ساعد الاندماج المالي الضعيف والسياسات الملائمة بشكل عام لمواجهة التقلّبات الدورية، البلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية من دون أن يمسها سوء نسبياً. ويتوقَّع أن تشهد هذه البلدان انتعاشاً مبدئياً في العام 2010. وعلى الرغم من أن درجة صعوبة الوضع تتباين بين البلدان، إلا أن الملامح المشتركة في مابينها متوافرة، بما في ذلك الاعتماد المفرط على البلدان الصناعية، (وليس بالقدر الكافي على الأسواق الناشئة سريعة النمو)، والإرادة السياسية والقدرة الإدارية غير الكافيين لتحقيق الإصلاحات المالية الملحة. هذا علاوة على مزيج سيء من النمو السريع لحجم القوة العاملة وأسواق العمل غير المرنة، والاعتماد الكبير على استيراد المواد الغذائية، في وقت تتقلّب فيه أسعار المواد الغذائية بشكل حادّ.

التأثير المُتبايِن للأزمة

على الرغم من أن تأثير الأزمة المالية على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - مصر والأردن ولبنان والمغرب وسورية وتونس - كان محدوداً بالمقارنة مع مناطق أخرى، فإن بلداناً معيّنة عانت أكثر من غيرها. فقد كانت معاناة الاردن أصعب من سواه، حيث انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي من 7.8 في المئة في العام 2008 إلى 2.8 في العام 2009. وشهدت تونس انحدار الناتج المحلي الإجمالي إلى 3 في المئة، في حين كان النمو في مصر وسورية أكثر قوة، 4.7 في المئة و4 في المئة، على التوالي. ونما الناتج المحلي الإجمالي في المغرب بنسبة 5 في المئة وكان لبنان الأقلّ تأثّراً، حيث بلغت نسبة النمو 8 في المئة في العام 2009.
 
القوى المحرِّكة للنمو وتلك المقلّصة له تباينت في جميع أنحاء منطقة الشرق وشمال أفريقيا. فالتباطؤ الحادّ في الأردن أثاره انخفاض الصادرات بنسبة 20 في المئة وانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 15 في المائة. وكانت الأمطار السخية السبب في سهولة التكيّف في المغرب إلى حد كبير، حيث رفعت انتاجه الزراعي بنسبة 30 في المئة، في حين نما النشاط غير الزراعي بنسبة واحد في المئة فقط في العام 2009. وقادت الإنشاءات العقارية والخدمات النمو المثير للإعجاب في لبنان. والمثير للدهشة هو أن صادرات لبنان وتدفقات رؤوس الأموال توسّعت أيضاً في العام 2009.
 
في مصر، التي شهدت تراجع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 40 في المئة، والصادرات بنسبة 14 في المئة، والتحويلات بنسبة 9 في المئة – كما في سورية حيث انكمش حجم الصادرات النفطية بنسبة 37 في المئة - كانت حزم التحفيز السخية ضرورية للمحافظة على النمو. في مصر، بلغت حزمة السياسات المالية مايعادل 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما خفّض البنك المركزي أسعار الإقراض ست مرات، ما أسفر عن تقليص إجمالي قدره 375 نقطة أساس. أما حزمة التحفيز المالي في سورية، والتي بلغت نسبة 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد أدت إلى زيادة الاستثمار ورواتب القطاع العام مما رفع من حجم الطلب المحلي.
 
كانت خطط التحفيز في بلدان أخرى أقل نجاحاً. ففي الأردن، الذي كان الأكثر تضرراً حيث تراجعت الهبات الأجنبية بنسبة 54 في المائة ولحقها ارتفاع العجز في الموازنة الذي بلغ نسبة 8.9 في المئة في العام 2009، أسفرت هذه التطورات عن  الحد من تأثير حزمة الإنقاذ. وفي تونس والمغرب، تمثّل ردّ فعل السلطات بتقديم حزم إنقاذ للحفاظ على فرص العمل، وتسهيل الائتمان، ودعم الصادرات، ومع ذلك انخفضت صادراتهما بشكل كبير، بنسبة 20 في المئة في تونس و25 في المئة في المغرب، وتم فقدان وظائف كثيرة في قطاع التصنيع.

