جاء إعلان هلسنكي في أول آب/أغسطس 1975 معبّراً عن إنجاز «مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي» الذي تداعت إلى عقده والالتزام بمقرراته 35 دولة من دول المعسكرين الغربي والشرقي، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (السابق) وبعض الدول الأخرى. هذا المؤتمر بدأ اجتماعاته في أيلول/سبتمبر 1973 وتتابعت حتى تموز/يوليو 1975، ثم تم الاتفاق على الإعلان في هلسنكي في الأول من آب/أغسطس 1975، وذلك بحضور الأمين العالم للأمم المتحدة، ومشاركة مدير عام اليونسكو والأمين العام التنفيذي لمفوضية الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية في أوروبا.

كان أهم ما اتُفق عليه، في مايتعلق بضمانات الأمن في أوروبا: الاحترام المتبادل لمبدأ السيادة والحقوق التي تتضمنها هذه السيادة لكل دولة، مع الامتناع عن التهديد باستخدام القوة، واحترام الحدود القائمة للدول وتسوية المنازعات سلمياً، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية. هذا مع احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، بما في ذلك حرية التفكير والضمير والدين والمعتقد، وتأكيد ضرورة التعاون بين الدول، والعمل على بناء جسور الثقة بينها إلخ، وصولاً إلى حوار الحضارات وتشجيع تعلّم اللغات من أجل تسهيل تفاعل المشاعر وتبادل الأفكار، مع الاهتمام بمتابعة ماتم الاتفاق عليه.

من يتأمل بنود إعلان هلسنكي لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، التي ستبلغ من العمر الخامسة والثلاثين السنة المقبلة، يرى مدى قدرة الدبلوماسية المبدعة على إقامة عالم جديد هو التمهيد لما تتالى من تطورات جذرية، وصولاً إلى دخول العالم عصر «العولمة» بمعناها الإيجابي، بشفافية وبلا مؤامرات موهومة. فعلى الرغم من أجواء الحرب الباردة والصراعات الإديولوجية، استطاع العاملون من أجلها تجاوز ذلك كله وإرساء قواعد عصر جديد من الأمن المتبادل، والتعاون المشترك، والتفاعل الإنساني المنفتح. وكل هذا سيبقى معياراً تعود إليه الدول وإن تجاوزت حدودها بين وقت وآخر. وفي تقديرنا أن «الروح الجديدة» التي يحاول الرئيس الأميركي الجديد تجسيدها في سياسات بلده، لاتفترق عن تلك المبادئ المتضمّنة في إعلان هلسنكي 1975.

وفي ظل المتغيّرات الجارية اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي انطلقت بوضوح منذ الاحتلال الأميركي للعراق ولأفغانستان، والمكاسب الاستراتيجية المهمة التي جناها الجانب الإيراني من الحدثين؛ ومع تلك الروح الجديدة النابعة من «اللغة الدبلوماسية الناعمة» التي يستخدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما حيال المسلمين ودول المنطقة على وجه الخصوص (وإن لم تتحول هذه الأقوال بعد إلى أفعال)، فإنه من الحيوي التفكير في آليات جديدة ومختلفة لترميم الوضع العام في حوض الخليج الذي عانت شعوبه في عقود متقاربة حروباً عدة بين أطرافه أكلت الأخضر واليابس، وأثّرت قبل أي شيء في النفوس والأفكار.