ونحن، أين موقعنا نحن العرب في خريطة البشرية المعاصرة؟ ومتى سنعود للإسهام الإيجابي في تطور البشرية المعرفي والعلمي والفكري والمجتمعي؟ بهذين السؤالين المؤرقين عدت إلى بيروت بعد زيارة عمل الى العاصمة اليابانية طوكيو. لم تكن الزيارة الأولى لليابان، ومن ثم لم يكن التعرف الى تقدمها المبهر ومقارنة ما لزائر أن يدركه من مظاهر التقدم هذا بعموميات تأخر العرب بالعامل المحفز على تبادر السؤالين إلى الذهن. بيد أنها كانت الزيارة الأولى قادماً من مدينة عربية تهدر طاقات وأوقات سكانها في سجالات عقيمة حول سياسة اغتربت بالكامل عن وظيفتها الأساسية، بما هي تحقيق الصالح العام وضمان السلم الأهلي وفي التحايل على أزمات معيشية بات استمرار استعصائها على الحل دليل إخفاق مجتمعي شامل، وما كان لتناقض حقائق الحياة اليومية بين بيروت وطوكيو أن يكون أكثر حدة وإحباطاً.

غادرت بيروت ليلة خطاب «يوم الشهيد» للأمين العام لـ «حزب الله»، السيد حسن نصرالله، بما بني عليه من قراءة ادعت احتكار حق التفسير الصائب الوحيد لتطورات السياسة الدولية والإقليمية واللبنانية المحلية منذ سبعينات القرن الماضي وإلى اليوم، وما تضمنه من لغة تهديد ووعيد استدعت في ما خص ملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والمكلفة التحقيق في المسؤولية عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وباسم «واجب حماية المقاومة»، الرمزيات البدائية لمعاقبة من رسمهم متآمري الداخل وعملاء أعداء الخارج (قطع اليد). وليت ليلتي البيروتية انتهت عند هذا الحد، فقد حمل خطاب نصرالله وحملت كذلك أحاديث المهللين له وللحزب التي أعقبته مباشرة على بعض محطات التلفزة ما يكفي للتيقن من بؤس السياسة وعقم سجالاتها، وللتثبت من استحالة الإدارة السلمية للخلاف في مجتمع تغيب عنه الدولة القوية القادرة على فرض حكم القانون واحترام النظام العام بحيادية على الجميع وبغض النظر عن حسابات القوة والضعف. ليتها انتهت هنا، إلا أنها استمرت إلى أن بدأ سيل التصريحات الإعلامية المضادة لخطاب نصرالله، وتلك اتسمت برداءة بالغة، واجهت ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة بالترويج لوهم احتكار مقابل وتعاملت مع لغة التهديد والوعيد بشخصنة للخلاف حول المحكمة الدولية وبأحاديث فضائحية تتهم الآخر بالفساد والسعي وراء الصالح الخاص وتعرض وثائق «الإدانة» على شاشات تلفزة يتابعها مواطنون مغلوبون على أمرهم إزاء ساسة وصناع للرأي العام انتفت قدرتهم على الفصل بين الجوهري والعرضي، وبات فعلهم أقرب ما يكون إلى طاحونة شوبنهاور التي على ضجيج دورانها المستمر لا يخرج منها أي طحين تستفيد منه جموع المنتظرين منذ زمن. بأبطال كهؤلاء يهددون بقطع أيادي معارضيهم وبسجالات كهذه يختزل منتجوها بعبثية متصاعدة النقاش العام إلى بحث متواصل عن فضائح وفضائح مضادة، لن يخرج لبنان من أزماته المتتالية وستظل هذه الممارسة التي يسمونها «السياسة» في هذا البلد عاجزة عن إفادة المواطنين ووضع المجتمع على طريق التقدم والتنمية.

أما طوكيو، التي أمضيت فيها ثلاثة أيام للمشاركة في مؤتمر حول الإسلام السياسي في قسم الشرق الأوسط التابع لكلية الدراسات العليا بجامعة صوفيا، فكل ما شاهدته فيها أو اقتربت منه ذكّرني بروعة الوجود في مجتمع جاد يعمل كخلية النحل ويجتهد أعضاؤه للقيام بوظائفهم على أكمل وجه من دون إضاعة للطاقة أو للوقت وبتواضع شديد، وفي ظل حياة سياسية لا يملك أطرافها إلا أن يطرحوا على المواطنين التحديات الكبرى والسبل المقترحة للتعامل معها بوضوح ورشادة كالخطوة الأساس لإنجاز التوافق حول الصالح العام ووجهة المجتمع المستقبلية.

