حول بعض جوانب الحياة الأسرية في مصر وبعض أنماط السلوك والإدراك، تدور المشاهدات والملاحظات التالية، وسياقها هو إجازة صيف أقضيها الآن بين القاهرة ومدن أخرى مع ولديّ لؤي (7 سنوات) ونوح (4 سنوات) وأزعم أن بها من المحتوى العام ما يبرر عرضها في هذه المساحة. هذا هو الصيف الثاني على التوالي الذي أصحب به لؤي ونوح إلى مصر بعد أن استقر بهما المقام في ألمانيا مع والدتهما، واقتصر الاعتيادي في علاقتهما ببلد الأب على ما ينقله هذا لهما إن في معرض سرد أخبار الأهل والأصدقاء أو من خلال مطالعة كتب باللغة الألمانية أو الإنكليزية عن مصر تناسب أعمارهما، يتناول معظمها قصة الحضارة الفرعونية وعجائبها وتندر بها الإشارات إلى الواقع المعاصر. من هنا، وبعد أن غلب الطابع الترفيهي على الإجازة الماضية، سعيت هذا الصيف إلى المزج بين بعض الترفيه والكثير من التواصل مع محيطي الأهل والأصدقاء وشجعت لؤي ونوح على قضاء أطول وقت ممكن مع من تقترب أعمارهم منهما في هذين المحيطين. وآملت بذلك في مساعدتهما على التقاط بعض ملامح الواقع المعاش لمتوسطي الحال من المصريين التي تعجز كتب الأطفال وحكايات الأب عن نقلها والتمييز بينها وبين ما تعرضه عليهما الحياة في ألمانيا، وهو ما يبدو أنه حدث بمره قبل حلوه.
 
غياب الكتب عن غرف الأطفال - بعد عدة أيام من الانبهار بالألعاب الإلكترونية كالبلاي ستيشن والجيم بوي وقضاء فترات طويلة أمام شاشات التلفاز في مشاهدة لأفلام أجنبية للأطفال (وكلا الأمرين لا يسمح به لابني البكر في ألمانيا سوى في حدود ضيقة للغاية ويمنع تماماً على الصغير، وقد فشلت في السيطرة عليه خلال الإجازة الحالية)، لاحظ لؤي غياب الكتب عن غرف معظم أطفال الأهل والأصدقاء واختفاء عادة القراءة للأطفال أو متابعتهم خلال قيامهم بالقراءة.
 
النزوع الاستهلاكي والهوس بالمنتجات المستوردة - في إحدى زيارات يوم الإجازة الثاني، ركض نوح إلى كرة قدم رسم عليها شعار الفيفا وكأس العالم الأخيرة في جنوب أفريقيا وطالبني بأن أشتري له مثل هذه «الكرة الأصلية» وأخبرني أنها «كرة صنعت بالليزر». شرحت لنوح أمام الأهل أن هذه الكرة لا تختلف عن غيرها من الكرات إلا أنها تباع بمبلغ باهظ من المال وأننا لذلك لن نشتريها – وهو ما لم يعجبه ودفعه إلى الانصراف بكرة الليزر إلى غرفة أخرى – ثم أخبرت الأهل دون بوادر اهتمام حقيقي منهم عن حملة تابعتها في ألمانيا لحماية حقوق المستهلكين بمقاطعة شراء كرة كأس العالم الأخيرة لارتفاع ثمنها ومطالبة الشركة المنتجة (أديداس) بتعديله إلى أسفل وعن كون الحملة هذه أسفرت بالفعل عن خفض ثمن الكرة. أما لؤي فأخبرني متذمراً عن نقاش دار بينه وبين أحد أبناء أصدقائي حول الملابس الرياضية وأسماء الشركات المنتجة لها وكيف أن ابن صديقي هذا لديه في خزانته الكثير من ملابس الشركات الكبيرة بينما يقتصر الأمر في حالته هو على حذاء لكرة القدم من أديداس. سردت على ابني واقعة حدثت في عامه الثاني (لا أمل في الحقيقة من ذكرها) وبها قامت والدته بإزالة كل علامات وأسماء الشركات الرياضية الكبرى من على ملابس كنت قد أحضرتها له وبررت ذلك بمسؤوليتنا العامة للعمل على ضبط النزوع الاستهلاكي والحد من المفاخرة بينه وبين أقرانه (peer pressure)، وقلت له أنني تعلمت الكثير من سلوك والدته وأحترمه بشدة.
 
