تحية طيبة وبعد، طالعنا باهتمام عرض الزميل محمد عبد الخالق مساهل (عدد ١٥ نوفمبر ٢٠٠٦) للدراسة التي وضعناها حول «الحركات الإسلامية في العالم العربي والحرب علي لبنان ٢٠٠٦» ونرغب بهدف موضوعية ودقة الطرح الإشارة إلي النقاط الرئيسية التالية:

١- تتبني الدراسة اقتراباً مقارناً لمعالجة رؤي وخطاب الحركات الإسلامية بشأن الحرب علي لبنان ٢٠٠٦ وتركز في هذا الصدد علي حالتين، جماعة الإخوان المسلمين المصرية وجبهة العمل الإسلامي في الأردن. أي أن الدراسة لا تقتصر بأي حال من الأحوال علي الإخوان، وإنما تستند إلي تحليل مدقق لحركتين، وهو ما لم يشر له العرض علي الإطلاق.

٢- تقارن الدراسة بين خطاب الإخوان وخطاب جبهة العمل في خمسة سياقات هي: النظرة إلي الحرب، تقييم سياسات الحكومتين المصرية والأردنية تجاهها، صورة إسرائيل، الدور الأمريكي، ثم التعامل مع ما راج من حديث أثناء الحرب حول الهوية الشيعية لحزب الله. في هذه السياقات جميعاً تسعي الدراسة لتحليل مواقف الحركتين وتداعياتها علي فعلهما السياسي في البيئة المحلية المعنية.

 لا تتهم الدراسة الإخوان أو جبهة العمل أو غيرهما من الحركات الإسلامية بكونها عدواً مشتركاً للحكومات العربية وللولايات المتحدة ولإسرائيل، فتلك ليست بقضية تعالجها ورقة أكاديمية موثقة ولا ذلك بتوجه مؤسسة بحثية مستقلة مثل كارنيجي تنهض أعمالها علي الحياد والموضوعية. فعلي نقيض العنوان الصادم ومحتوي عرض المصري اليوم، تشرح الدراسة أسباب النقد الجذري الذي صاغته جماعة الإخوان والجبهة حول سياسات حكومات دولهما والولايات المتحدة وإسرائيل أثناء الحرب علي لبنان، وتوازن في طرحها بين المضامين الموضوعية لخطاب الحركتين وبين مصادر الشطط والانزلاق نحو رؤي تآمرية وتعميمية.

٣- أما الهدف التحليلي الثاني للدراسة فيتمثل في تفسير تداعيات ما سبق علي العلاقة بالحكومتين المصرية والأردنية وتخرج هنا بنتيجة مفادها أن خطاب الإخوان والجبهة الناقد، خلق حالة من الاستقطاب الحاد بين الإسلاميين والحكام علي نحو يحد من إمكانات الوصول إلي توافقات براجماتية حول قضايا السياسة الداخلية والخارجية وهو ما ينذر بتصاعد حدة الصراع السياسي في الآونة القادمة.

٤- الصحيح جزئياً في عرض الزميل «مساهل» هو أن الدراسة تصل إلي نتيجة ثانية تدعي أن انزلاق الإسلاميين الخطابي إلي رؤي تآمرية تحمل العدو الصهيوني-الأمريكي وحده مسؤولية انتكاسات أمتنا وتخون الحكومات، يثير تساؤلات مشروعة حول حدود الفعل السياسي الرشيد ومخاطر وجود حركات معارضة شعبية تنادي بالإصلاح الديمقراطي التدرجي والتوافقي وتستخدم في ذات الحين تراكيب مفاهيمية ومفردات لغوية تنفي باستعلاء الآخر (الحكومات) أو تنزع عنه حق الوجود بكونه شراً مطلقاً (الولايات المتحدة وإسرائيل).

