تُمثّل الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة مباراةً بين الأحزاب الكردية المتنافسة بقدر ماهي محاولة من جانب حكومة إقليم كردستان لضمان تمثيلها في بغداد. فالساحة المُوسّعة التي تتفكّك فيها السياسات الانتخابية، وتبرز عشرات الحزازات التي لم يُبَتّ فيها بعد بين الفصائل الكردية، إضافة إلى تراجع النفوذ الكردي في العراق، كلّ ذلك فاقم الانقسامات الداخلية، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى "صوت كردي مُوحَّد." كما أحيَت سياسات المعارضة في الشمال الكردي الشكوك التي تحيط بترتيبات تقاسم السلطة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين الاتحاد الوطني الكردستاني. وإذا لم يستخدم الاتحاد الوطني الكردستاني المُتشرذم سياسياً ثقلَه لتأمين مقاعد للقائمة الكردستانية، وخاصّة في كركوك والأراضي المتنازع عليها، فإنه سيزادد عجزاً وضعفاً. ومن المُرجّح أن تؤثّر نتائج الانتخابات على الحوكمة في إقليم كردستان، وإلى حدّ ما، على ديناميكيّة العلاقات بين أربيل وبين بغداد.

على غرار حملة العام 2005 الانتخابية، فإن واحدةً من القضايا الرئيسة بالنسبة إلى الأكراد هي كيفية توزيع المقاعد في البرلمان وتنظيم الأصوات. وعلى الرغم من أن قانون الانتخابات المُعدّل زاد مجموع عدد مقاعد البرلمان من 275 إلى 325 مقعداً، إلا أنّ نسبة المقاعد المخصَّصة لإقليم كردستان، والتي تعتمد على البطاقة التموينية الصادرة عن وزارة التجارة العراقية، لم ترتفع نسبياً. وقد طالب وفد كردي زار بغداد بنسبة 21 في المئة من إجمالي المقاعد لإقليم كردستان، أو ثمانية وأربعين مقعداً، لكن البرلمان العراقي وافق على تخصيص ثلاثة وأربعين مقعداً. هذا التخصيص لايعكس فقط تراجع النفوذ الكردي في العراق، ولكن أيضاً الخلافات التي أصبحت أكثر وضوحاً بين النخب الكردية وأحزابها وبين السكان     المحليين.

وتُعَدّ منطقة كركوك الغنية بالنفط، والتي تمّ إدراجها في العملية الانتخابية بعد الكثير من الضغط الكردي، معضلة عويصة في النقاش في شأن التمثيل - تمّ استبعادها من انتخابات مجالس المحافظات في نيسان/أبريل 2009 بسبب الخلاف حول أرقام السكان - . فالمشكلة حول أيّ أرقام للسكان سيُعتمَد عليها، لاتزال مثيرة للجدل في الانتخابات البرلمانية. وقد أرادت الجماعات العربية أن تستخدم سجلّ الناخبين للعام 2004، والتركمان سجلّ العام 1957، والأكراد سجلات العام 2009. كما عارض الأكراد نظام الحصص (الكوتا) العرقية والأرباع، مُفضِّلين بدلاً من ذلك الاحتفاظ بكركوك بوصفها دائرةً انتخابيةً واحدةً. لكن العرب والتركمان أرادوا تقسيماً من أربع مقاطعات من شأنه أن يعطيهم بعض الأكثرية في مركز المدينة. وفي نهاية المطاف قَبِلَ قانونُ الانتخابات كركوك باعتبارها دائرةً انتخابيةً واحدةً، بحيث يكون التصويت على أساس أرقام السكان الحالية. وحتى لو كان الوضع الحالي يبدو داعماً للأكثرية الكردية، فإن الأكراد لايملكون أيّ ضمانة بأن التصويت سيكون في نهاية المطاف في مصلحتهم. فالأصوات النهائية ستخضع إلى مراجعة خاصة للتحقّق ممّا إذا كانت هناك "زيادة غير عادية في عدد الناخبين المُسجّلين"، ماقد يؤدّي إلى شكوك إضافية في نتائج الانتخابات وبالتالي إلى تجدّد التوتر بين حكومة إقليم كردستان وبين الحكومة المركزية.

