، مثل الأردن وسورية، ويضعوا خطةً للتخلّص التدريجي من الدعم تستند إلى ركائز ثلاث:
  • توفير الدعم الشعبي: أولاً، ينبغي على واضعي السياسات تسليط الضوء على أوجه القصور في دعم الوقود، وتكلفته المفرطة على الميزانية، وتوزيعه المُشوَّه الذي يضرّ الفقراء. 
  • التنفيذ التدريجي: ثانياً، ينبغي على واضعي السياسات خفض دعم الوقود تدريجياً، ولكن على نحو مطّرد. وهذا أمر بالغ الأهمية ولاسيما في مصر، حيث إن الفجوة بين الأسعار المدعومة وسعر السوق كبيرة.
  • تخفيف التأثير على الفقراء: أخيراً، ينبغي على صانعي السياسات تحديد التزامات تتّسم بالصدقية لتخفيف أثر ذلك على الفقراء. يمكن لمصر أن تلتزم بزيادة الحدّ الأدنى للأجور في كل من الحكومة والقطاع الخاص. ثمة أكثر من خمسة ملايين مصري يعملون لحساب الحكومة، فيما يعمل 1.3 مليون في المؤسسات العامة، ولكن الحدّ الأدنى للأجر الشهري للعاملين في القطاع العام يبلغ حوالى 53 دولاراً فقط. ومن المفارقات أن مصر تنفق من الأموال على دعم الاستهلاك بقدر ماتنفق من أجور على موظفي الخدمة المدنية. ويمثّل توسيع نطاق التأمين الصحي كي يشمل الفقراء سياسة أخرى ملائمة بديلة، إذ تبلغ نسبة المُؤَمَّن عليهم من الفقراء في المغرب ومصر أقلّ من 20 في المائة. ونتيجة لذلك، تضطر الأسر الفقيرة إلى بيع الأصول الإنتاجية أو اقتراض الأموال بأسعار فائدة مرتفعة من أجل دفع تكاليف العلاج الطبي المُكلِف.