المراقبون الدوليون هم للدول المستقلّة حديثاً التي لا تملك، على النقيض من مصر، المؤسّسات الضرورية لإدارة الانتخابات، هذا ما ذهب إليه مؤخرا مقبل شاكر، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، لتبرير رفض الحكومة المصرية للسماح للمراقبين الدوليين بالتواجد والقيام بعملهم أثناء الانتخابات البرلمانية القادمة. رجل القانون مقبل شاكر انضم بهذا إلى ركب المروجين لمغالطة دائما ما عولت عليها الحكومة لرفض الرقابة الدولية.
 
حتى الآن رفض المسؤولون المصريون، وبينهم مفيد شهاب وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية، الطلبات التي تقدّمت بها منظّمات دولية للرقابة على الانتخابات، مستخدمين أربعة تبريرات تثير العديد من علامات الاستفهام: 1) من شأن المراقبين الدوليين أن يتدخّلوا في الإدارة الفعلية للانتخابات البرلمانية التي هي من صميم صلاحيات اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات؛ 2) سوف يحلّ المراقبون الدوليون مكان المراقبين المحليين من المجتمع المدني المصري؛ 3) الدول الجديدة أو تلك التي لا تكون مؤسّساتها محط ثقة وحدها هي التي تستدعي انتخاباتها تواجد مراقبين دوليين؛ و4) عموم المواطنين المصريين، بما في ذلك أولئك القريبون من أحزاب وحركات المعارضة، يرفضون الرقابة الدولية على الانتخابات باعتبارها تدخلا في الشأن المصري وانتهاكا للسيادة الوطنية.
 
وواقع الأمر أن القول بأن المراقبين الدوليين سوف يتدخّلون في إدارة الانتخابات هو دليل على عدم إدراك الطبيعة الحقيقية لمهام الإشراف والرصد والرقابة. فالإشراف على الانتخابات هو من واجب المسؤولين الوطنيين؛ وفي حالة مصر تتقاسم اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات ووزارة الداخلية هذه المهمّة. أما الرصد والرقابة فتتولاّهما منظّمات مستقلّة من المجتمع المدني، سواء كانت مصرية أم دولية، وتهدفان معا إلى تقويم مدى نزاهة الانتخابات وحرّيتها. في حين تُستعمَل العبارة العربية نفسها (رقابة) في معظم الأحيان للإشارة إلى هاتين المهمّتَين، هناك تمييز في الإنكليزية بين مهمة الرقابة monitoring الأكثر شمولاً ومهمة observation الرصد المحدودة. والثابت أن من يتولّون الرقابة على الانتخابات في دول ما يمضون وقتا طويلا في تقويم عملية تسجيل الناخبين والمرشّحين بكاملها، وتحليل الأداء الإعلامي والتغطية الإعلامية لمختلف الأحزاب والحركات المشاركة في الانتخابات، ومتابعة العديد من القضايا الأخرى المتعلقة بالحملات الانتخابية، ثم يجرون تقويماً شاملا للتحدّيات والطعون والاحتجاجات التي تظهر بعد الانتخابات. أما من يتولّون الرصد فقط فيمضون وقتاً أقلّ بكثير في تقويم مراحل العملية الانتخابية قبل يوم الانتخاب وكذلك بعده ومن ثم يصدرون تقارير أكثر محدودية.
 
أما في ما يخصّ مسألة حلول المراقبين الدوليين محل المراقبين المحليين، فالمؤكد أن مثل هذا الأمر غير واقعي في بلد بحجم مصر. فتغطية كل مراكز الاقتراع والفرز أو حتى جزء معتبر منها تتطلّب أكثر من عشرة آلاف عنصر من المراقبين المصريين المدرَّبين على يد منظّمات مدنية. أما المراقبون الدوليون فليس لأعدادهم أن تتجاوز العشرات، وإن وجدوا سيتركّز دورهم بشكل خاص على دعم المراقبين المحليين ومساعدتهم في تقييم مجمل العملية الانتخابية.
 
