حَضّت الزيارة المشتركة لعاهل السعودية الملك عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد الأطراف اللبنانيين على التهدئة والتعاون، لكنها عجزت عن تقديم حل للأزمة حول احتمال اتهام أعضاء في حزب الله باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. إذ لم يُشر البيان الختامي إلى المحكمة الخاصة بلبنان، واكتفى بحضّ كل الأطراف على احترام اتفاقي الطائف والدوحة، ونبذ استخدام العنف، والعمل من خلال لجنة الحوار الوطني وحكومة الوحدة الوطنية لحل الخلافات.
 
لكن، بعد اختتام القمة، بقيت الخلافات على حالها: فالسيد حسن نصر الله رفض في شكل استباقي المحكمة وأي قرار ظني قد يصدر عنها بصفتها مؤامرة إسرائيلية واتهم اسرائيل بالاغتيال، فيما رئيس الوزراء سعد الحريري حافظ على موقف الحكومة القاضي باحترام المحكمة، على رغم انه أبدى مرونة حيال التعاطي مع نتائجها. قد يذهب نصرالله في الأسابيع والأشهر القليلة القادمة الى تصعيد الضغط على الحريري من أجل تغيير موقفه من المحكمة، في حين أن الحريري يصرّ على أن المحكمة يجب أن تأخذ مجراها، وبأنه ونصرالله وآخرون يمكنهم تقييم نتائجها في حينها والتعاطي بمسؤولية وطنية مع أي قرارات قد تصدر.
 
وعلى رغم أن القمة خلقت فترة من الهدوء، قد تستمر خلال شهر رمضان المبارك، إلا أن التناقضات في هذه المواقف قد تؤدي إلى استئناف التوتر في أيلول/سبتمبر وما بعده. وهي توترات يحتمل أن تبدأ على المستوى السياسي، بيد أنها قد تتطور إلى احتجاجات في الشارع وربما إلى مخاطر داخلية جدّية. وهنا يجب أن نتذكّر أن قضية اغتيال الحريري كانت وراء تحولات كبرى في السياسات اللبنانية والإقليمية منذ العام 2005، وبالتالي من غير المُحتمل أن يمر القرار الظني الذي سيتوّج خمس سنوات من التحقيقات الدولية من دون توترات.
 
إن القمة، وعلى رغم أنها لم تحل الأزمة، إلا أنها كانت مهمة على صعد عدة. فهي، أولاً، منحت الدعم لحكومة الوحدة الوطنية الراهنة ولإتفاقية الدوحة التي انجبتها. وهي، ثانياً، أكدت أن السعودية وسوريا، اللتين كانتا تخوضان حروباً بالواسطة ضد بعضهما البعض في لبنان فقط قبل سنوات قليلة، يتعاونان الآن حول الملف اللبناني. ثم ثالثاً، كانت زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في اليوم نفسه الذي عقدت فيه القمة في لبنان، إضافة إلى الدعم العلني المصري والإماراتي والتركي للزيارة المشتركة السعودية - السورية، بمثابة توكيد لنمط مُستجد من التعاون الإقليمي. لكن، ليس من الواضح بعد موقف إيران من هذه الزيارة، وما إذا كانت ستعمل طهران على التهدئة وتخفيف التوتر، أو تشجّع حزب الله على تصعيد مواقفه حيال المحكمة.
 
لقد منحت القمة أيضاً غطاء عربياً لتجدد الدور السوري في لبنان، وإن بفهم عربي جديد لهذا الدور الذي يفترض أن يستند إلى التعاون مع السعودية و يجب أن يهدف الى تعزيز الاستقرار بدلاً من تحبيذ فريق على آخر. وقد جاءت زيارة الأسد بعد زيارة مهمة وحميمة لسعد الحريري إلى دمشق في خضم تعاون سعودي - سوري اقليمي ضمّ العراق ايضاً. لكن، وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن سوريا دعمت حزب الله خلال احداث بيروت في أيار/مايو 2008، وأن لها موقفاً مماثلاً لحزب الله حيال المحكمة الدولية الخاصة، فثمّة شكّ في ان تلتزم سوريا كليّاً بالصيغة العربية الجديدة وقد تستخدم نفوذها مرة أخرى لتحقيق مصالحها الخاصة ومصالح حلفائها.
 