هناك جماعية وتنافسية وهنا فردية واستمتاع - يشارك لؤي في ألمانيا بمدرسة لكرة القدم ويحب كثيراً لعبها كلما أتيح له هذا، إلا أن تجربته في لعب الكرة في القاهرة سرعان ما تحولت إلى مصدر للتوتر والغضب. ولم يكن صعباً اكتشاف السبب: فمدربه في المدرسة الألمانية يطالبه باللعب الجماعي وبعدم الاحتفاظ بالكرة وبنقلها سريعاً للاعب زميل ويحقنهم بالرغبة في الفوز والجدية التامة، وهو ما طبقه لؤي حرفياً في «مباريات القاهرة». على الجانب الآخر، رغب من لعب معهم أو ضدهم لؤي إما في إظهار مهاراتهم الفردية أو في الاستمتاع بلعب الكرة من دون تفكير في النتيجة النهائية وضرورة الفوز. وربما كان الحوار القصير التالي، والذي دار بين ابني وابن أحد الأصدقاء بعد انتهاء واحدة من المباريات من أفضل ما التقطته خلال الأيام الماضية لجهة توضيح الفوارق بين هناك وهنا – لؤي: لا يمكن أن تلعب الكرة بمفردك. إن لعبت بمفردك ستحرز هدفاً واحداً، أما إن لعبت بصورة جماعية فستحرز العديد من الأهداف / ابن الصديق: مدربي يقول لي إنني أناني واحتفظ كثيراً بالكرة ويتحدث مثلك. إلا أنني أحب المراوغة ولا أستطيع السيطرة على نفسي ولا أفكر كثيراً في النتيجة.
 
فصل الدين أو «هل أنتم جميعاً مسلمون؟» – مع اقتراب ثم حلول شهر رمضان المبارك، تواتر الحديث أثناء زيارات الأهل والأصدقاء عن أمور الدين وبالتبعية تزايدت أسئلة لؤي عن ذات الأمور. وبعيداً عن رغبته في التأكد من معلوماته أو الحصول على معلومات إضافية عن كيفية الصيام والهدف منه وموعد انتهائه وعلاقته بالصلاة وعمل الخير (مساعدة المحتاجين إنسانياً ومادياً) وكذلك عن انبهاره بفكرة موائد الرحمن ومقارنته لها بممارسات تحمل ذات الجوهر التضامني يعلم عنها من ألمانيا، يبدو أن لؤي فوجئ بالالتزام الجماعي بصيام رمضان ولم يجد في مشاهدات حياته اليومية في ألمانيا ما يعينه على التعامل مع هذه الجماعية الطاغية إن بالإيجاب أو السلب. وكانت طريقته في التعبير عن ذلك هي توجيه سؤال «هل أنتم جميعاً مسلمون؟» أكثر من مرة ولأكثر من شخص. بيد أن سؤاله هذه استدعى سيلاً من الأسئلة العكسية عن هويته الدينية هو وعن مدى معرفته بواجبات الإسلام (وبين الثنايا تلميحات إلى تقصير مفترض من جانبي في تعريفه بالدين). بجراءة باهرة، أجاب لؤي عن سيل الأسئلة بما سمعه مراراً من والدته (المسيحية) ومني (والده المسلم) من أن له حين يبلغ سن الرشد مطلق الحق في الاختيار ومطلق الحرية في التعامل مع مسألة الدين من دون إجبار من أي منا، وأيدته بالقطع في ذلك من دون تحفظ (وهو ما رتب سيلاً جديداً، هذه المرة من الإدانة لي لجهة التفريط في حقي الأبوي في نقل ديانتي لأولادي ومن ثم عصمهم من الضلال).
 
تلك بعض مشاهدات وملاحظات إجازة صيف لؤي ونوح في مصر، وبدايات حوار لهما مع محيط أسري وأنماط سلوك وإدراك تظل غريبة عنهما وإن بدأا كل على طريقته في البحث عن مداخل لفهمها والتعامل معها.