انتعاش باهت

تتعافى كل من مصر وسورية بشكل جيد، حيث من المتوقع أن تبلغ نسبة النمو 5 في المئة في العام 2010 في ظل ارتفاع أسعار النفط. ومع تحسّن علاقات سورية الإقليمية، توسّعت صادراتها غير النفطية وزادت إيراداتها من السياحة أيضاً خلال النصف الأول من العام 2010. لكن قطاع الزراعة، والذي يمثّل 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، يعاني من موجات الجفاف المتكررة ويشكّل مصدر قلق كبير. فخلال ثلاث سنوات، انخفضت العمالة في قطاع الزراعة بنسبة 27 في المئة حيث هاجر المزارعون إلى المدن بحثاً عن فرص عمل بديلة.
من المتوقع أن يحقق الأردن وتونس نمواً أكثر تواضعاً. فقد ارتفع معدل النمو في الأردن إلى 3.5 في المئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2010، وبدأت بوادر الانتعاش تظهر في الصادرات والتحويلات المالية، والاستثمار الأجنبي المباشر. ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في تونس بنسبة 4 في المئة في العام 2010، لكنها لاتزال أقلّ من إمكاناتها.
من جهة أخرى، من المتوقع أن يتباطأ النمو في كل من المغرب ولبنان. ومن المرجّح أن تؤدّي الظروف المناخية غير المؤاتية إلى خفض النمو في المغرب إلى 4 في المئة، على الرغم من الانتعاش في قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات. كما يُتوقع أن ينخفض النمو في لبنان بواقع 2 نقطة مئوية في العام 2010. ثم أن تقلّص الموسم السياحي نظراً إلى بدء شهر رمضان في وقت مبكر هذا العام، وظهور بوادرالتوترات الأمنية، قد تحدّ من التوقّعات أكثر.

مخاطر مشتركة

على الرغم من أن التوقعات تختلف بين أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلا أنه يجري تشاطر العديد من القضايا الهيكلية. فمعظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست متنوعة بما فيه الكفاية على مستوى تجارتها الخارجية، وتعاني من الضعف الناجم عن التباطؤ الاقتصادي لدى شركائها في الدول المتقدّمة، إذ يعتمد المغرب وتونس، على وجه الخصوص، بصورة مُفرَطة على شريك واحد هو الاتحاد الأوروبي، مايضعف أمامهما فرص العودة السريعة إلى مستويات نمو مرتفعة.
في مصر، يبدو تنويع الشركاء التجاريين أفضل قليلاً، حيث يتوقف حدوث تحسّن في الصادرات على الانتعاش الاقتصادي في أوروبا والولايات المتحدة. ومع ذلك فقد زادت عائدات السياحة والتحويلات المالية بالفعل، وهي تساعد على كبح العجز في الحساب الجاري. ويواجه الأردن عواقب بطء الانتعاش الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، مما لايَدَع له سوى مجال ضيق لإجراء إصلاحات. وبفضل توفره على  مجموعة أكثر تنوعاً من الشركاء التجاريين، فإن سورية تبدو أقل هشاشة.
يشكّل تدهور حسابات المالية العمومية والخارجية تهديداً عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولاسيما في لبنان ومصر. ففي لبنان، يزيد العجز في الميزانية وفي الحساب الجاري على 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وأدت التحويلات المالية للمهاجرين والقروض، إلى جانب السياسات النقدية السليمة، إلى إبقاء الديون السيادية مُحتمَلة حتى الآن. لكن الإصلاحات كانت بطيئة وغير فعّالة، إذ يشكّل حجم الديون السيادية، والذي بلغ 1.5 مرة من الناتج المحلي الإجمالي ويستنزف مايقرب من نصف إيرادات الميزانية على شكل مدفوعات الفوائد، تهديداً واضحاً. وفي مصر، سيتجاوز العجز في الميزانية 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ، فيما سيصل إجمالي الدين الحكومي إلى نسبة 74 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية العام 2010. وتحدُّ هشاشة الحسابات الحكومية من قدرات الحكومة المصرية لمواجهة أي تراجع غير متوقّع.
في الأردن، يبدو الموقف المالي غير واضح. فقد ارتفعت الإيرادات بنسبة 7 في المئة وانخفض الإنفاق العام بنسبة 10 في المئة خلال النصف الأول من العام 2010. ومع ذلك، كان الارتفاع الاستثنائي في الهبات الأجنبية، إلى جانب الانخفاض الحادّ في الإنفاق الرأسمالي، سبباً في هذا الأداء. وسيصل العجز المالي والخارجي إلى 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2010 ومن المتوقع أن يقترب الدين العام من نسبة 66 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
 
