تُعَدّ أزمة السكن واحدةً من أكبر الأزمات التي تعانيها الجزائر، ولا تزال معالجتها مستعصية على واضعي السياسات منذ عقود. فالبلاد تشهد احتجاجات عنيفة في كل مرة يُعلَن فيها عن قائمة توزيع الشقق السكنية «الاجتماعية» التي توفّرها الدولة مجاناً لذوي الدخل الشهري الذي لا يتعدّى 24 ألف دينار (نحو320 دولاراً).

وغالباً ما تُختزَل أزمة السكن الاجتماعي من طرف وسائل الإعلام وبعض الجهات الحكومية في غياب الشفافية، وعدم احترام معايير الأهلية على مستوى الإدارات المحلية التي تقوم بتحضير قوائم المستفيدين بسبب تفشّي الفساد والمحاباة. والحقيقة أن ثمة اختلالات بنيوية في صياغة وتنفيذ سياسة الدولة في قطاع الإسكان. وما يحدث من تجاوزات على مستوى الإدارة المحلية ليس سوى حلقة واحدة من سلسلة طويلة من الاختلالات.

لا أحد يجادل حول أهمية الدور المركزي للسكن في توفير الاستقرار الأسري وتحسين مستوى الرفاه الاجتماعي. كما أن ثمة إجماعاً على الدور الريادي لقطاع بناء المساكن في تنشيط الدورة الاقتصادية وتوليد فرص العمل، خصوصاً بالنسبة إلى العمال غير الماهرين، وهو أمر مهم للغاية بالنسبة إلى اقتصاد الجزائر، على غرار الدول العربية الأخرى، بسبب التزايد السريع لحجم اليد العاملة.

لكن التحدّي الذي يواجه الحكومة يتجلّى في صياغة سياسة إسكان ناجعةٍ تؤدّي الى تمكين المواطنين، خصوصاً الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود، من الولوج الى السكن اللائق بتكلفة معقولة ومن دون تبذير للموارد العامة. ويطرح هذا التحدّي السؤال حول الشكل الأمثل لتدخّل القطاع الحكومي في سبيل تحقيق هذا الهدف.

يمكن من خلال استقراء التجارب الدولية في هذا المجال التمييز بين مقاربات ثلاث: تعتمد المقاربة الأولى على تقديم دعم مادي للفئات المعوزة لتقوم بتوظيفها في مجال الولوج إلى السكن. وتستند المقاربة الثانية إلى منح حوافز مالية أو إعفاءات ضريبية لمؤسسات القطاع الخاص مقابل إنتاج مساكن مناسبة لطلبات وقدرات الفئات المعوزة وفق شروط محدّدة من طرف الدولة.

وبينما تقوم الدولة، وفق المقاربة الثالثة، بإنتاج المساكن في شكل مباشر أو من خلال عقود مبرمة مع مؤسسات القطاع الخاص، وتقوم بتوزيعها بسعر رمزي أو من دون مقابل على الأسر، وفق قوائم يحدّدها موظفون حكوميون إما على المستوى المركزي أو المحلي. وعلى رغم أن المقاربة الأخيرة قد تبدو للوهلة الأولى جذابةً وأكثر إفادةً للفئات المعوزة، إلا أن مقارنة فعالية سياسات الإسكان عبر العالم تبرز أنّ لهذه المقاربة آثاراً جانبيةً تجعلها مكلفة وعاجزة عن تحقيق أهدافها:

أولاً، إن سياسة توزيع المساكن في شكل مجاني تأخذ بعداً سياسياً يهدف إلى استمالة الناخبين من دون مراعاةٍ حقيقيةٍ للتدبير الرصين للموارد العامة أو تحقيق أهداف العدالة الاجتماعية.

ثانياً، تؤدّي هذه المقاربة إلى احتكار شركات خاصة بعينها قطاعَ المشاريع الحكومية، ما يضع عقبات أمام ولوج شركات أخرى إلى هذا النشاط ويتسبّب في إضعاف المنافسة، ومن ثم يرفع كلفة إنتاج المساكن الاجتماعية.

ثالثاً، تتضاعف الطلبات على الدوائر الحكومية نظراً إلى مجانية المساكن، ما يخلق سوقاً موازيةً تقايض فيها أهلية الاستفادة، الأمر الذي يؤدّي إلى استبعاد ذوي الحاجة الحقيقيين.

رابعاً، تدفع هذه السياسة كثيرين إلى الاستمرار في الإقامة في ظروف غير لائقة لسنوات في سبيل الحصول على مساكن مجانية، ما يؤثر سلباً على النشاط العام لبناء المساكن ويضاعف من حجم الخصاص. إن المقاربات التي تسعى إلى تحقيق التوازن والتكامل بين ضرورة تدخّل الدولة من أجل توفير السكن لذوي الدخل المحدود، وبين تفعيل حوافز السوق والمبادرة الخاصة، تُمكِّن من إنتاج المساكن بأسعار تنافسية، إضافةً الى أنها تمنح خيارات أكبر للمستفيدين.

والحال أن من الضروري لأي سياسة تسعى الى تمكين أكبر عدد من الأسر ذات الدخل المحدود من الولوج إلى السكن اللائق، أن تشكّل جزءاً من رؤية شمولية تأخذ في الاعتبار المعالجة الموازية لقضايا التخطيط الحضري، والحدّ من المضاربات العقارية، والتصدّي للسلوكيات الاحتكارية في أسواق مواد البناء، لا سيما الإسمنت والحديد، ومنح التسهيلات الائتمانية عبر خلق المنافسة بين المؤسسات المالية التى توفّر القروض العقارية، وتأمين الضمانات التي عادةً ما تُقصي الأسر ذات الدخل المحدود أو غير المستقرّ من أسواق الائتمان.

في غياب سياسة عامة للإسكان واقعية وشمولية، تأخذ في الاعتبار تلك الأبعاد المتعددة، ستبقى الجهود والموارد الحكومية عاجزةً عن توفير السكن اللائق لفئات الدخل الضعيف أو المتوسط، ولن تستطيع الدولة، على رغم الإنفاق السخي والنوايا الحسنة، تحقيقِ أي تقدّمٍ ملموس. وعندئذ سيكون من غير الصائب تحميل جهة حكومية بعينها مسؤولية الإخفاق.

تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.