في الحادي عشر من نوفبر/تشرين الثاني، وقّع رئيس الوزراء نوري المالكي والرئيس الكردستاني مسعود البرزاني ورئيس الوزراء السابق الذي يرأس قائمة العراقية أياد علاوي، اتفاقاً لتمهيد الطريق أمام تشكيل حكومة في العراق تضم كل الأفرقاء الأساسيين وممثّلين عن كل المجموعات المذهبية والإتنية الكبرى. وقد اجتمع مجلس النواب العراقي في الحال، وانتخب رئيسه، أسامة النجيفي، في تعاقب سريع للسلطة، ونائبَيه ورئيس البلاد. وطلب الرئيس طالباني على الفور، و بشكلٍ غير رسمي، من المالكي تشكيل الحكومة الجديدة.


بيد أنّ ثلثَي أعضاء الكتلة النيابية لقائمة العراقية التي نالت الغالبية الساحقة من أصوات السنّة في الانتخابات في مارس/آذار، خرجوا من قاعة مجلس النواب قبل انتخاب الرئيس، معتبرين أنّ ما يجري انتهاك للتسوية التي تمّ التوصّل إليها في 11 نوفمبر/تشرين الثاني. وقد عادت كتلة العراقية بعد يومَين، في حين استمرّ علاوي في الاعتكاف معلناً موت الاتفاق. سواء أمكن إقناعه بالعودة أم لا، إنّه تحذير قويّ بأنّ الاتفاق هش للغاية في أفضل الأحوال وبأنّ احتمال فشله كبير.


تفاصيل اتفاق 11 نوفمبر/تشرين الثاني


يتوقّف تطبيق الاتفاق على شرطَين أساسيَّين: أولاً، إنشاء مجلس وطني للسياسات الاستراتيجية العليا يتمتّع بسلطة تنفيذية حقيقية ولا يكون مجرّد هيئة استشارية؛ وثانياً، رفع الحظر عن المشاركة السياسية لثلاثة قادة مهمّين من إئتلاف العراقية وهم راسم العوادي وصالح المطلك وظافر العاني. خلال الحملة الانتخابية، اتّهمت لجنة العدالة والمساءلة الأشخاص الثلاثة بأنّهم أعضاء في حزب البعث ومُنِعوا من المشاركة في الانتخابات؛ ونتيجةً لذلك، لا يمكن منحهم مناصب في الحكومة الجديدة إلا إذا أُلغي القرار. فضلاً عن ذلك، يدعو الاتفاق أيضاً إلى إطلاق عمليّة مصالحة من خلال المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية العليا.


ثمة جوانب عدّة في الاتفاق تستحقّ التوقّف عندها. أولاً، يعيد الاتفاق تأكيد الطابع المذهبي للنظام السياسي العراقي. ففي حين يكتفي الدستور برسم الخطوط العريضة لنظام ديمقراطي برلماني عادي، يُعمَل في الممارسة الحالية بتفاهم يقضي بتوزيع المناصب الحكومية بين كل المجموعات السكّانية الأساسية. لكنّ الاتفاق يذهب أبعد من ذلك، فيُحدّد فعلياً المنصب الذي يحقّ لكل مجموعة مذهبية أن تشغله. ففي الحكومة الجديدة، كما في القديمة، يسيطر الشيعة على رئاسة الوزراء، ويحصل الأكراد على الرئاسة، والسنّة على رئاسة مجلس النوّاب.


ليست المناصب الثلاثة متساوية. فرئيس الوزراء هو الشخصية الأقوى في الحكومة. ومنصب الرئاسة شرفي في شكل أساسي، لكنّه يُعتبَر في العراق المنصب الثاني من حيث الأهمّية – فقد أعلن الرئيس الكردستاني مسعود البرزاني في معرض شرحه للأسباب التي تقف وراء رفض الأكراد تسليم الرئاسة لعلاوي، أنّه ربما لا يملك الرئيس الكثير من النفوذ لكنّه يتمتّع بالهيبة والسلطة المعنوية. يقول المحلّلون الأجانب إنّه بإمكان رئيس مجلس النواب أن يكون لاعباً أكثر أهمّية إذا أدّى المجلس دوراً مستقلاً قوياً، لكن تحوم شكوك كبيرة حول قدرة المجلس على تأدية مثل هذا الدور. ومن الواضح أنّ السياسيين العراقيين الذين يتناحرون على المغانم لا يصدّقون أنّه قادر على ذلك. في الواقع، من أجل ضم قائمة العراقية والسنّة إلى الائتلاف الحاكم، وجب إنشاء المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية العليا وتسليم رئاسته إلى علاوي.


