كتبت هذه المقالة قبل أن أخرج من دمشق وطويتها بين أوراقي .. ولكني كنت أفكر نشرها كل يوم .. 

كان المسؤولون الحكوميون يسألونني أينما ذهبت عن المسيحيين ، أجبتهم: إن المسيحيين يعيشون معنا في وئام ومحبة ليس إكراماً بل لأنه ديننا وأخلاقنا ،هكذا عشنا وهكذا سنبقى..
البارحة كنت في زيارة مع الطيب أردوغان الى مخيما للاجئين السوريين، فيه حوالي سبعة وعشرين ألف إنسان، لم اشعر في حياتي بمثل ذلك الدفء والحب، عندما سمعت الآلاف يهتفون: "واحد واحد واحد … الشعب السوري واحد" ..هذا الهتاف الذي انطلق منذ بداية الثورة في عام 2011 ، أيقنت عندها أنهم مهما سيفعلون سنبقى ذلك الشعب العظيم، الذي يتحدى الموت والحديد والنار ويحن بعضه على بعض...ويموت بعض أكرم ابنائه كي يكتب لباقيه الحياة. 
 
قررت أن انشر المقالة هدية إلى كل شعب سورية وخصوصا المسيحيين منهم ، وهدية ايضا إلى ذكرى من كانا صديقين وفيين ، الراحلين : دولة الرئيس فارس الخوري، والعلامة محمد بهجة البيطار، والى ابن دمشق البار الى من سكب دمه فداء لحمص الى الشهيد باسل شحادة .. ،وإلى الأخت الغالية المحبة هند عبود قبوات، وإلى كل من يزرعون الحب والأمن ويحملون السكينة إلى قلوب الناس أجمعين، الى حارات الشام العتيقة التي تعانق فيها الناس وبكى الليمون ورقص الياسمين، أهدي هذا المقال.
كتب هذا المقال أصلاً رداً على تفجير كنيسة الإسكندرية وقبلها كنيسة بغداد، حيث شعرت أن المسيحيين عاشوا في قلق بالغ، ثم عادوا الى وعيهم بعد أن تبين أن وزير داخلية النظام المصري الراحل هو الذي أمر بتفجير الكنسية، وبدؤوا يتذكروا بأن الأنظمة اللا أخلاقية وحدها هي التي تخلق الفتن بين مكونات المجتمع الواحد، وهي التي تهدم المحبة وتنسف الوئام بظلمها، وتخلق الكراهية بين الناس، ثم تفرض نفسها مصلحاً أوحد.
 
ليكن دين المرء ما يشاء، ولكن من الذي يبيح قتل مصلين أبرياء توجهوا بضراعة إلى ربهم. المسيحيون في بلاد الشرق هم خلاصة ما بقي من المسيحية في الأرض كلها، بعضهم يعيشون في قلق حقيقي وهناك من لا يدرك مشاعرهم وهناك من يستثمر قلقهم لمأرب أخرى!
 
وليس خافياً على أحد، أن الأنظمة السياسية الماكرة تضع الطوائف في مواجهة بعضها ، مما يرافقه من تفعيل للقوانين الاستثنائية و تعطيل لمؤسسات، لا بل في العديد من الدول لم يعد هناك إلا بقايا أنظمة مهترئة وأشخاص يطلقون على أنفسهم صفة الحكام. أنظمة تسودها علمانية منافقة، و دين مزيف، وتسامح اصطناعي لا روح فيه ولا حياة. وكما هي الأنظمة دائما تبدأ بالبحث عن نقاط الضعف وتجد ضالتها في توجيه الغرائز الطائفية وتبدأ بحقن في داخلها ، ويعين على تفجر الأمور ما تقدمه هذه الأنظمة من فكر هزيل يتحدى مكونات الناس ودينهم وثقافتهم وأخلاقهم، ، ويزيد ذلك رجال دين جهلة من كل الطوائف، يحقنون الناس، وأتساءل حتى متى يحاسب المجرمون الصغار ضحايا الكبت والقهر والإذلال؟ وينجو كبار مجرميها؟ 
 
أشعر أحياناً بالخوف أكثر مما قد يحس به المسيحيون ، وأخشى من زلزال قادم ما لم يتدراكه العقلاء.
المسيحية كانت أول من فتح ديارها للإسلام ومنع الأذى عن أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، ويعتريني البكاء حقيقة كلما تذكرت وقوف ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم: جعفر بن أبي طالب بين يدي النجاشي وبكاء النجاشي لما سمعه من كلام الله بحق السيدة العذراء أمنا مريم عليها خير الصلاة والسلام.
 
