لا يسمح اختلاف حقائق المجتمع والسياسة في مصر عن تلك السائدة في لبنان بإجراء الكثير من المقارنات بين البلدين. بيد أن بعضاً مما يجري فيهما اليوم يعيد التذكير باشتراكهما في حضور فضيلة مهمة ما لبثت نادرة في عموم المحيط العربي، كما يدلل على إمعان النخب السياسية والإعلامية في البلدين في إساءة التعامل معها. أما الفضيلة المشار إليها هنا فتتمثل في التكوين التعددي للفضاء العام وما يوفره من ساحات علنية للتعبير الحر – الفردي والجماعي – عن الرأي، وأما الإساءة فمردها الى عجز النخب السياسية والإعلامية عن توظيف هذه الساحات لإدارة نقاش مسؤول حول القضايا الكبرى للمجتمع والسياسة واستسلامها المستمر لخطابات التحايل الشعبوي وللمقولات الاختزالية.

«الجماعة» – مثال مصري: في الأسابيع القليلة الماضية، جدد عرض مسلسل «الجماعة» على بعض شاشات التلفزة الأرضية والفضائية الاهتمام العام بدور جماعة «الإخوان المسلمين» وأعاد إلى الواجهة التساؤلات حول العلاقة بين الدين والسياسة في مصر، وماضي تورط «الإخوان» في استخدام العنف أداة لتحقيق أهداف سياسية، وحدود الاستمرارية والانقطاع في هذا السياق حين النظر إلى الواقع الراهن، وتداعيات التوظيف السياسي للدين على النسيج المجتمعي في ما خص العلاقة بين الغالبية المسلمة والأقلية المسيحية. على رغم مشروعية التساؤلات هذه وجاذبية تجدد الاهتمام بالجماعة على خلفية دراما تليفزيونية يتابعها قطاع واسع من المواطنين، أبت النخبة السياسية والإعلامية المصرية كعادتها وبشقيها الحكومي والمعارض إلا أن تختزل النقاش العام إلى التنويعات المعهودة على ثنائية «الإخوان» شر مطلق/ «الإخوان» خير خالص، أو تتحايل على قضاياه ومضامينه الجوهرية بإعادة إنتاج الخطاب الشعبوي المسفّه لمبدأ الفصل بين الدين والسياسة كصنو «علمانية» يدفع برفض عموم المصريين لها والمنادي بمزج هو إلى المسخ أقرب بين مدنية الدولة والتزام تطبيق الشريعة.

برج أبي حيدر – مثال لبناني مقابل: وضعت الأحداث الأخيرة في منطقة برج أبي حيدر ببيروت اللبنانيين مجدداً أمام حقيقة انتشار السلاح وخطورة انتفاء قدرة الدولة ومؤسساتها على احتكاره أو السيطرة على استخدامه، وحتمت عبثيتها وما أسفرت عنه من خسائر في الأرواح والممتلكات على النخبة التعاطي العلني معها. بيد أن النخبة هذه، وعلى اختلاف مواقع رموزها المذهبية والسياسية وتنوع شبكات تحالفاتها الداخلية والإقليمية والدولية وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، لم تبرع إلا في التحايل على القضايا الرئيسة التي أعادت أحداث برج أبي حيدر موضعتها: ضعف الدولة وهشاشة مؤسساتها العسكرية والأمنية، سطوة بعض القوى المسلحة واحتمال استخدامها للسلاح في صراعاتها الداخلية، تهافت مبدأ تناغم الدولة - المقاومة على أرض الواقع، غياب التوافق الوطني العابر للفواصل المذهبية والسياسية حول ثنائية التوظيف المشروع والتوظيف غير المشروع للسلاح خارج إطار سيطرة الدولة ومؤسساتها. تفاوتت المقولات التبريرية وحضر دوماً الجوهر التحايلي. فمن دفع بائس بـ «فردية الأحداث» و «غياب طابعها المذهبي» إلى احتماء خلف «ضمانات التوافق والتهدئة الداخلية والإقليمية» لطمأنة المواطنين بعد ترويع، ومن مطالبة بضرورة محاسبة المسؤولين (الفرديين بالطبع) إلى تشديد بات يعوزه الدليل على «تحريم» استخدام سلاح المقاومة في الداخل، ومن بعض الرموز السياسية والإعلامية التي لم تتجرأ على طرح مسألة سلاح المقاومة إلا بين الكثير من مزدوجات تنصيص أفقدت طروحاتهم المضمون والفاعلية إلى آخرين عثروا على ضالتهم التوفيقية - التلفيقية في دعوة إلى «نزع السلاح في بيروت العاصمة حفاظاً على أمن البيروتيين» وكأنهم بهذا الاجتزاء الفاصل بين بيروت وما عداها يبيحون حضور واستخدام السلاح في بقية المناطق اللبنانية ويحولون المقيمين خارج العاصمة إلى مواطنين من درجة ثانية.

في المثالين المذكورين، أي في النقاش الدائر في مصر حول مسلسل «الجماعة» وفي لبنان حول أحداث برج أبي حيدر وتداعياتها، لم يحفز التكوين التعددي للفضاء العام، بثنائية الإعلام الحكومي في مواجهة الإعلام الخاص في مصر وبتوزع ملكية وانحيازات الصحافة وقنوات التلفزة والإذاعة في لبنان على طيف مذهبي وسياسي ومن ثم مصالحي واسع، النخب السياسية والإعلامية على إثارة القضايا الجوهرية أو دفعها إلى الحد من التعويل على خطابات التحايل الشعبوي. فهل يحق لنا بالفعل في مصر ولبنان وإزاء هذا العجز عن الإفادة الفعلية من تعددية الفضاء العام أن نباهي بقية العالم العربي بالصحافة الحرة والإعلام المستقل وبالفضاءات المفتوحة؟ بالقطع لا.