من المتوقع أن يتقلّص عجز الموازنة في سورية إلى 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2010 بعد أن بلغ 9 في المئة قبل عام واحد. وقد أدت التحويلات النقدية المُوَجَّهة إلى الأسر الفقيرة التي اعتُمِدَت في العام 2009 إلى توفير تكلفة الدعم الشامل لأسعار المنتجات النفطية. كما أن سورية توجد في موقف أقوى من ناحية الديون، بعد أن خفضت دينها من أكثر من 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في أوائل العام 2000 إلى أقلّ من 30 في المئة حالياً.
من جهتهما، تمتّع المغرب وتونس، بحسابات عامة سليمة قبل الأزمة، لكنهما يدخلان الآن في منطقة العجز وهما في حاجة إلى توخّي الحذر. فعجزهما المالي مرشّح للانتقال إلى 4 و3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، على التوالي، بحلول نهاية العام 2010.

التحديات الاقتصادية الكلية والهيكلية

تُواجه جميع بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التحدّي المتمثل في الحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي، في الوقت الذي تدعم فيه النمو المستدام وتعمل جاهدةً من أجل خلق فرص عمل لقوتها العاملة الآخذة في التوسع.
تختلف الخطوات اللازمة لمعالجة العجز المالي من بلد إلى آخر. ففي لبنان، يجب توسيع الإيرادات الضريبية لتحسين الخدمات العامة. وعلى الرغم من إمكانية زيادة معدل ضريبة القيمة المضافة، والذي يبلغ 10 في المئة في الوقت الراهن، فلاينبغي أن يتم تجاهل الضرائب المباشرة. مصر من جهتها، في حاجة إلى مواصلة إصلاح الضريبة على القيمة المضافة وتأمين الفوائد المرجوة منها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سورية. وينبغي على مصر أيضاً ترشيد نظام الدعم الشامل من خلال استهداف الأسر الفقيرة، على المغرب أن يفعل الشيء نفسه. ويتعيّن على سورية أن تقلّل من اعتمادها على عائدات النفط، التي تمثّل حالياً 20 في المئة من موارد الحكومة. أما الأردن فهو في حاجة إلى تعزيز تحصيل الضرائب المحلية المستدامة والحفاظ على قدر كاف من الإنفاق الرأسمالي لدعم النمو المستقبلي في البلاد.
 
ثمة حاجة مُلِحّة لتنويع الشركاء الاقتصاديين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالانتعاش البطيء في أوروبا والولايات المتحدة والتحوّل التدريجي للقوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق، يوفّر لواضعي السياسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فرصة لتنويع شركائهم.
يتعيّن على بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضاً توفير وظائف كافية للقوى العاملة المتزايدة فيها. فمعدلات البطالة تقترب من 15 في المئة في تونس والأردن، وتزيد على 10 في المئة في البلدان الأخرى. والسلطات الحكومية في حاجة إلى اتّخاذ إجراءات صارمة لتسهيل التوظيف وتعزيز مرونة سوق العمل.
وأخيراً، ينبغي على بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - وجميعها تعتمد على الاستيراد لسد حاجياتها من الأغذية- إعادة النظر في سياسات الأمن الغذائي لديها. فارتفاع أسعار الغذاء وتقلّبها يعرّض للخطر توازناتها التجارية والمالية، ويسبب الضرر لقطاعات كبيرة من سكانها، وغالباً مايؤدّي الى نشوب اضطرابات اجتماعية.