هذا التوزيع [للمقاعد البرلمانية] لايعكس فقط تراجع النفوذ الكردي في العراق، بل أيضاً الخلافات التي باتت أكثر وضوحاً بين النُخَب الكردية وأحزابها وبين السكان المحليين.

 
ومع ذلك فإنّ الوضع الانتخابي المُعقّد الحقيقي يجد جذوره في سياسات المعارضة في الشمال الكردي؛ إذ تواصل حركة غوران (التغيير)، التي لديها دور بارز في الانتخابات وأكثر من 170 مرشّحاً في ثماني محافظات عراقية، تحدّي الاحتكار الثنائي للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وغوران، وهي الحركة الجديدة التي انشقّت عن الاتحاد الوطني الكردستاني وفازت بـ 25 مقعداً في الانتخابات البرلمانية في كردستان العراق في تموز/يوليو الماضي، تُركّز معظم جهودها على الفوز بكركوك، المعقل التقليدي للاتحاد الوطني الكردستاني، كما أنّها تعمل جاهدة للفوز بأصوات الساخطين من الأكراد والعرب والتركمان. ويخوض زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني والرئيس العراقي جلال طالباني حملة ضدّ مام روسته م عضو حركة غوران المحلي الذي يحظى بالشعبية، مايؤكّد هشاشة قاعدة سلطة الاتحاد الوطني الكردستاني في كركوك. بيد أنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لم يتسامحا عموماً مع تحدي حركة غوران. إذ تستمر عمليات الترهيب السياسي ضدّ أعضائها، على الرغم من الأمر الصادر عن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني ضدّ هذه الأنشطة. وحتى الآن، لم تجر أيّ تحقيقات رسمية ضدّ العنف والمضايقات ووفاة أعضاء من حركة غوران، وهو ما أثار المزيد من الانتقادات لحكومة إقليم كردستان والحزبين الرئيسين.

وثمّة تحدّ آخر محتمل لاحتكار السلطة من جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ينبع من التغييرات في نظام التصويت. فبموجب نظام القائمة المُغلَقة في الانتخابات السابقة، يُمكن للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أن يحدّدا سلفاً الكيفية التي سيتمّ تقاسم المقاعد من خلالها في منطقة ما، عن طريق التفاوض على ترتيب المرشّحين على القائمة المشتركة. وإذا ما استفاد الناخبون من النظام الجديد للقائمة المفتوحة، فلن يكون مُمكناً تحديد تقاسم المقاعد بين الحزبين سلفاً، لأن الناخبين لن يكونوا في حاجة إلى التصويت لصالح قوائم حزبية مباشرة. بدلاً من ذلك، يمكنهم الإدلاء بأصواتهم للمرشّحين الأفراد، مايجعل من المستحيل على الأحزاب أن تتفاوض بشكل مُسبَق على كيفية تقسيم المقاعد في مابينها. ومن أجل الفوز بأكبر عدد من الأصوات في كل منطقة، وضع الحزبان ممثليهما في مراكز القوى التقليدية؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني في دهوك، والاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية، وكلا الحزبين في أربيل. وبينما قد يعيد هذا الترتيب تثبيت قاعدة دعم الحزب الديمقراطي الكردستاني، فإنه وضع الاتحاد الوطني الكردستاني في موقف غير مريح يضطرّ فيه للفوز بأصوات الناخبين في المناطق التي فقد فيها دعماً كبيراً لصالح حركة غوران.

