تندرج التعددية السياسية في سياق التجربة الديموقراطية الغربية التي مرّت عليها قرون قبل ان تبلغ نضجها الحالي، وتؤتي أُكلها استقراراً اجتماعياً وتطوراً اقتصادياً وتداولاً سلمياً للسلطة تحكمه الانتخابات.
 
ومع وقوع كثير من البلدان في العالم العربي بعد استقلالها في حالات فشل لم تكن في سياقه الانقلابات العسكرية المتتالية إلا تكريساً لانعدام القدرة على التطور السياسي من البذور الديموقراطية التي زرعها الاستعمار، اضطربت المجتمعات وتآكلت الاقتصادات، وبقي تداول السلطة على لائحة الانتظار المديد.
 
يحاول كتاب «الوصول إلى التعددية: اللاعبون السياسيون فــــي العالم العربي» قراءة واقع هذا العالــــم، بعلمانييه وإسلامييه، لعله يجد فيـــه ما يبشر بالوصول إلى التعددية ولو بعد حين. العمل، وهو دراسة نشـــرت نتائجهــــا «مؤسسة كارنغي للسلام الدولي» وشارك في إنجازها كــــل مــــــن أبرز الباحثين في المؤسسة عمرو حمزاوي ومديرة برنامج الشرق الأوسط فيـــها مارينا أوتاوي، هو أحدث دراسة لمسيرة التعددية السياسية في العالم العربي ومحاولات الإصلاح السياسي استجابة لضغوط أميركية بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، خصوصاً بعد غزو العراق عام 2003.
 
تسلط الدراسة الضوء على توازن القوى بين مؤسسات الحكم وأجهزة الأمن من جهة وقوى المعارضة وأحزابها في الدول العربية من الجهة الأخرى، لتقصر العملية السياسية في العالم العربي على ثلاثة لاعبين رئيسين: أنظمة الحكم ومؤسساتها وقوى المعارضة. وتعني بالمعارضة العلمانية منها، سواء كانت ليبيرالية أم يسارية، والإسلامية التي نبذت العنف وقررت المشاركة في العملية السياسية.
 
وتشير الدراسة إلى خلل في التوازن بين هذه القوى، حال ويحول دون التحول الديموقراطي في العالم العربي خلال السنوات العشرين الماضية، أي منذ سقوط جدار برلين، بينما كانت رياح التغيير نحو الديموقراطية تهب على دول كانت تخضع لأنظمة ديكتاتورية قمعية وتحقق نجاحات باهرة فيها، خصوصاً منها أنظمة أوروبا الشرقية.
 
وترى أوتاوي في مساهمتها ان التحول نحو الديموقراطية يقتضي تقاسم السلطة، لكن معظم الحكومات العربية برعت في إثارة الخوف من الإسلاميين وإضعاف أحزاب المعارضة الليبيرالية واليسارية التي لم تستطع أصلاً تحقيق شعبية تضغط على أنظمة الحكم العربية لتتقاسم السلطة معها، فيما شرع بعض الحكومات العربية في إصلاحات شكلية عموماً.
 
ويقول حمزاوي بوجود نوعين من أنواع أنظمة الحكم في العالم العربي: الأول، هو أنظمة حكم تسمح بمقدار من التعددية في شكل أو في آخر، إذ توجد أحزاب معارضة ومنظمات للمجتمع المدني. والثاني، أنظمة حكم تفتقر إلى أي نوع من التعددية المنظمة.
 
وفي الحالين، لم تشهد الدول العربية منذ بدء الإصلاحات السياسية فيها عام 2003 حراكاً يُذكر في ديناميكيتها السياسية، إذ تتحكم أنظمة الحكم العربية في كل مكونات الحياة السياسية. حتى الأنظمة البرلمانية تخضع لنفوذ الحزب الحاكم، كما يُمارس نفوذ كبير على السلطة القضائية والسلطة التشريعية، وهو شكل لم يتغير على مستوى العالم العربي منذ ثمانينات القرن العشرين.
 
وتلفت الدراسة إلى ان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باتا يفضلان الإصلاحات النابعة من أنظمة الحكم العربية بعدما أدت الانتخابات الحرة والنزيهة الخاضعة للرقابة الدولية إلى فوز حركة «حماس» بالانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006. وتلمح إلى فشل الديموقراطيتين اللبنانية والعراقية في إطلاق عمليات سياسية مستقرة ومستدامة.
 
وتشدد الدراسة في نبرة متفائلة على ان ازدياد النشاط الاحتجاجي في العالم العربي في السنوات الأخيرة ربما يكون نتاجاً لاتساع الوعي السياسي في صفوف الشعوب العربية وتحسن قدرتها على تنظيم تحركها السياسي على الصعيدين المحلي والوطني.
 
ومما ساعد في هذا المضمار انتشار الوصول إلى الإنترنت الزاخرة بتقويمات مستقلة لأداء الحكومات العربية، خصوصاً على صعيد الربط بين تدهور الظروف المعيشية للناس والفساد.
 
ومما ساهم في تعزيز الوعي السياسي لدى الإنسان العربي، وفقاً للدراسة، انتشار المطبوعات العابرة للحدود العربية واتساع ظاهرة كتابة المدونات، حيث يمكن أياً كان التعبير عن رأيه في حرية شبه مطلقة، على رغم محاولات حكومات عربية ضبط هذه الحرية المستجدة. وليس دور تبادل المعلومات عبر الخليوي ثانوياً في تشجيع الحرية النسبية المستجدة للانتقال إلى مجالات أوسع.
 
ويلفــت الكتــــاب إلى ظاهرة جديدة تتمثّل في نشوء حركات للمجتمع المدني عابرة للعقائد، ديدنها الدفع من أجل هامش أوسع لحرية التعبير، يوصل صوت الإنسان العربي إلى السلطات التي تدير شؤونه.
 
ومع ان الحراك المجتمعي لم ينجح في إجبار السلطات على تغيير ممارساتها أو إمالة الكفة لمصلحة تيارات السلطة المرحبة بالإصلاح المفضي إلى التعددية، لم تنجح السلطات في ثني هذا الحراك عن المضي قدماً في الاحتجاج والدعوة إلى سماع صوت الإنسان العربي. ويأمل المؤلفان بأن ينجح هذا الحراك حيث فشلت ثنائية السلطة – المعارضة.