وصلت اللجنة التي تشرف على الانتخابات إلى مركز الاقتراع رقم 31 في مدينة العقبة على البحر الأحمر قبل فجر التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر، وجهّزت غرفة المدرسة بالمعدّات اللازمة للتصويت: حجيرة من الخشب الرقائقي مع ستارة زرقاء مثبَّتة على الجدار للتصويت، وصندوق بلاستيكي شفّاف لوضع أوراق الاقتراع فيه، وجهاز كمبيوتر للتحقّق من تسجّل الناخبين، وأوراق اقتراع مطبوعة، وبطاقات تعريف عن الموظّفين الحكوميين الذين يشرفون على العملية الانتخابية. بعدما أظهر رئيس المركز صندوق الاقتراع الفارغ وأغلقه بأقفال مرقَّمة، أعلن بدء عملية الاقتراع في تمام الساعة السابعة صباحاً، وصوّتت النساء الستّ المندوبات عن المرشّحين. ثم جلسنا جميعنا وانتظرنا قدوم الناخبين.

بما أنّي كنت في عداد المراقبين الدوليين للانتخابات النيابية في الأردن، بدعوة من المعهد الجمهوري الدولي، أجد نفسي أمام مفارقة: فمع أنّه يمكن وصف عملية التصويت التي جرت الأسبوع الماضي بأنّها تتمتّع بالمصداقية، إلا أن الانتخابات جرت في سياق منظومة سياسية أوسع تفتقر إلى المصداقية. لا شكّ في أنّ الحكومة الأردنية بذلت مجهوداً كبيراً لتحسين الجوانب التقنية في الانتخابات، وتستحقّ التنويه لأنّها أتاحت لمراقبين محلّيين ودوليين التدقيق في العملية الانتخابية. ففي الحدّ الأدنى، وضعت الحكومة نفسها عرضة لخطر الإحراج، بيد أنّ استعداداتها المتأنّية حالت دون حدوث ذلك.

لكن، في المقابل، لم تبذل الحكومة مجهوداً كافياً لوضع قانون انتخابي يحظى بقبول واسع داخل الأردن، ما أثار نفور جبهة العمل الإسلامي، وهي الجبهة المعارِضة الأساسية في البلاد. وستخيِّم المشاكل البنيوية التي تعانيها المنظومة السياسية على البرلمان المُنتخَب حديثاً، حتى ولو كان انتخابه قد تمّ بطريقة صحيحة، ولا سيما النقص المزمن في تمثيل المواطنين في المدن وعجز مجلس النواب في شكل عام.

عملية التصويت والفرز

على المستوى الجزئي، كان المسؤولون الأردنيون مستعدّين جيداً للانتخابات ومنظَّمين بطريقة مثيرة للإعجاب. بدا أنّهم يبذلون جهوداً حثيثةً كي يُبرهِنوا عن امتثال للمقتضيات الإجرائية بحذافيرها، ويحافظوا على مستوى عالٍ من النزاهة والشفافية خلال عمليّتَي التصويت والفرز. وقد فوجئ عناصر الشرطة أحياناً بوصول المراقبين الدوليين مع بطاقات اعتمادهم الزرقاء، لكنّ المسؤولين في وزارة الداخلية الذين لجأوا إليهم للاستفسار عن الأمر، كانوا مستعدّين لوصولنا ورحّبوا بنا.

كان مندوبو المرشّحين والمراقبون من المنظّمات الأهلية الأردنية يحملون تراخيص أيضاً، وقد شهدوا على العملية الانتخابية منذ الاستعداد لفتح صناديق الاقتراع في الصباح الباكر حتى فرز الأصوات وتسليم النتيجة في المساء. مع ذلك، لمستُ العديد من الشوائب في الإجراءات: لم تَقُم بعض اللجان الانتخابية بتعداد أوراق الاقتراع قبل بدء العملية الانتخابية (من أجل المطابقة مع عدد الأصوات عند إقفال الصناديق)، ومكث عناصر الشرطة بلباسهم الرسمي أثناء فرز الأصوات في المركز الذي شهدتُ فيه عملية الفرز، ما يشكّل انتهاكاً للقانون، مع أنّي لم أرَ أيّ دليل على تأثيرهم في الفرز بأي طريقة من الطرق.