لقد ادّعت سوريا منذ العام 2005 بأن المحكمة الدولية مُسيّسة، وأبقت تعاونها معها عند الحدود الدنيا. وتشير تقارير صحفية إلى أن الرئيس الأسد حضّ الملك عبد الله في جلسة مغلقة على استخدام نفوذه لمحاولة «وقف المحكمة».
 
كما صرّح وزير الخارجية السوري وليد المعلم بأنه إذا واصلت المحكمة عملها فهذا سيهدد استقرار لبنان، و «أن من يريد استقرار لبنان، عليه تحييد المحكمة الدولية».
 
والآن، وبعد فترة الهدنة الراهنة، يُرجّح أن يتصاعد الضغط على رئيس الوزراء سعد الحريري وعبره على السعودية. فحزب الله، وبدعم من سوريا وإيران، سيريد من الحريري أن يُغيّر موقفه من المحكمة. وإذا ما نزع الحريري والحكومة الشرعية عن المحكمة وعن القرار الظني (في حال اتهم القرار حزب الله كما يُشاع)، فإن هذا القرار لن يحظى بدعم في لبنان والعالم العربي، ولن تمضي الحكومة قُدُماً في إجراءات الاعتقال. وحينها، الاتهامات سيكون لها حينذاك التأثير نفسه كتلك التي حدثت مع الرئيس السوداني عمر البشير الذي لا يزال يدير الدولة السودانية ويحظى بالترحيب في العديد من العواصم العربية والإقليمية. لكن إذا ما صمد الحريري في موقفه، فإن حزب الله قادر- وعلى رغم القمة الأخيرة - أن يستخدم مروحة واسعة من الضغوط التي سبق له استخدامها لتحقيق أهداف الحزب، على غرار الضغوطات السياسية في أواخر 2006، والاعتصامات الشعبية في 2007، والمعارك المسلّحة في العام 2008.
 
كان سعد الحريري قد اقترح مقاربة مختلفة للأزمة، شبيهة بتلك التي عولجت بها أزمة لوكيربي مع ليببا. فيبدو أنه اقترح على نصر الله بأنه إذا ما اتهمت المحكمة الدولية اعضاء من حزب الله، فهو (الحريري) مستعدّ ان يقول ان هؤلاء عناصر غير منضبطة تعمل من تلقاء نفسها، وبالتالي تُحَل قيادة حزب الله من المسؤولية. بيد أن نصر الله رفض جملة وتفصيلاً هذه المقاربة، قائلاً أنه غير مستعد للتفاوض حول أي تسوية تكون لها علاقة بمداولات أو اتهامات المحكمة الدولية، مضيفاً أن أي مقاربة من هذا النوع تُشكّل تهديداً مباشراً للمقاومة ما سيدفعه إلى مواجهتها بقوة.
 
وهكذا، لا يزال الحريري وحزب الله على طرفي نقيض حول قضية المحكمة. والقمة لم تستطع تجسير الفجوة، بل وفّرت فقط بعض الوقت لتبيّن ما إذا كانت الوساطة السورية والسعودية في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة ستتمكن من بلورة تسوية ما. والواقع أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كانت التسوية مُمكنة أو يمكن التوصل إليها في الوقت المناسب لتجنّب نشوب أزمة. وفي حين أن حزب الله لديه أدوات معروفة للضغط الداخلي في لبنان، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت السعودية والقوى الأخرى لديها ما يكفي من التأثير على سوريا لحملها على ضبط حزب الله، او حتى ما إذا كان السوريون لديهم ما يكفي من النفوذ مع حزب الله لحمله على التراجع، في حال شعر هذا الأخير أن وجوده وأمنه على المحك.
 
ختاماً، يبدو ان الأزمة الراهنة هي تجسيد كلاسيكي للتناقض بين مبادئ الحقيقة، والعدالة، والقوة. إن حزب الله يقول إنه ما سيُقدَّم بوصفه حقيقة من جانب المحكمة الدولية الخاصة سيكون تزييفاً مُختلقاً بعيداً من الحقيقة. هذا في حين ان الحريري يقول أنه يُصر على كشف الحقيقة، لكنه مُستعد لتجاوز التطبيق الكامل للعدالة من أجل الاستقرار الوطني. لكن القوّة قد تكون العنصر الحاسم في نهاية المطاف.