ولعل المغالطة الأكبر التي يجري تداولها في مصر لتبرير رفض الرقابة الدولية هي الزعم بأن الدول القويّة لا تدعو منظّمات دولية للرقابة على انتخاباتها. في الواقع، العكس هو الصحيح تماما. فالقوى العظمى في العالم ليست الوحيدة التي تدعو روتينياً منظمات دولية ذات مصداقية للرقابة على الانتخابات، بل هذا ما تفعله أيضاً دول في الشرق الأوسط. لقد دعت الولايات المتحدة وكندا وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وكل دول الاتحاد الأوروبي تقريباً منظمات مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، للرقابة على الانتخابات الوطنية التي أجريت بكل منها في الأعوام القليلة الماضية. وفي الشرق الأوسط، دعت تركيا والمغرب ولبنان وفلسطين والعراق واليمن منظّمات بما في ذلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والاتحاد الأوروبي، ومجموعات أميركية مثل مركز كارتر والمعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الوطني، للقيام بعمل الرقابة على الانتخابات. وفي نوفمبر القادم، سوف ينضم الأردن إلى هذه الدول في دعوة هذه المنظمات إلى الرقابة على انتخاباته النيابية. اليوم، ومع استمرار الرفض الحكومي للرقابة الدولية على الانتخابات، أضحت الحالة المصرية تشكل استثناءا على قاعدة استقرت خارج الشرق الأوسط وباتت محل قبول متصاعد به.
 
كذلك يجافي الحقيقة تعميم القول بأن العدد الأكبر من المواطنين المصريين، بما فيهم أولئك المنتمين لأحزاب وحركات المعارضة والمتعاطفين معها، يرفضون الرقابة الدولية باعتبارها تمثل انتهاكا للسيادة الوطنية وتدخلا غير مرغوبا في الشأن الداخلي. فمن جهة تظهر بعض استطلاعات الرأي العام الأخيرة، كاستطلاع أجرته مؤسسة “الرأي العام العالمي” في يناير 2009 وآخر أجراه “بيت الحرية” وضمنه تقريره السنوي 2009، أن ما يقرب من ثلثي المصريين يحبذون الرقابة الدولية على الانتخابات البرلمانية والرئاسية ولا يرون بها تعارضا مع مبدأ السيادة الوطنية.
من جهة أخرى، تدلل المواقف الراهنة للمعارضة المصرية إزاء مسألة الرقابة الدولية على الانتخابات البرلمانية 2010 على اتساع رقعة مؤيدي الرقابة الدولية وتنامي الجدل حول مغزى ومبررات رفضها داخل الأحزاب والحركات التي أعلنت رفض الرقابة الدولية. فعلى نقيض موقفها قبيل الانتخابات البرلمانية 2005، تدعو جماعة الإخوان المسلمين اليوم إلى الرقابة الدولية وباتت منذ العام الماضي وعبر تصريحات علنية للعديد من قياداتها دائمة التشديد على أن الرقابة الدولية لا تعد تدخلا في الشأن المصري وأنها أضحت ضرورية نظرا لاستمرار تزوير الانتخابات والتلاعب بنتائجها من قبل نظام الحكم وأجهزته الأمنية.
 
وتتماهي مع الموقف الإيجابي للإخوان من الرقابة الدولية مواقف أحزاب الغد والجبهة الديموقراطية وبعض حركات المعارضة غير الحزبية كالجمعية الوطنية للتغيير ومجمل المنظمات غير الحكومية المضطلعة بمهمة الرقابة الداخلية كالتحالف المصري لمراقبة انتخابات مجلس الشعب (يضم 120 منظمة غير حكومية). ففي أكتوبر 2009، وقعت قيادات أحزاب الغد والجبهة الديموقراطية وأعضاء حركة “مصريون ضد التزوير” وبعض الشخصيات المستقلة، ومعهم رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان محمد سعد الكتاتني، على وثيقة تطالب بالرقابة الدولية على الانتخابات وتدعو المنظمات الحقوقية الدولية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية لحث الحكومة المصرية على السماح للمراقبين الدوليين بالتواجد على أرض مصر ومباشرة مهامهم للرقابة على الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة.
 