لكن بعيداً عن المستوى الجزئي، تبدأ صورة الشفافية هذه بالاهتزاز. أولاً، ما مِن لجنة مستقلّة للإشراف على الانتخابات في الأردن. فهذه الأخيرة تتولّى إدارتها وزارتان حكوميّتان هما وزارة الداخلية ووزارة التنمية السياسية، بالتراتبية المذكورة. ثانياً، يطرح مفهوم الدوائر الفرعية الوهمية إمكانية أن يكون المسؤولون الحكوميون قد دعموا بهذه الطريقة حظوظ مرشّحين معيّنين. فمع إدلاء كل ناخب بصوته لمرشّح واحد فقط في الدائرة الانتخابية، تنافس المرشّحون في مجموعات صغيرة أو دوائر فرعية (وفاز الشخص الذي نال العدد الأكبر من الأصوات في كل مجموعة). نظرياً، لم يعرف المرشّحون ضدّ مَن سيتنافسون عندما اختاروا دوائرهم الفرعية، لكن من الممكن أنّ المسؤولين الحكوميين شجّعوا مرشّحيهم المفضَّلين على الترشّح في دوائر فرعية وهمية معيّنة ضدّ منافسين أضعف. في الواقع، من الصعب أن نستشفّ أيّ منطق آخر خلف نظام الدوائر الفرعية الوهمية.

أخيراً، وخلافاً للتصويت والفرز في مراكز الاقتراع المختلفة، لم تكن نسبة الاقتراع وعملية جمع الأصوات التي انبثقت عنها النتائج النهائية خاضعة للتدقيق، ولم تُعلَّق النتائج الصادرة عن كل مركز اقتراع بطريقة تتيح التأكّد من مصداقية الأرقام التي تمّ الإعلان عنها.

هل انطوت الانتخابات على منافسة فعلية؟

سادت أجواء الصخب والاحتفالات مدينة العقبة في يوم الانتخاب، وتوزّعت في مختلف أرجائها خيم ضيافة واسعة أقامها المرشّحون، وتزيّنت السيارات والشاحنات بصور المرشّحين، وارتفعت الشعارات المدوّية وصدحت الموسيقى في كل مكان. وعملت الشرطة جاهدةً لإبعاد التجمّعات الشبابية التي هتفت بالشعارات عند مداخل مراكز الاقتراع. وأصبحت القيادة في شوارع المدينة أكثر خطراً مع تقدّم النهار، إذ جلس الكبار على كراسٍ بلاستيكية في حلقات في الشوارع، يحتسون القهوة والأطفال يدورون حولهم على الدرّاجات.

في كلٍّ من مراكز الاقتراع الثلاثين التي زرتها مع شريكي في المراقبة، أوفد المرشّحون مندوبين عنهم مكثوا منذ بداية العملية الانتخابية إلى نهايتها، ولم يأخذوا سوى استراحات قصيرة لدخول الحمّام. فكانوا يَعدّون الأصوات بالتوازي مع إدلاء الناخبين بها، ويبادرون على الفور إلى التشكيك في أي خطوة قد تُشكِّل انتهاكاً للبروتوكول. وكان المرشّحون يعرِّجون على مراكز الاقتراع، فيحرصون على تجنّب التكلّم مع الناخبين، لكنّهم كانوا يلقون التحيّة بلباقة على العاملين والمراقبين في المركز، ويسألون مندوبيهم عن نسبة الإقبال.

بلا شك، يبدو أنّ المنافسة حقيقية بين هؤلاء المرشّحين على المستوى المحلي، لكنّ المشهد يختلف على المستوى الوطني. فمن دون مشاركة جبهة العمل الإسلامي، وهو الحزب السياسي الوحيد في البلاد الذي يملك قاعدة دعم واسعة، اقتصر التنافس والجدل على المستوى المحلي. وكانت الشعارات الانتخابية متشابهة إلى درجة الملل: "مرشّحكم"، "الوحدة الوطنية"، "الإصلاح"، "الأردن للجميع"، إلخ. الشعار المفضّل بالنسبة إليّ كان "بدون شعارات"، الذي أطلقته ريم بدران، المرأة الوحيدة التي فازت بمقعد بشكل حرّ ومن دون أن تترشّح على أساس الكوتا النسائية (12 من أصل 120 مقعداً).