ففي ذلك تناقض جلي بين الدفع باتجاه تحول ديمقراطي يقبل التعددية ويروم التسامح مع الأعداء قبل الأصدقاء دونما تفريط في الحقوق المشروعة، وبين إقصاء ديني-أخلاقي للآخر لا يترك أي مساحة للعيش المشترك القائم علي الاحترام المتبادل لحق الوجود والحلول الوسط، وكلاهما في قلب الديمقراطية كنمط حياة، وكلاهما جوهر الإمكانية المثلي لحل مشاكل عالمنا العربي. إلا أن الصحيح أيضاً أن الدراسة تضع انزلاق الإسلاميين هذا في سياق اللحظة الاستثنائية-المأساوية لأزمة إقليمية فرضتها حرب لبنان علي الشعوب العربية،

 ثم تأكد في أكثر من موضع أنه لا يعبر عن ثوابت خطاب الإخوان وجبهة العمل الذي يتسم في المجمل بالاعتدال والمرونة والاهتمام المكثف بالقضايا الداخلية علي حساب السياسة الخارجية.

٥- الصحيح أيضاً، وأشير إلي هذا في العرض وإن لم تنجل المعاني المقصودة بوضوح، أن الدراسة تنتصر إلي عقلانية ورشادة ومسؤولية الحركات الإسلامية وقت الحرب فيما يتعلق بالوقوف في وجه ذلك الضجيج الطائفي الخطير الذي أنتجته حكومات عربية، منها المصرية والأردنية، بتوظيف هوية حزب الله الشيعية لتصوير ما يجري وكأنه تعبير عن محاولة شيعية تبدأ في إيران وتنتهي في لبنان للهيمنة علي السُّنة العرب. قاومت جماعة الإخوان والجبهة لا مسؤولية الحكومات بحسم المدافع عن المصالح الفعلية للأمة وفي ذلك، كما تدفع الدراسة، من التداعيات الإيجابية الكثير.

٦- علي مستوي العلاقة بين الحركات الإسلامية والولايات المتحدة، تشدد الدراسة علي أن الإخوان والجبهة انفتحتا خطابياً وبصورة جزئية علي أجندة دعم الديمقراطية الأمريكية في ٢٠٠٤ و٢٠٠٥ ليفقدا، ولأسباب موضوعية وراجحة، مطلق الثقة بها بعد تعاملها الانتقائي مع نتائج الانتخابات العربية خاصة في فلسطين. وأثنت الدراسة هنا علي توصيف المرشد العام للإخوان في مصر لمثل هذا التحايل بكونه تعبيراً عن «ديمقراطية الإقصاء الأمريكية».

ثم إن الدراسة تشير في مواضع عديدة إلي أن الخطاب الإسلامي الناقد للولايات المتحدة بل ولإسرائيل يعود في المقام الأول إلي ازدواجية معايير الأولي حينما تتعامل مع القضايا العربية مقارنة بغيرها، وإلي السياسات العدوانية للثانية، وتفسر للقارئ الغربي أن مفردات كثيرة يستخدمها الإسلاميون (وغيرهم) ربما بدت له في سياقه المعرفي والثقافي معادية للسامية، إلا أنها مفهومة بجلاء في سياقنا نحن استناداً إلي خبرتنا التاريخية السلبية.

٧- اختزل عرض «المصري اليوم» كل هذا واقتطع صياغات لغوية من سياقاتها وشوه بذلك للأسف الشديد مقولات الدراسة الرئيسية وتفاصيلها وهو ما دفعنا للتوضيح، ودعوة القارئ من خلال منبر «المصري اليوم» الحر الأمين، والذي نكن له كل احترام لقراءة الدراسة علي موقع مؤسسة كارنيجي في (www.carnegieendowment.org) ليس فقط إبراء للذمة، وإنما وفي المقام الأول احترام للحركات الإسلامية كقوي معارضة وطنية ننصت لها ونقدر أفكارها، ونؤمل منها الخير الكثير في صراع الشعوب العربية نحو الإصلاح والتحول الديمقراطي، علي الرغم مما نجده أحياناً من شطط في الرؤي وانزلاق غير محسوب في الخطاب.

خالص تقديرنا وتمنياتنا لـ«المصري اليوم» بمزيد من النجاح.


دينا بشارة وعمرو حمزاوي

واشنطن في ١٦ نوفمبر ٢٠٠٦