في عهد عرفات، كان الإسرائيليون غير مهتمين، بل مرتابين في برنامج الإصلاح الفلسطيني.وربما يؤدي انتخاب محمود عباس (أبو مازن)، الذي يبدو أنه أكثر التزاما حقيقيا بالإصلاح، إلى توجه إسرائيلي أكثر إيجابية, لكن لعديد من الأسباب قد يستمر التشكك.

ابتداءً، مع مجيء السلطة الفلسطينية في 1994، تجاهلت حكومة رابين الفساد المالي الفلسطيني -وفي الحقيقة، تعاونت في بعض الأحيان لوضع أموال جانبا نيابة عن عرفات - وتواطأت مع ميول عرفات الدكتاتورية وتكاثر الأجهزة الأمنية. من وجهة نظر إسرائيل، طالما لبى عرفات في مجال الأمن وطالما استطاعت عملية السلام التقدم، فلا أهمية لأي نوع من نظم الحكم يقيم. فبعد كل شيء لم تذكر إسرائيل أبدا الافتقار إلى الإصلاح في مصر أو الأردن كأسباب لعدم إقامة السلام أو المحافظة عليه مع جيرانها العرب. وفي الحقيقة، أنه في الحالة الفلسطينية أصرت إسرائيل بالفعل على إقامة هيكل نظام حكم ديموقراطي كجزء من عملية أوسلو، لكن اهتمام إسرائيل إجمالا بتلك العملية لم يذهب إلى أبعد من ذلك.

مع دخولنا إلى عهد أبو مازن، خلقت تجربة السنوات القريبة عددا من مدارس التفكير المختلفة في إسرائيل حيال الإصلاح الفلسطيني. فالمرتابون، أساسا في اليمين السياسي وإن لم يقتصروا عليه، مازلوا يعتقدون أن الفلسطينيين، بل العرب عموما، غير قادرين على الإصلاح المالي والسياسي والأمني الجدي. وهم يرجعون هذا إلى خواص أساسية مضادة للديموقراطية في الثقافة العربية: توجهات نحو النساء، ومجتمعات قائمة على القبلية، والميول الإسلامية، إلخ.على العموم، يتوقعون أن يفشل أبو مازن، تماما كما يتوقعون الفشل في العراق.

ويكاد يكون من المؤكد أن رئيس الوزراء شارون نفسه ينتمي إلى المرتابين.لكنه سيتعاون مع برامج الإصلاح ويتبناها في الحقيقة كمقياس للتقدم السياسي لأنه يفهم أن هذا التناول حيوي للاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع إدارة بوش. مع ذلك فإلى المدى الذي يبدو فيه أن أبو مازن ينجح في الإصلاح وترفع فيه التجربة الفلسطينية في الديموقراطية والشفافية باعتبارها نجاحا، سيكون شارون في مأزق. ببساطة، هو لا يريد تقديم التنازلات عن الأراضي التي ستعتبر ضرورية لخلق حل مستقر قائم على دولتين بين إسرائيل وفلسطين ديموقراطية. من هنا، فإن شارون الذي هو عموما مرتاب بعمق فيما يخص اتفاقات السلام مع جيران إسرائيل، قد يقلل من شأن نجاحات إصلاحات أبو مازن، ويسعى إلى استخدام مبادرات انفصال إضافية لكن محدودة، لاستباق عملية سياسية.

وقد تقدم عملية إصلاح فلسطينية ناجحة تحديا أكبر لمدرسة شارانسكي/ نتنياهو المحافظة الجديدة في إصلاح الشرق الأوسط، والتي تعلِّق أي وكل تقدم نحو السلام على التحول العربي إلى الديموقراطية والإصلاح. افترض أن أبو مازن نجح؟ فهل سيوافق شارانسكي، الذي طالما تبنى مستوطنات الضفة الغربية، على إزالتها؟ أم أنه سيثبت ما يقول منتقدوه، أن المطالبة بالتحول إلى الديموقراطية ما هو إلامجرد ذريعة للتمسك بالأرض؟

هناك أيضا عناصر في المجتمع الإسرائيلي يمكن أن تتخذ نظرة أكثر إيجابية إلى الإصلاح الفلسطيني والسلام. هناك تكنوقراطيون بيروقراطيون وفي المنظمات غير الحكومية كانوا دائما معنيين بمساعدة الإصلاح الفلسطيني، وكذلك معسكر صغير نسبيا في اليسار يؤيد عودة فورية إلى مفاوضات سلام شاملة، بغض النظر عن حالة جهود الإصلاح الفلسطيني. لا يحتمل أن يكون لأي من تلك الجماعات نفوذ ذو مغزى في الوقت الراهن. من ناحية أخرى، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يمكن أن تصبح نصيرا فعالا لتسوية حول الأراضي وغيرها إذا تبينت شريكا أمنيا حقيقيا وموثوقا نجح في القضاء على الإرهاب الفلسطيني.

أي من التناولات الإسرائيلية للإصلاح الفلسطيني ستغلب، يتوقف على كثير من العوامل. بعضها خارج إسرائيل - مثلا نجاح أبو مازن أو فشله، نجاح الإصلاح أو فشله في العراق وعواقبه الشاملة وتقييم إدارة بوش للمجهود الفلسطيني واستعدادها لدعمه بفرض مطالب على إسرائيل. لكن العناصر الأكثر مغزى ستكون داخلية بالنسبة إلى إسرائيل، خصوصا حصيلة برنامج شارون للانفصال عن غزة والمشهد السياسي الذي يتشكل في أعقابه.

** يوسي آلفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية، بجامعة تل أبيب، ومستشار رفيع سابق لرئيس الوزراء إيهود باراك.وهو الآن رئيس تحرير مشارك لـbitterlemons.org و bitterlemons-international.org