لم يوفّر المفاوضون الأميركيون أي جهد يهدف إلى حضّ  الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على استئناف محادثات السلام المباشرة على الرغم من أن فرص الانفراج في أفق السلام تتلاشى يومًا بعد يوم، غير أن هذه الجهود نفسها قد تأتي بنتائج واعدة إذا ما اعتمدوا مقاربة مختلفة.
 
المقاربة التي تعتمدها إدارة أوباما  حاليا تتجاهل بعض الوقائع الصارخة التي يُحتَمَل أن تقوّض هذه المفاوضات. الحقيقة الأولى هي أنه يتملّك الإدارة الأميركية هوس العمليّة نفسها على حساب جوهرها، ما قد يجعلها تقع في شرك التدرجيّة، وهي الفرضية القائمة على إمكانية أن يتوصّل الطرفان إلى اتفاق من خلال معالجة المواضيع الشائكة بشكل تدرّجي في عملية تفاوض لا تتّبع جدولاً زمنيًا محدّدًا. لكن تاريخ صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين أظهر أن التدرّجية "على طريقة أوسلو" قد استنفدت إمكاناتها، وهذا بغض النظر عن إنجازات عملية أوسلو، بما في ذلك وضع الخطوط العامة للاتفاق النهائي بعد سنين من المفاوضات. واليوم وبعد 11 عامًا من التأخير على الموعد المحدد في عملية أوسلو للتوصّل إلى اتفاق بشأن الوضع النهائي، لا يزال النزاع يفتقر إلى حلّ.
 
ثانيًا، يتعذّر اليوم تلبية متطلبات اتفاقية سلام منفصلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هي لا تغري أي من الجمهورين، إذ يصعب على الإسرائيليين القبول بالمساومات الموجعة مقابل السلام مع "نصف الشعب الفلسطيني". ومن جهة أخرى، تعجز السلطة الفلسطينية عن القيام بمساومات مؤلمة (في موضوع اللاجئين أو القدس على سبيل المثال) في غياب غطاء عربي. 
 
العامل الثالث الذي لا يمكن التغاضي عنه بعد الآن هو أن حلّ الدولتين بات اليوم على فراش الموت، وهي خلاصة توصّل إليها حتى المتفائلون الأكثر حماسةً. فعلى الرغم من الجهود المثيرة للإعجاب والجدية التي يبذلها رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض لبناء الدولة على أرض الواقع، يُعتبر إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً عمليًا في ضوء تزايد أعداد المستوطنين الإسرائيليين، وانتشار شبكة معقّدة من المستوطنات المبعثرة في كل أنحاء الضفة الغربية، وإصرار إسرائيل على الاحتفاظ بغور الأردن في أي تسوية محتملة، والتصدّع القائم مابين الفصائل السياسية الفلسطينية. الوقت، وهو السلعة الأساسية الوحيدة في أي مقاربة تدرّجية ناجحة، قد نفذ عملياً.
 
من هنا، ونظرًا إلى عيوب المقاربة التدرجيّة على الساحة الفلسطينية-الإسرائيلية، لابدّ من النظر في مقاربات أخرى للتوصّل إلى حلّ مقبول ومستدام للنزاع. وإذا ما كان التحدي يكمن في إيجاد مجموعة من الشروط الملائمة لكي يصبح الاتفاق ممكنًا ومرغوبًا فيه من الطرفين، فإنه يتعذّر الوفاء بهذه الشروط إلاّ إذا ما ركّزت الجهود على التوصّل إلى اتفاق شامل بين إسرائيل والعالم العربي بأسره. وبالتالي يجب اليوم التخلّي عن المقاربات الثنائية والاستعاضة عنها بالسعي إلى إبرام اتفاق إقليمي يمكن وضعه على الطاولة بعد بضعة أشهر، يُشرك البلدان الأساسية الأخرى على غرار المملكة العربية السعودية وسوريا. 
 
إذا ما اعتُمِد هذا النموذج، فستتغير مقاربة المفاوضات برمّتها، إذ ستخلق هذه المقاربة الإقليمية بيئةً جديدةً وتخويليةً تمكِّن الطرفين من النظر إلى التسوية على أنها تصبّ في مصالحهما الوطنية الفضلى، عوضًا عن محاولة دفع الفلسطينيين والإسرائيليين للاتفاق على مواقف محددة تحت الضغط وخلافًا لرغباتهم.
 
تتّسم مبادرة السلام العربية، التي اعتُمِدَت في بيروت في العام 2002 كحجر الزاوية لاتفاق إقليمي، بنقطة قوّة ألا وهي واجب الدول العربية الضمني بتوفير حلول لمسألتي حركة حماس وحزب الله من خلال الضمانات الأمنية المذكورة. بعبارة أخرى، عند إدراج حركة حماس وحزب الله في الاتفاقية – بعد أن تقدّم الدول العربية وعدًا بتحويل المنظمتين إلى منظمتين سياسيتين خالصتين – تصبح هذه المسؤولية مسؤولية عربية. إنها الفرصة المثلى لتحويل هاتين المنظمتين، بخاصةٍ بعد أن منيت محاولة إسرائيل العسكرية لنزع سلاح حزب الله في لبنان في العام 2006 وحركة حماس في غزة في العام 2008 بالفشل. 
 
