تشهد واشنطن نقاشاً محتدماً حول الرد المحتمل على المخطط لإرسال طرود شحن مفخخة من اليمن إلى الولايات المتحدة،  مع ظهور المزيد من التفاصيل حول هذه العملية. وقد سبق للبعض في المؤسسة العسكرية الأميركية أن أبدى رغبته في ضخ المزيد من الدعم العسكري والمناهض للإرهاب في البلد بحجة إلحاق الهزيمة في ساحة القتال بالمجموعة التي يحمِّلها كثرٌ المسؤولية- أي  القاعدة في شبه الجزيرة العربية-. لكنّ القاعدة ستغدو أكثر حرية في حبك وشن هجمات إرهابية إذا ما ظلّت الأزمات الداخلية في اليمن من دون معالجة. وممّا لاشك فيه أن تجدُّد التركيز المكلف والملحوظ على الأمن الصلب (hard security) دون سواه سيزيد الوضع سوءاً. 
 
القاعدة في شبه الجزيرة العربية عدو انتهازي وسريع الحركة يزداد قدرة على مهاجمة أهداف محلية أميركية. والمجموعة،  منذ تشكُّلها في كانون الثاني /يناير 2009 كثمرة اندماج بين مجموعتين تابعتين للقاعدة في السعودية واليمن، راحت  تنشط بصورة مستقلة، خصوصاً أنّ قادتها لا يتلقون الأوامر من أسامة بن لادن وغيره من الإرهابيين البارزين الذين يختبئون في جنوب آسيا. 
 
ففي اليمن، خطّطت المجموعة للهجوم الذي أُحبط على رحلة كانت متّجهة يوم عيد الميلاد  العام 2009 إلى ديترويت، ما يؤشِّر إلى رغبة دفينة في شنّ هجوم على الأراضي الأميركية. وهذا المخطط كان آخر دليل على أنّ القاعدة في شبه الجزيرة العربية هي التهديد الإرهابي الأكبر على أمن الولايات المتحدة؛ تهديد يفوق بأشواط ذاك الذي تشكِّله قيادة القاعدة المركزية الناشطة حالياً في باكستان. 
 
واللافت أيضاً أنّ تنامي طموحات المجموعة واتساع رقعتها قد أفضيا إلى عمليات أكثر نجاحاً في اليمن نفسها التي كانت هذا العام مسرحاً لأكثر من 40 هجوماً نفّذته القاعدة في شبه الجزيرة العربية ضد مرافق البنية التحتية للطاقة، والأجانب، وقوى الأمن المحلية. كما أنها نجحت في أن تصوِّر الدعم العسكري والضربات الجوية الأميركية، بما فيها الضربات التي شنّتها صواريخ كروز في كانون الأول/ديسمبر 2009، على أنّها نماذج عن العدوان الأميركي. 
 
المجموعة بارعة في تضخيم رسالتها كما أظهرت مجلة باللغة الإنكليزية تابعة لها، أطلقت دعوات إلى شنّ هجمات على الولايات المتحدة. والواقع أنّ مهارات المجموعة في مجال الاتصالات ونجاحاتها العسكرية المتكرّرة، باتت تجتذب أعداداً متزايدة من الإرهابيّين الأجانب إلى اليمن. وهكذا، باتت القاعدة في شبه الجزيرة العربية، شأنها شأن اليمن، مصدر وحي وإلهام للمتطرِّفين في الخارج. 
 
تعوِّل القاعدة في شبه الجزيرة العربية على الفوضى الداخلية في اليمن، حيث الحرب لا تزال دائرة في الشمال، والحركة الانفصالية تتفاقم في الجنوب. وعجز الحكومة عن ضبط أراضيها يوفِّر للقاعدة الفسحة التي تنشد، مستغلةّ الفقر والتظلّم المشروع ضد النظام المحلي القمعي لكسب الدعم. 
 
إلى هذه المخاوف الأمنية، يوشك اليمن على الوقوع فريسة كارثة اقتصادية ولاسيما أنه يعاني من حوكمة سيئة وتناقصاً متسارع الوتيرة في إمدادات المياه. والواقع أن حالات العنف الداخلي تعود في معظمها إلى نزاعات للوصول إلى المياه. 
 
مع ذلك، لا يتلقى اليمن المساعدة التي يحتاج من الغرب خلافاً لباكستان، مثلاً، التي ستنال مساعدات أميركية ببلايين الدولارات في العام المقبل. لكنّ الولايات المتحدة تنوي مدّ اليمن بمساعدة إنسانية لا تتجاوز قيمتها 200 مليون دولار، وهذه لا تقترب حتى مما يحتاج إليه اليمن لاحتواء الأزمات المتعددة التي تهدِّد أمنه كما أمننا. 
 
والأمر الخطر هنا أنّ هذه المساعدة المحدودة تتقزم أمام رزم جديدة لمساعدات أمنية أكبر حجماً. ذلك أن إيلاء اهتمام كبير للمساعدات العسكرية مثلاً أو إلى السماح لوكالة الاستخبارات المركزية بتشغيل برنامجها الخاص بالطائرات من دون طيار في البلد، كفيل بأن يُذكي التوترات الداخلية التي اجتذبت القاعدة في المقام الأول.  
 
بدلاً من ذلك، يجب على واشنطن أن تساعد على تحسين القوانين والنظام القانوني في اليمن وتطوير قدرات عناصر الشرطة، وتحفيز النمو الاقتصادي ودعم استصلاح الأراضي، وتعزيز النظام التعليمي ومحاربة الفساد. فبهذه الجهود ستقوِّض العوامل التي تُكسب القاعدة جاذبيتها وتساعد في تحقيق الهدف الأميركي الرئيس المتمثِّل باحتواء خطر الإرهاب. 
 
وهنا، يبرز دور السعودية كشريك أساسي. فهي تمنح اليمن مساعدة سنوية بقيمة بليوني دولار، فيما أجهزتها الاستخباراتية هي التي كشفت المعلومات عن الطرود الأخيرة. لكن، يتعيّن على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بذل المزيد من الجهود لتقديم المساعدة، وذلك عبر تبني مقاربة متوازنة لا تسمح للجهود الفورية المبذولة لمحاربة الإرهاب بتبديد الإجراءات طويلة الأجل والأكثر أهمية على مستوى المساعدة التنموية وبناء القدرات. 
 
 أمامنا فسحة ضيقة لمعالجةٍ لا تقتصر على نتائج الإرهاب وغياب الاستقرار في اليمن، بل تتعداها لتشمل جذور المشكلة. لكن، إن تصرفنا بتهوّر أو امتنعنا كلياً عن التحرك، فستتلاشى هذه الفرصة. وحينها، سيكون خطر انهيار اليمن حقيقياً وسيزداد بشكل حاد التهديد للغرب الذي يشكِّله الإرهاب.