هذه القضايا لها تبعات على الحكم الداخلي وعلاقات حكومة إقليم كردستان مع بغداد. فالانتخابات تُمثّل اختباراً لجدوى الاتفاق الإستراتيجي وتقاسم السلطة بين المجموعات السياسية والعرقية والدينية المختلفة في إقليم كردستان. ومالم يستخدم الاتحاد الوطني الكردستاني ثقله في السليمانية والأراضي المُتنازع عليها، فسيصبح عبئاً سياسياً أكبر على الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي قد يجد أن تقاسم السلطة والعائدات على أساس المناصفة أقل ضرورةً أو إثارةً للاهتمام. وقد تكون حركة غوران في وضع إستراتيجي تمكّنها من ملء فراغ الاتحاد الوطني الكردستاني، إلا أنها لاتزال في حاجة إلى تعزيز قاعدة قوّتها في الشمال. ومالم تتحوّل حركة غوران إلى حزب بديل يقدّم حلولاً عملية، بدلاً من كونها مجرّد محاولة الفوز بأصوات الناخبين المستائين من الاتحاد الوطني الكردستاني، فإن المنطقة يمكن أن تصبح شبه دولة الحزب الواحد، برعاية الحزب الديمقراطي الكردستاني وعائلة     بارزاني.

تُمثّل الانتخابات اختباراً لجدوى الاتفاق الإستراتيجي وتقاسم السلطة بين المجموعات السياسية والعرقية والدينية المختلفة في إقليم كردستان.


كما يمكن أن تؤثّر نتائج الانتخابات على الحوار بين أربيل وبين بغداد. إذ تتوقّع حركة غوران الفوز بما لايقلّ عن خمسة عشر مقعداً في البرلمان العراقي، وهي تنوي استغلال دورها المعارِض للتأثير على السياسة في بغداد. وبسبب التزام حركة غوران "المشروط" بصوت كردي موحّد، واحتمال ألا يحصل أيّ حزب على أكثر من عشرين مقعداً، ربما تسنح فرص لبناء تحالف بين حركة غوران وبين غيرها من الكيانات العراقية. ويقول ممثل "حركة التغيير" حما توفيق، "لقد أوضحنا أننا لن ندعم حكومة إقليم كردستان في بغداد بشكل أعمى، ولاسيما في شأن القضايا القومية الكردية الأساسية: الميزانية وقوّات البشمركة وقانون النفط والغاز". وأكدت حركة غوران أنها ستدعم القائمة الكردستانية في الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان فقط إذا ماصرفت ميزانيتها بطريقة شفافة، وتمّ توحيد قوّات البشمركة الكردية ليس على أساس الميليشيات الحزبية، ونُشِرت الشروط والمعلومات الخاصة بقانون النفط والغاز، بمافي ذلك العقود مع شركات النفط، على الملأ.

ومع ذلك، وحتى لو فازت حركة غوران بكركوك ومناطق كردية رئيسة، فإنها قد لاتمتلك نفوذاً كافياً للمساومة على المصالح القومية الكردية في بغداد. يمكنها تحدّي القائمة الكردستانية حول القضايا الأساسية مثل الفساد والشفافية والمشاركة في المساومات التي تتمّ وراء الكواليس بين الأحزاب الكردية والعراقية. لكن مع ذلك، ينبغي على حركة غوران أن تعيد تأكيد التزامها بإقليم كردستان كوسيلة لضمان التأييد الشعبي في الشمال. ومن غير المُرجّح لأيّ صفقات سياسية مُحتملة أن تؤدّي إلى تحوّلات رئيسة في شأن قضايا أساسية مثل الميزانية وقانون النفط والغاز، أو كركوك والأراضي المتنازَع عليها. فالمزيد من التشرذُم في الواقع يمكن أن يُشجّع المزيد من الاختناقات السياسية في بغداد وبين الأحزاب الكردية. في الحدّ الأدنى، ستزيد نتائج الانتخابات من ضبابية الخطوط الفاصلة بين القومية الكردية وبين النفعيّة السياسية والانتهازيّة الاقتصادية.

 
دنيس ناتالي هو العميد الأكاديمي للطلاب ومدير مراكز البحوث في الجامعة الأميركية في العراق - السليمانية.