رأيت قيم العمل والاجتهاد والتواضع تترجم فعلاً منتظماً بجامعة صوفيا، من أساتذة متخصصين في حركات الإسلام السياسي لا يتوقفون ولو لبرهة عن تدوين الملاحظات أثناء مداخلات زملائهم أو طلبة الدراسات العليا، ولا يتحرجون في مداخلاتهم هم من الصمت وإن لدقائق متتالية بحثاً عن الصياغة اللغوية الدقيقة لأفكارهم واستنتاجاتهم البحثية (أديرت أعمال المؤتمر باللغة الإنكليزية). رأيت ذات القيم في تركيز طلبة الدراسات العليا في مداخلاتهم على التحليل والمعلومة وليس الرأي والتقييم، وفي استخدامهم للعديد من الأجهزة التكنولوجية الحديثة لمساعدتهم على تسجيل وقائع المؤتمر وطرح تساؤلاتهم بصياغات لغوية متماسكة، وكذلك في سعيهم للإفادة القصوى من حضور المتخصصين بتفضيل عرض ما يواجهونه في أبحاثهم من صعوبات منهجية وتحليلية وليس استنتاجاتها الأولية. بعبارة بديلة، قدمت لي الأيام الثلاثة لمؤتمر الإسلام السياسي بطوكيو صورة معبرة عن ثلاثية العمل والاجتهاد والتواضع في أحد القطاعات الحيوية باليابان، التعليم والبحث العلمي، وواجهتني بحقائق الحياة اليومية في مجتمع يرى في الإنسان وطاقته ووقته رأسماله الوحيد ونجح بإنسانه في الإسهام المتواصل في تطور البشرية وتقدمها.

أما بالنسبة الى السياسة ومداولاتها ونقاشاتها بين أحزاب اليسار (الحاكم) واليمين الليبرالي (المعارض)، وينبغي القول للموضوعية أنني استقيت معلوماتي في هذا السياق من أحاديث مع الأساتذة المشاركين في المؤتمر ومن مطالعة محدودة للصحافة اليومية الناطقة باللغة الإنكليزية، فيبدو أنها تطرح على الرأي العام أربع قضايا كبرى: التباطؤ المستمر للنمو الاقتصادي والتداعيات الخطيرة لمعدلات الدين العام المرتفعة (200 في المئة من إجمالي الناتج المحلي)، شيخوخة المجتمع وسبل التعامل مع التحديات التي تضعها أمام إنتاجيته وشبكات الرعاية والتضامن الاجتماعي، تراجع الأهمية الاستراتيجية لليابان في القارة الآسيوية في مقابل تنامي نفوذ الصين وروسيا الاتحادية، إعادة التوازن والفاعلية الى التحالف مع الولايات المتحدة كأساس للدفاع عن أمن اليابان القومي واحتواء المد الصيني والروسي في آسيا. لا تغيب سجالات اليسار واليمين عن الصحافة وتطاول اتهامات الفساد العلنية رموز السياسة والاقتصاد بانتظام، إلا أن السياسة لا تهدر طاقات أطرافها بعيداً عن تناول القضايا الكبرى وحلولها المقترحة، ولا تستهلك وقت الناخب -المواطن في نقاشات زائفة تمتهنه وتغيب وعيه.

هذا التناقض الحاد بين حقائق الحياة في بيروت وطوكيو، بين أزمات مجتمعية مستمرة وسياسة لا حدود قصوى لبؤسها وتهافتها هنا وترجمة رائعة لثلاثية العمل والاجتهاد والتواضع في المجالين الخاص والعام هناك، هو الذي أعاد إلى الذهن سؤالي: أين موقعنا نحن العرب على خريطة البشرية ومتى سنعود الى الإسهام الإيجابي في تطورها المعاصر؟ فما يقال عن بيروت ولبنان وما ذكرتني به ليلة خطاب «يوم الشهيد» وتوابعها تتكرر مضامينه المؤلمة في العديد من مدن وبلاد العرب، سياسة بائسة ومجتمعات مأزومة استوطن فيها الفقر والعنف والتعصب الطائفي والمذهبي، وانتفت من ثم قدرتها على الإسهام الإيجابي في تطور بشرية باتت تنظر إليها فقط كمصدر للخطر.