تطبيق الاتفاق؟


ثانياً، لا يبدو الاتفاق قابلاً للتطبيق قانوناً. فتنفيذه رهن بحسن النيّة لدى كل الأفرقاء السياسيين الكبار، ولا سيما المالكي. ولا يمكن تطبيق بنوده بسرعة إلا عبر التصرّف بحرّية بعض الشيء بالدستور والقانون. وينطبق هذا في شكل خاص على المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية العليا. ليس هناك اتّفاق خطّي بشأن صلاحيات المجلس الوطني، على الرغم من أنّ الاتفاق الشفهي يشير بوضوح إلى أن المجلس لن يكون مجرّد هيئة استشارية. عندما أثارت الولايات المتحدة لأوّل مرّة فكرة إنشاء مجلس وطني، اعتبره خصوم المالكي، وحتى بعض أنصاره المتخوّفين من التوسّع الكبير في نفوذه، طريقة لكبح سلطته. لكنّ المالكي شبّهه بمجلس الأمن القومي الأمريكي الذي يقدّم المشورة للرئيس إلا أنه لا يملك سلطة مستقلّة في ذاتها. لا تزال الخلافات حول سلطة المجلس الوطني قائمة، وحتى إقرار قانون بهذا الخصوص لن يحلّ المشكلة. فمهما كانت أحكام القانون، لا يستطيع المجلس أن يحدّ من صلاحيات رئيس الوزراء من دون تعديل دستوري، وبموجب الدستور، يُمنَع إجراء أيّ تعديلات قبل نهاية الدورة الانتخابية الثانية بعد أربع سنوات. وهكذا فإنّ سلطة المجلس الوطني سوف تكون رهناً باستعداد المالكي للامتثال لقراراته. واحتمال امتثاله لها ليس كبيراً.


مشكلة العودة عن تطبيق قرار اجتثاث البعث بحقّ المطلك والعوادي والعاني معقَّدة أيضاً، وعلى الأرجح أنّه ستترتّب عنها عملية إما تستغرق وقتاً طويلاً بحيث لا تلبّي الحاجات السياسية الملحّة وإما تتجاهل التفاصيل القانونية الدقيقة. فلجنة العدالة والمساءلة التي تتّخذ القرارات في موضوع اجتثاث البعث هي بلا شك هيئة سياسية وحزبية جداً؛ ويعتبر بعض العراقيين أنّها تصرّفت بطريقة غير دستورية عندما منعت مرشّحين كثراً من المشاركة في الانتخابات.


لكن من الناحية التقنية، وحدها المحاكم تستطيع نقض قرارات اللجنة – على الأقل هذا ما حصل خلال الحملة الانتخابية – وسوف يكون على المحاكم مراجعة كل القرارات، وليس فقط تلك المتعلّقة بالأشخاص الثلاثة المذكورين آنفاً. بيد أنّ الاتفاق الموقَّع في 11 نوفمبر/تشرين الثاني ينص على وجوب أن يعمد مجلس النواب إلى نقض قرار صادر عن لجنة العدالة والمساءلة. بالفعل، السبب وراء انسحاب غالبية أعضاء العراقية من مجلس النواب خلال الجلسة البرلمانية الأولى كان خشيتهم من تعمّد مجلس النواب تجاهل مسألة اجتثاث البعث، إذ كان يُفترَض به التحرّك في هذا الإطار قبل انتخاب الرئيس، بحسب ما ينصّ عليه الاتفاق الشفهي. يُشار إلى أنه خلال الجلسة الثانية في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، صوّت مجلس النواب لتشكيل لجنة تتولّى دراسة المسألة.


سلطة المالكي تعزّزت


بما أنّه لا يمكن ترجمة الاتفاق بسهولة إلى قرارات ملزمة قانوناً، فإن تطبيقه رهن بحسن نيّة السياسيين، ولا سيما المالكي. يطرح هذا الأمر إشكالية كبيرة لأنّ السياسيين العراقيين منقسمون بشدّة، وهذا ما يظهر جليّاً في المخاض الصعب لتشكيل الحكومة، ولأنّ المالكي خرج من المعركة في موقع قوي – وربما أقوى مما كان عليه قبل الانتخابات. لقد مارس لعبته السياسية بعزم ومهارة وأكثر من مجرّد تجاهل بسيط للقانون. واستطاع، وهذه مفارقة، أن يحصل على دعم الولايات المتحدة وإيران على السواء، وللسبب عينه ربما، ظهر منذ البداية بأنّه المرشّح الأقوى. واكتسب لنفسه خلال ولايته الأولى قدراً كبيراً من السلطة الشخصية إلى جانب السلطات الرسمية التي يمنحه إياها منصبه.