التشكيك في نسبة الاقتراع

الجانب الآخر في الانتخابات الذي حامت حوله الشكوك، على الأقل من جانب الأردنيين، كان نسبة الاقتراع التي أعلنت الجهات الرسمية أنها بلغت 53 في المئة – وهي ليست نسبة عالية إلى درجة تبعث على السخرية، لكنها ليست منخفضة كما كان متوقَّعاً في ضوء النزعات التاريخية، وعدم شعبية القانون الانتخابي، ومقاطعة جبهة العمل الإسلامي الانتخابات. في الواقع، يصعب على المراقبين الدوليين تقدير نسبة الاقتراع من دون امتلاك البيانات الكاملة؛ لكن بحسب تقديراتي غير الرسمية بتاً، ربما بلغت نسبة الاقتراع حوالى 45 في المئة من الناخبين المسجَّلين في العقبة، علماً أنّ هذا الرقم لا يعكس بالضرورة النسبة على صعيد البلاد.

على كل حال، قابل الأردنيون نسبة الاقتراع المُعلَنة رسمياً بالتشكيك، معتبرين أنّها محاولة من جانب الحكومة لتثبت أنّها قادرة على إجراء انتخابات فعلية في غياب معارضة حقيقية. فأحد الرسوم الكاريكاتورية، نُشِر في الصفحة الأخيرة من صحيفة الغد المستقلّة في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر، صوّر شخصاً صغير القامة ومثيراً للشفقة ذا عين مصابة بكدمة يخرج من صندوق مُحطَّم كُتِبت عليه كلمة "الديمقراطية"، ويرفع علماً دُوِّنت عليه نسبة الاقتراع الرسمية، 53 في المئة. ونقرأ في التعليق عليه "علامة النجاح".

سؤالان وسابقة

بغض النظر عمّا إذا كانت الانتخابات التي أجريت في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر كاملة أو غير كاملة، يبقى سؤالان بارزان من دون جواب. أولاً، هل سيتمتّع مجلس النوّاب المنتخَب بمصداقية أكبر لدى الناس من المجلس الذي انتُخِب في العام 2007، والذي فقد شرعيّته إلى حدّ كبير بسبب التزوير في الانتخابات والسلوك غير المسؤول، حتى أنّ الناس هلّلوا عندما حلّه الملك عبد الله في العام 2009؟ ثانياً، ما هي الخطوات التي ستّتخذها الحكومة الأردنية، أو بالأحرى هل ستتّخذ خطوات لمعالجة المخاوف بشأن النظام الانتخابي ودور مجلس النواب؟

السؤالان أكثر ترابطاً مما قد يُخيَّل إلينا للوهلة الأولى. فالعملية الانتخابية التي أُجريَت في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر، والتي تتمتّع بمستوى أكبر من النزاهة والشفافية، تخفّف من حدّة التشكيك في شرعيّة انتخاب النوّاب في المجلس الجديد. بيد أنّ جوانب القانون الانتخابي، ولا سيما نظام "الدوائر الوهمية" الملتبس، لا تزال تثير شكوكاً حول ما إذا كان المسؤولون الحكوميون قد ولّدوا ظروفاً أكثر ملاءمةً لبعض المرشّحين. كما أنّ النقص في تمثيل سكّان المدن سيظلّ عنصر خللٍ في مجلس النواب.

فضلاً عن ذلك، سيكون من الصعب أخذ البرلمان على محمل الجدّ، واكتساب النواب والأحزاب السياسية مصداقية لدى الناس، إذا لم تكن لدى المجلس فرص حقيقية لصوغ السياسة العامة. لذلك، إذا لم تُبدِ الحكومة الأردنية استعداداً لإجراء تعديلات هامّة في القانون الانتخابي، والنظر في منح مجلس النواب صلاحيات أكبر، مثل إشراف فعليّ أكثر على الموازنة، والقدرة على وضع تشريع من دون موافقة الحكومة، فعلى الأرجح لن يكون ممكناً الحصول على مجلس نوّاب يتمتّع بمصداقية أكبر.

سواء اعتُبِر المجلس الجديد ناجحاً أم لا، لقد أرست الانتخابات الأردنية سابقةً تتمثّل بفتح الجزء الأكبر من العملية الانتخابية أمام التدقيق من جانب المراقبين المحليين والدوليين. لقد كان الأمر سهلاً على الحكومة الأردنية هذه المرّة، نظراً إلى عدم وجود منافسين حقيقيين على المستوى الوطني، لكن سيكون من الصعب العودة عن هذه السابقة في الانتخابات المقبلة التي قد تشارك فيها جبهة العمل الإسلامي أو منافسون جدّيون آخرون. ولذلك، يجب أن ننتظر استحقاقاً انتخابياً آخر لنعرف ما إذا كانت انتخابات العام 2010 تشكّل خطوةً هامةً الى الأمام أم كانت مجرّد لحظة خاطفة من الشفافية في السياسة الأردنية.