أدى الإعلان في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الحالي عن أن مقتدى الصدر  قرر دعم سعي نوري المالكي لولاية ثانية في منصب رئيس الوزراء، إلى ظهور توقعات بأن العراق على وشك الخروج من المأزق الذي حال دون تشكيل حكومة جديدة لأكثر من ستة أشهر. لكن هذه التوقعات كانت في الواقع سابقة لأوانها. صحيح أن دعم الصدر يُسهّل على المالكي الحصول على الأغلبية العددية في البرلمان التي يحتاج لتشكيل حكومة، بيد أن هذا الدعم لايكفي لإقامة تحالف قابل للحياة سياسياً. المشكلة اليوم هي نفسها التي حالت دون تشكيل حكومة جديدة منذ البداية؛ حيث إن تشكيل حكومة قابلة للحياة سياسياً يحتاج إلى دعم الشيعة والسنّة والأحزاب الكردية. ولايزال التوصّل إلى اتفاق بين رئيس الوزراء المالكي وزعيم قائمة العراقية إياد علاوي، الذي أصبح يُمثّل صوت السنّة، صعباً كما كان دوما. يضاف إلى ذلك أن جميع الائتلافات الرئيسة تعاني من خلافات داخلية، حيث تطلق الفصائل المختلفة تصريحات متناقضة.
 
على الرغم من أن المالكي وأنصاره في ائتلاف دولة القانون يواصلون الإعراب عن تفاؤلهم بأن تشكيل الحكومة بات وشيكاً، إلا أن الأطراف الأخرى تُشكِك في ذلك. فقد أعلن على وجه الخصوص ممثلان رفيعا المستوى من المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتحالف الكردستاني، ، هما عادل عبد المهدي وروز نوري شاويس، عن اعتقادهما بأن تشكيل حكومة فاعلة وقادرة لايزال هدفاً بعيد المنال، بحيث قد تمتد المفاوضات حتى العام الجديد. ويعمل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتحالف الكردستاني من أجل تشكيل حكومة تضم جميع الأطراف الرئيسة.
 
منذ إعلان الصدر أنه سوف يدعم المالكي، شهدت الساحة السياسية العراقية قدراً أكبر من الحراك، على الرغم من أن معظم التطورات لاتزال مشوشة وغير حاسمة. إذ لايريد إياد علاوي الذي لايمتلك فرصة تُذكر ليصبح رئيساً للوزراء حتى لو مُنِي المالكي بهزيمة، أن يستسلم تماماً. ففي الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر أعلن المتحدث باسم قائمة العراقية حيدر الملا أن القائمة ستشكل تحالفاً يضم 130 مقعداً مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وحزب الفضيلة وتحالف الوسط (الذي تشكّل مؤخراً من جبهة التوافق وائتلاف وحدة العراق) من أجل ترشيح عبد المهدي لمقعد رئيس الوزراء، وبعد يومين، في 14 تشرين الأول/أكتوبر، صرح هاني عاشور، المستشار الإعلامي لقائمة العراقية، بأن فرص علاوي في أن يصبح رئيساً للوزراء عادت إلى الارتفاع مرة أخرى. 
مع ذلك، المحادثات بين العراقية والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي لاتزال مستمرة، ويصف عبد المهدي نفسه والعديد من أعضاء قائمة العراقية العلاقة بين الطرفين بأنها تهدف إلى تطوير "مشروع متقدم". ونظراً إلى إصرار المجلس الأعلى الإسلامي العراقي على تشكيل حكومة شاملة، فإن "المشروع المتقدم" سوف يستلزم على الأرجح تشكيل حكومة وحدة وطنية.
 
المجلس الأعلى الإسلامي العراقي يزيد الوضع غموضاً. فبينما يُجري محادثات علنية مع قائمة العراقية، ويعارض فترة ولاية ثانية للمالكي، ويدفع بدلاً من ذلك باتجاه ترشيح عادل عبدالمهدي، فإن ممثلي المجلس الأعلى يؤكدون على أنهم لا زالوا جزءاً من التحالف الوطني بين ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي. علاوة على ذلك، فإن قيادة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي لاتتحدث بصوت واحد. إذ يرى عبدالمهدي نفسه بوصفه رئيس الوزراء المقبل المحتمل، في حين يُشدد عمار الحكيم على أن المجلس الأعلى لن يقف في طريق أي مرشح يستطيع تحقيق العدد المطلوب من المقاعد. وعلى الرغم من ذلك، يجمع قادة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي على ضرورة تشكيل حكومة شاملة. وثمة عضو آخر في الائتلاف الوطني العراقي، وبالتالي من التحالف الوطني، هو حزب الفضيلة، يرسل إشارات متناقضة. فقد عارض أصلاً ترشيح المالكي، ثم تراجع، وهو يتخذ الآن موقفاً غامضاً إزاء دعمه أو معارضته لترشيح المالكي.
 
لاتلتزم الأحزاب الكردية بأي من الطرفين. وهي، بدلاً من ذلك، تبدو جريئة  في محاولة تحقيق أهدافها، وتؤكد أنها ستؤيد أي مرشح يقبل مطالبها التسعة عشر، والتي تهدف إلى تعزيز الحكم الذاتي للمنطقة الكردية وإجراء الاستفتاء في كركوك على أمل ضمّها إلى المنطقة الكردية.
 