أرتجف من أعماقي عندما أتصور أن السيد المسيح عليه السلام قد مشت رجلاه الطاهرتان على التراب الذي نعيش عليه، وأشعر بالفخر العظيم أن تكون سورية هي المكان الوحيد في العالم كله الذي لا تزال تعيش فيه اللغة التي تكلم بها روح الله وكلمته هادياً فيها الشعوب إلى الله العظيم، ومن المؤسف أن القليل من الناس يعرف عن السريان شيئاً، بل إن الجهل بأنها لغة السيد المسيح عليه السلام يعم الغالبية، وكان قد كتب الدكتور عدنان الخطيب رحمه الله في إثبات عروبة السريان وأنهم عرب أقحاح لهم جذور ضاربة في تاريخ مجيد.وما قاله أحد كبار رجال الكنسية عن أن الكنائس الشرقية بقيت أكثر دفئاً من الكنائس الغربية، لأنها تعيش بين المسلمين.
 
لقد عشنا يداً واحدة في السراء والضراء، نحترم دين بعضنا، ونرى في الآخر مكوناً أساسياً حضارياً وإنسانياً من لوحة عظيمة صارت بها سورية فسيفساء الدنيا وإحدى لوحاتها الأجمل، وأحد أروع ساحات العالم لا في التسامح وحده بل والتراحم الطائفي والمحبة والأمان والسكينة. إن الحفاظ والدفاع عن كرامة ودماء وأموال وأرواح وأعراض المسيحيين  هو تماماً عين الحفاظ على كرامتنا ودمائنا وأموالنا وأعراضنا، ومن العار أن يؤذي واحد فيهم بيننا. 
 
يكفي سورية فخراً أن يكون فيها مثل فارس الخوري الذي قال معلقاً على مافعله الجنرال غورو عندما قصد قبر صلاح الدين الأيوبي : "هاقد عدنا يا صلاح الدين" ، وقال فارس الخوري لطلابه: "لقد أراد غورو التستر باسم الدين بغية شق العرب بعضهم عن بعض، وقصد أن ينشر بين المسيحيين أن مجيء فرنسا إنما هو من أجلهم" … 
وبينما أعلن غورو نفسه حامياً للمسيحية في الأرض التي يعتقد جميع سكانها أنها شَرُفت بالمسيح عليه  أزكى الصلاة والسلام)، ومتناسياً بفجاجة أنه غريب ومحتل كريه، قام المسلمون والمسيحيون معاً بتواصل مدهش، من خلال تلك العريضة القيمة التي جلت موقف المسيحيين، بل اليهود، وبينت إدراكهم العميق للدور الفعال الذي قام به المسلمون تُجاههم، فرفع  الرؤساء الروحيون وزعماء الطائفتين، عريضة إلى رئيس الوزراء، علاء الدين الدروبي توثق التضامن الموجود وتقطع الطريق على اليد التي تحرك الطائفية“.
هذا جزء من أخلاقنا، وهي حق الله فينا لمن أُمِرنا بالإحسان إليهم وحسن جوارهم، إن أساس الدين هو العدل بين الناس، ومازال العدل قائماً فينا كمجتمع، وقد كنا نحب بعضنا ويحنو كبيرنا على صغيرنا ونتشارك كسيرات خبزنا في السراء والضراء، ونسر لفرح جارنا، ونبكي معه في أحزانه، ونفتح له بيوتنا ويفتح لنا بيته.
 
أيها المسلمون و أيها المسيحيون .. وسنبقى هكذا مهما فعل اللئام والحاسدون وتعصبِ بعض رجال الدين الذين يسعون (جهلاً وحمقاً) لإلقاء العداوة والبغضاء بين البسطاء، إن الدين والدين الإسلامي والمسيحي بريئان من جرائمهم. 
 
إن الظلم والفساد وسيطرة العقلية الفردية، جعل كثرة من شباب سائر المكونات الاجتماعية يرغب في الهجرة، وأقول لغبطة البطريرك المبجل، ولكل مسيحيي سورية بل الشرق كله، ولمسلميها وسائر من يحبها، باسمي وبصفتي الإنسانية و الشرعية وباسم كل محب للعدل والخير:
إننا نعيش جميعاً في رحمة الله، إذا رحمنا بعضنا في الأرض تنزلت علينا رحمة مَن في السماء
تنوعنا الثقافي يموج بكم جمالاً 
 
ومن أجل عيون الأطفال الأبرياء وشهداء العبادة وبيوت الله ومن أجل الذين لم يعرفوا إلا الطهارة
وليس في قلوبهم إلا النقاء والصفاء ولأجل بسمات جيل قادم وآمال شباب وصبايا ، كونوا يدا واحدة، يا ايها المسيحيون .. لا ترحلوا ارجوكم .. ابقوا معنا …
معاذ الخطيب