تعلّم صانعو السياسة الأميركيون عبر التجربة الصعبة في العراق وأفغانستان تكاليف الادعاء بأن المؤسسات القوية والعملية السياسية القابلة للحياة آخذة في الظهور. ففي كلتا الحالتين، كانت أحياناً صلة المؤسسات والعمليات التي يجري بناؤها فعلاً بالسياسة، فضفاضة للغاية على أرض الواقع. كما تعلّم قادة الولايات المتحدة أخطاء الاعتماد بشكل كبير على المحاورين المحليين الجذّابين والتعامل معهم كبديل حقيقي للتنمية المؤسسية والعمليات السياسية المتجذّرة.
 
لكن يتم تناسي هذه الدروس في فلسطين. فالاعتماد على "الفياضية" وحدها – برنامج رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض لبناء دولة فلسطينية على الرغم من الاحتلال والانقسام الداخلي - ، يُحتمل أن يؤدي إلى الفشل وخيبة الأمل. إذ يُمكن للإدارة التكنوقراطية أن تُبقي المؤسسات الفلسطينية قيد العمل، لا بل قد تُحسّن أداءها بوسائل محدودة، إلا أنها حتى لا تدّعي تقديم حل للمشاكل الأعمق التي تعاني منها الحياة السياسية الفلسطينية، المُتمثّلة بالانقسام والقمع والاحتلال والعزلة والفساد المؤسسي واسع المدى. 
 
باختصار، الفياضية قد تبقى في موقع المسؤولية والقيادة لفترة قصيرة، لكنها لن تُحقق بما يعد به مؤيدوها. فمن خلال التظاهر بأن الفياضية، إلى جانب الدبلوماسية الإسرائيلية – الفلسطينية، تُؤمّن قيام دولة، فإن صانعي السياسات يضمنون في الواقع أن الاتجاهات السلبية التي يتجاهلون، سوف تواجههم حين يكونون أقل استعداداً لها. هذا لا يعني أن يتخلى فياض عن الجهود التي يبذل، أو أن الدعم الدولي لحكومته وبرنامجه ينبغي أن يتوقف. لكن الاعتماد على الفياضية وحدها لمواجهة التحديات في فلسطين سيقود على الأرجح إلى الفشل وخيبة الأمل.
 
هذه كانت حصيلة دراسة نشرتُها قبل شهرين وجذبَت اهتماماً كبيراً، كما ضربت على وتر حساس لدى أنصار الفياضية. وهذا أمر مفهوم، فالدعم السياسي والمالي على المحك؛ والتشكيك في البرنامج في الوقت الذي يستقطب فيه تغطية صحافية متعاطفة، قد يُلحق به ضرراً في الواقع. ولكن، وبالتحديد لأن الكثير على المحك، يتعيّن علينا أن نكون حذرين وواقعيين في فهم ما يمكن وما لا يمكن أن تحققه الفياضية. جهود فياض ينبغي أن تتواصل لاستقطاب المساعدة الدولية، لكن ينبغي ألا تُستخدم كذريعة، كما هي الآن، لتأجيل وتجاهل القضايا السياسية الصعبة. فقد حان وقت التصدي للأزمة العميقة في الحياة السياسية الفلسطينية. 
 
لقد تلقيتُ مروحة واسعة من الأسئلة والانتقادات حول الدراسة، بعضها يعكس القلق من التبعات السياسية لتحليلي. من السهل أن نتعاطف مع أولئك الذين شعروا بالإحباط، ومن المعقول الرد على بعض الأسئلة والانتقادات على أم المساهمة في فهم أكثر حجّة ودقة للواقع السياسي الحالي.