ومن شأن هذه المقاربة الجديدة أن ترتكز أولاً على تأمين "ودائع" المراحل النهائية للمفاوضات من الأطراف كافةً، أي على الأطراف أن تقدّم التزامات افتراضية قد لا تكون راغبةً في تقديمها في البداية، بل يمكن "إيداعها" لدى الجانب الأميركي ولا يلتزم الطرف باحترامها سوى عندما يبدي الطرف الآخر استعداده للالتزام بودائعه أيضًا.
 
هذه الودائع ستيسّر إلى حدّ كبير انخراط الرئيس محمود عباس في ممارسةٍ تهدف إلى إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي مرة وإلى الأبد، إذ تمكّنه من تقديم ودائعه للمراحل النهائية من المفاوضات بشأن المواضيع الشائكة، إذا ما أودعت إسرائيل التزامًا لدى الولايات المتحدة لإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة تتّخذ القدس الشرقية عاصمةً لها مثلاً. وفي غياب هكذا التزام، يبقى الموقف الفلسطيني من مسألة اللاجئين، على سبيل المثال لا الحصر، موقف الحدّ الأقصى. 
 
وعلى إسرائيل أيضًا تقديم ودائعها والتزاماتها للمراحل النهائية. يجب أن يكون واضحاً أن أي حلّ للنزاع، لكي يكون مستداماً، يجب أن يرتكز على حدود العام 1967 مع بعض التعديلات الطفيفة، وعودة هضبة الجولان بشكل كامل حتى حدود 4 حزيران/يونيو 1967. ولا ريب في أن هذه المساومات موجعة للجانب الإسرائيلي إلاّ أنها تمنحه مكافأة أساسية ألا وهي ما لا يقلّ عن قبول دول الجوار بوجود إسرائيل بشكل دائم مع ضمانات أمنية كاملة. 
 
وحال حصول الولايات المتحدة على الودائع من الجهات كافة التي تشكّل رزمة شاملة معقولة، عليها أن تضع على طاولة المفاوضات هذه الرزمة بالتعاون مع اللجنة الرباعية. عند تقديم الرزمة الشاملة، بإمكان الولايات المتحدة أن تباشر التركيز على تدابير بناء الثقة التي تنقل الأطراف كافة من الموقع الذي توجد فيه اليوم نحو المراحل النهائية من المفاوضات. وبموجب هذه المقاربة، تبدي كل الأطراف تعاونًا إلى حدٍّ أبعد مما تشير إليه في مواقفها الحالية. 
 
إذا ما تضمّن الحلّ إعادة القدس الشرقية إلى كنف السيادة الفلسطينية، فسيصعب على العرب، الذين كانوا يطالبون الولايات المتحدة بتقديم اتفاقية سلام شاملة، رفض الرزمة المطروحة نظرًا إلى المفاوضات الإعدادية التي وُصِفَت أعلاه. 
 
كما سيكون من الصعب على الرأي العام الإسرائيلي رفض رزمة: 1) تقدّم إلى إسرائيل السلام والأمن مع العالم العربي بأسره، و2) تعالج مسألة حماس وحزب الله و3) تجرّد إيران من أي عذر للاستمرار في خطابها السائد وتقطع صلاتها المالية واللوجستية بحماس وحزب الله، و4) تحلّ مسألة اللاجئين الفلسطينيين بشكل نهائي، على أن يتمّ ذلك على نطاق واسع ضمن الدولة الفلسطينية الجديدة، و5) تحلّ المسألة الديمغرافية لإسرائيل و6) وأخيرًا تضع حدًا نهائيًا للنزاع من دون أي مطالب إضافية. 
 
من البديهي أنه ما مِن حلول سهلة للنزاع العربي-الفلسطيني. ولا تتوفّر اليوم الشروط الضرورية للتوصّل إلى تسوية فلسطينية إسرائيلية منفصلة، كما من المستبعد أن تغيرّ أي مفاوضات جديدة بين الطرفين هذه الشروط. إلا أن التسوية الإقليمية ممكنة ومرغوب فيها لدى الطرفين. لن يكون "إيمان" الولايات المتحدة بإمكانية إنجاز هذه المفاوضات ضمن سنة واحدة واقعيًا إلا إذا وضعت رزمتها الإقليمية على الطاولة وفي وقتٍ قريب، وإلاّ فهو سرابٌ تلاحقه. لقد بلغ النزاع أخيرًا نقطةً حيث لا يؤدّي تأجيل اتخاذ القرارات الصعبة اليوم، على أمل أن تتحسّن الشروط غدًا، سوى إلى ترسيخ البدائل التي سيتّضح أنه من الأصعب التعامل معها.