منذ منتصف القرن العشرين، حققت الدول العربية تقدماً في عدد من الأهداف التنموية الأساسية، لكن النزعة السلطوية الراسخة أعاقت التنمية البشرية المستدامة، حيث لا تزال معظم الدول غير النفطية بعيدة جداً عن تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التابعة للأمم المتحدة. وقد استوعبت الأنظمة القائمة الضغوط الداخلية المطالبة بالإصلاح، كما أن الضغوط الدولية، التي جاءت في منتصف العقد المنصرم من الولايات المتحدة والغرب، رُفِعت عنها مع العودة إلى سياسة الواقعية والهمّ الأمني.

أما القوى العالمية الصاعدة، مثل روسيا والصين والهند وتركيا والبرازيل، فتشدد على التعاون السياسي بين الدول، وعلى اتفاقات الطاقة والاستثمار والعمل ومشاريع البنية التحتية، ولا تثير إجمالاً قضايا الديمقراطية أو حقوق الإنسان. وهذه التوجهات تهدّد أكثر فأكثر بإضعاف أي توجّه في العالم العربي نحو الديمقراطية والتنمية، وبفك عرى الارتباط بين النمو الاقتصادي من جهة والتقدّم الديمقراطي والحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان من جهة أخرى.

اليوم، معظم الأنظمة العربية تشعر بالأمان إلى حد ما، وتعتمد على عدد من نقاط القوة. فهي، أولاً، طوّرت أجهزة أمن واستخبارات قوية جداً (كما هو الحال في روسيا والصين) تسيطر بشكل فعّال على المجتمع المتملمِل. 

وهي، ثانياً، تعلّمت فن إتاحة قدر من الفضاء السياسي والمشاركة بما يكفي لإبعاد الانتقادات الدولية ونزع فتيل التوترات الداخلية، ولكن ليس إلى الدرجة التي تسمح بأي مشاركة فعلية في السلطة أو عملية صنع القرار الحقيقية.

ثالثاً، الاقتصاد السياسي لهذه الأنظمة لا يزال قابلاً للاستمرار، إذ أن جزءاً كبيراً من عائداتها يأتي من المواد الخام وعقود التأجير الخارجية. وقد أدّى هذا إلى خلق مجموعات رأسمالية وتجارية تابعة ومتآزرة تتقاسم غنائم الاستثمار والنمو الاقتصادي مع الأنظمة ولا تشكّل تهديداً لها.

رابعاً، تتمتّع هذه الأنظمة بتأييد قوي من المجتمع الدولي الذي أصبحت القضايا الأمنية مرة أخرى أولوية قصوى بالنسبة إليه. فعلى مدى العقدين الماضيين جادلت الأنظمة العربية بأنها إذا ما سمحت بالتحوّل الديمقراطي، فإن الإسلاميين المتطرفين سيتولون السلطة. وقد سمح صانعو السياسات الغربيون بأن تصبح هذه حجة حاسمة في سياساتهم تجاه مصر وفلسطين والجزائر وتونس وبلدان أخرى، وهو ما أراح تلك الأنظمة كثيراً.

وبالنظر إلى الاطمئنان والأمن اللذين تشعر بهما معظم الأنظمة العربية اليوم، فإن القوة الدافعة للإصلاح في المنطقة آخذة في التباطؤ. فالمجتمع المدني وجزء كبير من المعارضة السياسية متشائمان حيال إمكانية التغيير الحقيقي، ويشعرون بخيبة أمل إزاء الفرص والانفتاحات المزيّفة والانتخابات المدبّرة. وقد شهدت الانتخابات الأخيرة تراجعاً في نِسب المشاركة. 

لقد وجدت الأحزاب التي انضمت إلى البرلمانات والحكومات أنها لاتتمتّع إلا بالقليل من النفوذ الفعلي في اتخاذ القرارات، ومع ذلك كان اللوم يُلقى عليها بسبب فشل الحكم، وهو ما كلّفها قدراً من الشعبية. ثم إن المجتمع بشكل عام مهتمّ أكثر بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية اليومية، وهو أقلّ جهوزية للتركيز على القضايا السياسية والإصلاحية الأوسع.

قد يكون ثمة مسار بديل وواضح من حيث المبدأ، لكن تحقيق التقدم على هذا المسار سيكون بطيئاً وصعباً، فلا يوجد مفتاح سحري أو تسلسل لازم لإرساء الديمقراطية. ومن الأفضل أن يتم الاستثمار في مجموعة واسعة من المبادرات التي تعزّز بعضها بعضاً وتثقّف وتمكّن وتشمل وتفعّل قطاعات واسعة من المجتمع، وعدداً كبيراً من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، بدلاً من محاولة انتقاء فائزين من خلال دعم مجموعة ضيّقة من المبادرات. 

بالنسبة إلى المجتمع الدولي، كان التركيز على الديمقراطية والحكم الرشيد في مكانه، وكان له تأثير لا بأس به، وإن لم يكن حاسماً. وبالتالي على المجتمع الدولي الحفاظ على التزامه المعنوي والمادي في تشجيع الديمقراطية والحكم الرشيد: دعم المجتمع المدني والقضاء المستقل والمجالس المحلية والبرلمانات، ووحدات الحكم الرشيد في السلطة التنفيذية، وجمعيات حقوق المرأة، وجمعيات المعوقين، وغيرها من برامج الدعم.

لن يأتي التغيير في العالم العربي من الدعم الخارجي، ولكن برامج الدعم هذه تعزز مجموعات وتيارات أصيلة في المجتمعات العربية التي تلعب أدواراً أساسية وقد تشكل جسراً باتجاه التحول الديموقراطي المنشود. 

ولكن ما لم تتغيّر الاتجاهات الأخيرة بشكل حاد أوغير متوقع، من المرجح أن تصمد الأنظمة السلطوية في العالم العربي إلى أجل غير مسمّى، الأمر الذي سيبقى عائقاً كبيراً في وجه التنمية البشرية الشاملة والمستدامة.