وساق الموقعون على الوثيقة الأسباب الهامة التالية للمطالبة بالرقابة الدولية: “ساهم الإعلام والقضاة والمنظمات الحقوقية فى توثيق المخالفات والانتهاكات الجسيمة التى شهدتها الانتخابات الرئاسية والتشريعية لعام 2005، وما أعقبها من استفتاء على تعديل الدستور فى مارس 2007، وانتخابات مجلس الشورى فى يونيو 2007، والانتخابات المحلية فى أبريل 2008، وفى تحد سافر لاستقلال القضاء وحكم القانون، اعتادت الحكومة على تجاهل مئات من الأحكام القضائية التى تؤيد بطلان الانتخابات فى العديد من الدوائر الانتخابية(.) مازالت السلطات المصرية تصادر الحق فى تكوين الأحزاب السياسية، وتحجب الشرعية عن عدد من القوى السياسية، وتضع العراقيل أمام مراقبة المجتمع المدنى للانتخابات بشكل مستقل (.) إن الأطراف الموقعة على هذا الطلب تشدد على ضرورة استثمار علاقاتكم السياسية والدبلوماسية مع السلطات المصرية من أجل إقناعها بقبول طلبكم للرقابة على الانتخابات، وندعوكم فى هذا الإطار إلى دعم مطالب المنظمات غير الحكومية المصرية فى تمكينها من مراقبة العملية الانتخابية بحرية واستقلال، وضمان تعاون سلطات الدولة مع هذه المنظمات لتسهيل عملها.”
 
أما الجمعية الوطنية للتغيير فتطالب في البند الثالث من بيانها “معا سنغير”، والذي وافق عليه إلى اليوم على موقع الجمعية الإلكتروني 115664 مواطن، بضمان الرقابة على الانتخابات من قبل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي. وواقع الأمر أن صدقية الأسباب السابقة بالإضافة إلى تسليم عدد كبير من المواطنين المصريين بأن حضور الرقابة الدولية قد يصعب على نظام الحكم تزوير الانتخابات والتلاعب بنتائجها باتا يرتبان اليوم تصاعدا للانقسام والجدل داخل أحزاب وحركات المعارضة الرافضة للرقابة الدولية. فحزب التجمع، أهم أحزاب اليسار المصري، يرفض على لسان رئيسه رفعت السعيد الرقابة الدولية باعتبارها تدخلا في الشأن المصري، بينما نائب رئيس الحزب حسين عبد الرازق يعلن بحذر عن موافقته عليها لتكرر حالات التزوير خلال الانتخابات السابقة. ويتكرر بداخل حركة كفاية ذات الخلاف حول الرقابة الدولية ويعترف به علنا، فالمنسق السابق للحركة جورج إسحاق كان من بين الموقعين على وثيقة أكتوبر 2009 في حين يرفض الرقابة الدولية قياديون آخرون كالمنسق الحالي عبد الحليم قنديل. أما حزب الوفد، وعلى الرغم من توحد قياداته كرئيس الحزب السيد البدوي وسكرتير الحزب منير فخري عبد النور خلف الموقف الرافض الرقابة الدولية، فيبدو في موضع الباحث عن أسباب جدية لإقناع الرأي العام المصري برجاحة موقفه. ففي تصريحاتهما الصحفية خلال الاشهر القليلة الماضية، لم يبرر البدوي وعبد النور رفض الوفد للرقابة الدولية بكونها تشكل تدخلا في الشأن الداخلي، بل باستحالتها العملية نظرا لقلة عدد المراقبين الدوليين وكبر رقعة مصر الانتخابية (40 ألف لجنة انتخابية) وخوف الوفد من ثم من اقتصار عمل المراقبين الدوليين على المدن الرئيسية وإهمالهم المتوقع للمناطق الريفية.
 
والمؤكد أن تحجج الوفد بالصعوبات اللوجيستية لرفض الرقابة الدولية، شأنه في ذلك شأن الانقسام حولها داخل التجمع وكفاية، إنما يدلل بوضوح على التأثير المتنامي لأحزاب وحركات المعارضة المؤيدة للرقابة الدولية ومن وراءها تفضيل قطاع واسع من المواطنين المصريين للرقابة كضمانة محتملة ضد التزوير والتلاعب. وفي التحليل الأخير، يحد ذلك كثيرا من صدقية دفع ممثلي نظام الحكم بتوافق عموم المصريين على رفض الرقابة الدولية ويصعب من مهمتهم في إقناع المجتمع الدولي بأن المراقبين الدوليين غير مرحب بهم في مصر.