ربما أوحى العديد من معطيات الحياة السياسية فى مصر بأنّ الانتخابات البرلمانية التى ستجرى فى ٢٩ نوفمبر القادم ستكون مجرد فصل إضافى فى التاريخ غير المشجع للانتخابات المصرية فى العقود الماضية. فهل ثمة أى احتمال بألا يحصل الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم على ثلثى المقاعد على الأقل، وبالتالى يضمن استمرار سيطرته فى المستقبل على مخرجات العملية التشريعية والتعديلات التى قد تطال الدستور؟ وهل من المحتمل أن تدير اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات البرلمانية العملية الانتخابية بنزاهة، حتى لو عنى ذلك السقوط الانتخابى لبعض شخوص نظام الحكم المؤثرين مثل الوزراء؟ وهل تستطيع المعارضة تنسيق استراتيجياتها وتوظيفها للأدوات التكتيكية المختلفة؟
 
على الرغم من مشروعية جميع هذه التساؤلات، وما تحمله بين مضامينها من شكوك، تظل احتمالية أن تكون مصر على موعد مع تطوّرات مهمة فى نوفمبر ٢٠١٠ حاضرة. فالحياة السياسية المصرية على المحكّ، فيما تشارف رئاسة حسنى مبارك المستمرّة منذ ثلاثة عقود على الانتهاء. والمؤكد أن الرئيس مبارك وقيادات الحكم والحزب الوطنى الديمقراطى قد قاوموا منذ سنوات عدة الضغوط الداخلية والخارجية للإصلاح السياسى، بذريعة أنّ أجهزة الحكم ومؤسسات الدولة معنية بالإصلاح إنما بوتيرة تناسب طبيعة مصر المحافظة وتتفادى زعزعة الاستقرار.
 
إلا أن الدفع بتدرجية وتيرة الإصلاح وأولوية ملاءمتها لحالة مصر لا يعنى انعدام الخطوات نحو الأمام. من هنا تتأتى أهمية التساؤل عما إذا كانت الانتخابات البرلمانية المقبلة ستُمثّل تقدّماً حقيقياً ما. فإن انطلقنا من المعطيات السياسية الراهنة للتسليم بأن إدارة العملية الانتخابية لن تكون مثالية، فهل ستكون انتخابات ٢٠١٠ نسبيا أكثر حرّية ونزاهة وشفافية من انتخابات ٢٠٠٥ وهل ستسجل معدلات مشاركة شعبية أوسع؟ المؤشّرات حتى الآن هى أنّها لن تكون كذلك. فمرشّحو المعارضة يواجهون صعوبات فى إدارة حملاتهم الانتخابية أعقد وأصعب من تلك التى واجهوها فى ٢٠٠٥. كما أن أسباباً شتّى تجعل الراغبين فى مراقبة الانتخابات من منظمات المجتمع الأهلى فى مصر يتخوّفون من عدم حصولهم على الصلاحيات الكاملة وعدم تمكّنهم من دخول مراكز الاقتراع. أما فيما خص المراقبون الدوليون، فقد قررت اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات البرلمانية عدم السماح لهم بالمراقبة.
 
يمكن لقيادات الحكم والحزب الوطنى أن يتذرّعوا بأنّ تغييرَين مهمين حدثا منذ ٢٠٠٥، وأن من شأنهما الإسهام فى تحسين إدارة الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠: إنشاء اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات وتخصيص كوتا من ٦٤ مقعداً للنساء فى مجلس الشعب. ظاهريا، يُفترض أن تشكّل اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات خطوة نحو الأمام مقارنةً بنظام الإشراف القضائى البطىء والمثقَل بالإجراءات. إلا أن القضاة أثبتوا، على الرغم من أنّ عددهم غير الكافى آنذاك للإشراف على أكثر من ٥٠٠٠٠ مركز اقتراع فى انتخابات ٢٠٠٥، أنّهم يتمتّعون بقدر عالٍ من النزاهة والاستقلالية. أما اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات فقد شاب أداؤها العديد من النواقص، إذ أجازت خلال انتخابات مجلس الشورى الأخيرة إقصاء واسعاً لمرشّحى المعارضة، وفشلت فى تسهيل عمل مراقبى المجتمع الأهلى المحليين. ولا تدلل خطواتها الأولى لجهة الإشراف على الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠ على تحسن يذكر فى هذا الصدد.
 
أما الكوتة النسائية فتشكل عاملاً إيجابياً، فهى تساعد على تصحيح النقص فى التمثيل السياسى الذى تعانى منه النساء منذ وقت طويل، بحيث يمكن لمصر تدريجيا أن تضاهى مستويات الحضور البرلمانى النسائى فى بلدان أخرى فى العالم العربى. لكن كى تشكّل الكوتة النسائية تقدّماً حقيقياً فى الحرية السياسية، يجب إفساح المجال أمام التنافس الحرّ على المقاعد المخصصة، وهو الأمر الذى قد يتعارض مع نزوع الحزب الوطنى نحو توظيف مقاعد النساء كأداة إضافية لإحكام السيطرة على مجلس الشعب.
 