كان المالكي متعنِّتاً خلال الحملة الانتخابية، فقد دعم قرار لجنة العدالة والمساءلة حظر عدد كبير من المرشّحين. وعندما نال اتئلافه مجموعاً من الأصوات أقلّ بصوتَين من ذاك الذي نالته قائمة العراقية، أخّر أولاً التصديق على الانتخابات عبر المطالبة بإعادة تعداد الأصوات في بغداد (لم تتغيّر النتائج)، ثم عبر تعطيل تشكيل الحكومة حتى تمكّن من الحصول على كتلة رابحة في مجلس النواب. فهو لم يستسغ قط فكرة تكليف أحد سواه تشكيل الحكومة الجديدة.


في هذه الأثناء، أصرّ على أنّه ليس مجرّد رئيس حكومة تصريف أعمال، بل اعتبر أنّه رئيس وزراء كامل الصلاحيات – فبما أنّه لم يكن بحاجة إلى إجراءات من مجلس النواب، كان بإمكانه اتّخاذ أي قرار يريده. خلال زيارة إلى دمشق في أكتوبر/تشرين الأول مثلاً، وقّع اتفاقاً تجارياً مع سوريا متجاهلاً الانتقادات بأنّ ذلك يشكّل تجاوزاً لصلاحياته كرئيس لحكومة تصريف أعمال. وعندما رفضت الأحزاب المنافسة له، ولا سيما غالبية الأحزاب الشيعية، تسلّمه رئاسة الوزراء لولاية ثانية، ذكّر العراقيين مراراً وتكراراً بأنّه كان خلال تولّيه رئاسة الوزراء قائداً للقوّات المسلّحة، وهو كلام دقيق إنّما ينطوي على تهديد عند التفوّه به في سياق معركة سياسية داخلية. في الواقع، ليس المالكي قائد القوات المسلحة وحسب، بل إنّ الوحدة الخاصة في العاصمة المعروفة بلواء بغداد تابعة له مباشرة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض أجهزة الاستخبارات. ولذلك من الصعب أن نصدّق أن المالكي سوف يطبّق بكل طيبة خاطر اتفاقاً مع الأفرقاء السياسيين الآخرين من شأنه أن يكبح سلطته إلى حد كبير.


كما أنّ الدعم الذي حصل عليه المالكي من كل من إيران والولايات المتحدة ساعده في تشكيل الحكومة. لقد واجه المالكي عقبتَين في تأليف الحكومة: الأحزاب الشيعية الأخرى التي أرادت التحالف مع ائتلاف دولة القانون الذي يرأسه المالكي لكنّها لم ترده رئيساً للوزراء؛ وإصرار قائمة العراقية على أنّه من حقّها تشكيل الحكومة بعد تقدّمها على ائتلاف دولة القانون بمقعدَين نيابيين. في النهاية، حملت الضغوط الإيرانية الأحزاب الشيعية على الموافقة على تعيين المالكي رئيساً للوزراء، أولاً من خلال إقناع مقتدى الصدر بدعمه، ومن ثم عبر جعل الأعضاء الآخرين في التحالف الوطني العراقي، أي حزب الفضيلة والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي ومنظمة بدر، يتخلّون عن ممانعتهم لتولّي المالكي رئاسة الوزراء. والولايات المتحدة هي التي أقنعت في نهاية المطاف علاوي وقائمة العراقية بالانضمام إلى حكومة وحدة وطنية يرأسها المالكي.

مع انتخاب رئيس لمجلس النواب ورئيس للبلاد، بدأت المؤسسات الرسمية في العراق تعمل من جديد. المالكي هو الآن رئيس الوزراء المكلَّف. أمامه ثلاثون يوماً لتشكيل حكومة وعرضها على مجلس النواب للموافقة عليها. وسوف تُقدِّم المفاوضات والمساومات على المناصب الحكومية في الأسابيع المقبلة، بعض المؤشّرات حول ما إذا كان اتفاق 11 نوفمبر/تشرين الثاني سيصمد أمام واقع سياسة النفوذ. إذا لم يتم إقرار القانون الذي ينص على إنشاء المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية العليا، ولم يُرفَع الحظر عن السياسيين السنّة الثلاثة، العوادي والمطلك والعاني، قبل تشكيل الحكومة، فعلى الأرجح أن الاتفاق سيذهب أدراج الريح. فربما استبق علاوي بكل بساطة، بإعلانه موت الاتفاق، انهياراً من المحتوم أن يحصل في مختلف الأحوال.