تجري الأحزاب الكردية مفاوضات جادة مع كل من ائتلاف دولة القانون وقائمة العراقية. وقد وضعت الأحزاب الكردية جانباً شكوكها القائمة منذ فترة طويلة تجاه العناصر السنية القومية في قائمة العراقية الذين عبروا في الماضي عن معارضتهم للحكم الذاتي الكردي، وأعلنوا أن منصب الرئاسة، الذي يشغله الآن زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني، يجب أن يؤول في المستقبل إلى شخص عربي. ونتيجة لذلك، بدت المفاوضات بين العراقية والأحزاب الكردية مضطربة ومخيبة للآمال بعد الانتخابات.
 
 في الوقت الحاضر، يُجهد قادة كتلة العراقية أنفسهم لإظهار أنهم يدعمون الحكم الذاتي للأكراد ومطالبهم التسعة عشر. لكن العراقية تبدو أقل صراحة بشأن مسألة الرئاسة، والتي يرغب البعض داخل الكتلة في أن تؤول إلى زعيم سنّي. ووفقا لتقارير صحافية عراقية، فقد وعدت العراقية بأن تقوم الحكومة الجديدة بتنفيذ المادة 140 من الدستور في مقابل منصب الرئاسة، ولكن الأكراد يطالبون بالأمرين على حد سواء.
 
نتيجة لذلك، فإن المفاوضات بين قائمة العراقية والأحزاب الكردية تسير ببطء. ولايبدو أن العراقية أو الأكراد يتحدثون بصوت واحد. على سبيل المثال، رحبت القائمة العراقية وبعض القيادات الكردية بالاجتماع الذي عقد في 13 تشرين الأول/أكتوبر باعتباره إيجابياً، وقالت إنه تجاوز المحادثات التمهيدية السابقة للدخول في مفاوضات مفصلة. لكن المتحدث الكردي محمود عثمان زعم، بدلاً من ذلك، أن العراقية لاتبدو مستعدة لمناقشة المطالب الكردية بالتفصيل، وأنها طلبت تأجيل المناقشة إلى موعد لاحق. وعلى الرغم من استمرار الصعوبات، تتواصل المحادثات لأن العراقية والأحزاب الكردية في حاجة إلى بعضهما بعضاً. العراقية تحتاج إلى دعم الأكراد إذا كانت ترغب في تشكيل الحكومة. الأكراد، في المقابل، لايمكنهم معالجة العديد من القضايا الصعبة المتعلقة بكركوك والمناطق المتنازع عليها من دون شيء من التعاون من جانب العراقية، والتي تحظى بدعم من العرب والتركمان في المناطق المختلطة على حدود كردستان.
 
هذه المساومات المحلية المُكثّفة بين الأطراف العراقية ترافقت مع دبلوماسية إقليمية مكثفة هي الأخرى. فقد طار المالكي إلى سورية بهدف إحياء العلاقات المجمدة منذ أن اتهم المالكي دمشق بالوقوف وراء الهجمات الإرهابية في يوم الجمعة الأسود في العام 2009. وخلال زيارته لسورية، وقّع المالكي "اتفاقاً إستراتيجياً" بشأن النفط والغاز مع سورية يشمل بناء خطوط أنابيب إضافية. وقد سارع الزعيم الكردي محمود عثمان إلى اتهام المالكي، الذي يرأس حكومة انتقالية، بتجاوز سلطته في توقيع الاتفاقات الدولية.
 
كانت زيارة المالكي لدمشق جديرة بالملاحظة لأن رئيس الوزراء أهمل في السابق العلاقات مع الدول العربية. كما تكثّفت الزيارات التي يقوم بها الزعماء الآخرون إلى العواصم العربية بعد إعلان الصدر دعمه للمالكي، لكن مثل هذه الزيارات ليست غريبة. فقد زار عمار الحكيم سورية ومصر، على سبيل المثال، في حين انتشر ممثلو العراقية في تركيا والكويت والمملكة العربية السعودية والأردن ومصر.
 
كما أصبحت الولايات المتحدة أيضاً، أكثر انخراطا في عملية تشكيل الحكومة. وأدى مزيج من نفاد الصبر مع عدم إحراز تقدم، ووجود سفير جديد وناشط، والفزع الحقيقي من احتمال أن يصبح مقتدى الصدر لاعباً مُؤثّراً في حكومة المالكي الجديدة، إلى تنشيط جهود الولايات المتحدة. لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كانت زيادة الانخراط الأميركي ستترجم إلى مزيد من النفوذ.
 
وقد أعطى انشقاق مقتدى الصدر ولجوؤه إلى معسكر المالكي دفعة جديدة للمفاوضات في العراق، لكنه لم يحل أياً من العراقيل الكامنة ويحوّلها إلى خاتمة ناجحة. ونتيجة لذلك، يشهد العراق حراكاً كبيراً، لكن من دون إحراز أي تقدم حقيقي.