أما المعارضة بشقيها الحزبى وغير الحزبى، وخلافا لتفضيلها الصريح للمشاركة فى انتخابات ٢٠٠٥ البرلمانية، فتتباين مواقفها اليوم من انتخابات ٢٠١٠ بين دعوة للمقاطعة وقرار بالمشاركة، على نحو يظهر بجلاء التداعيات السلبية والفرص المحدودة لمسار الإصلاح السياسى المقيد الذى فضله نظام الحكم طوال السنوات الماضية.
 
دفع رفض الحزب الوطنى الاستجابة لمطالب المعارضة المتعلقة بضمانات نزاهة وشفافية العملية الانتخابية، من تنقية جداول الناخبين والامتناع عن التعسف مع مرشحى المعارضة حين التسجيل مرورا بتنظيم عمل لجنة الإشراف على الانتخابات ووجود ممثليها فى مراكز الاقتراع إلى السماح للمراقبين المحليين بالقيام بعملهم دون تضييق الجمعية العمومية لكل من حزب الغد وحزب الجبهة الديمقراطية إلى التصويت لصالح مقاطعة الانتخابات، والجمعية الوطنية للتغيير وحركة كفاية، وغيرهما من تنظيمات المعارضة غير الحزبية إلى الدعوة لمقاطعتها.
 
وتواكب مع ذلك عامل حاسم آخر تمثل فى التخوف، بعد خبرة الانتخابات المحلية وانتخابات مجلس الشورى الأخيرة، من توجه النظام نحو تقليص تنافسية الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠ مقارنة بانتخابات ٢٠٠٥ وقصر فعل أحزاب وحركات المعارضة على تنافس محدود لا يهدد حصول الحزب الوطنى على أغلبية الثلثين، وهو ما أضاف إلى زخم الدعوة للمقاطعة والكف عن تقديم شرعية ديمقراطية زائفة لنظام الحكم عبر المشاركة فى انتخابات نتائجها الكبيرة معلومة سلفا.
 
بيد أن فصيلى المعارضة الأكثر تواجداً فى الشارع المصرى والأقدر تنظيميا على تحمل تبعات المشاركة الانتخابية، أى حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين، رفضا المقاطعة، وسار على ذات الدرب حزب التجمع وبعض الأحزاب الصغيرة الأخرى. وبينما صوتت الجمعية العمومية للوفد لصالح المشاركة فى الانتخابات البرلمانية، تدلل معظم التصريحات الصادرة مؤخرا عن مكتب إرشاد جماعة الإخوان على رغبة الجماعة فى المشاركة بعدد من المرشحين قد يصل إلى ٢٠٠.
 
عللت قيادات الوفد والإخوان قرار المشاركة، وعلى الرغم من سابق اتفاقهما مع مقاطعى اليوم فيما خص توجيه انتقادات مريرة للنظام على خلفية غياب ضمانات نزاهة العملية الانتخابية والتخوف العام من تقليص التنافسية، بالإشارة إلى اعتبارات أربعة: كون المقاطعة تخرج أحزاب وحركات المعارضة من قلب الحياة السياسية المتمثل فى المنافسة الانتخابية والعمل البرلمانى على كل نواقصهما فى مصر، إضعافها لوجود المعارضة الشعبى ولقدراتها التنظيمية بإبعادها عن اختبار الانتخابات بما يتضمنه من تواصل مع الناخبين وتنشيط للكوادر التنظيمية، خطورة ترك الانتخابات البرلمانية للحزب الوطنى لينفرد بها دون منافسة، وأخيرا إمكانية توظيف المشاركة لإثبات عدم التزام النظام والحزب الوطنى بنزاهة الانتخابات وتسجيل المخالفات المتوقعة أمام الرأى العام المحلى والعالمى على نحو ينزع غطاء الشرعية الديمقراطية الزائفة.
 
والثابت أن الخيارين، المقاطعة والمشاركة، يعبران عن تداعيات حقيقتين مركزيتين شكلتا الحياة السياسية المصرية كما خبرتها المعارضة طوال العقود الثلاثة لرئاسة مبارك؛ من جهة نواقص ومعوقات المنافسة فى ظل الهيمنة المستمرة للحزب الوطنى وتداخله مع نظام الحكم وبنية الدولة، ومن جهة أخرى حضور بعض الفرص المحدودة أمام المعارضة للمشاركة فى السياسة عبر بوابتى الانتخابات والعمل البرلمانى.
 
تجدد إذا انتخابات ٢٠١٠ البرلمانية اختبار العلاقة الجدلية بين نواقص المنافسة والفرص المحدودة التى تطرحها الحياة السياسية على المعارضة، وهى بذلك ولذلك تستحق المتابعة عن قرب. كما أن سير العملية الانتخابية ونتائجها النهائية سيقدمان لنا، وفى لحظة بالغة الأهمية فى مصر وهى تتأهب لمرحلة ما بعد الرئيس مبارك، صورة واضحة عن توجهات نظام الحكم وتفضيلات الفاعلين الأساسيين لكيفية الإدارة المستقبلية للعلاقة بين أولوية الاستقرار وضرورة الإصلاح الذى بات من العسير تجاهل مطلبيته المتصاعدة فى الداخل. من هنا أيضا تأتى أهمية الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠ واستحقاقها المتابعة.