التفتت تركيا وإيران، طوال معظم القرن العشرين، نحو الغرب، بينما شكّل العراق الحدّ الشمالي للمنطقة العربية. لكن الثورة الإسلامية في عام 1979 في إيران، وصعود حزب «العدالة والتنمية» في تركيا، جاءا ليعيدا اهتمام إيران وتركيا بالعالم العربي، بينما جعل الاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003 هذا الأخير ساحةً للنفوذ الإقليمي، بدلاً من أن يكون حاجزاً في وجهه. واليوم، إذ تجد دول المشرق العربي وتركيا وإيران نفسها في منطقة حيوية مشتركة، عليها العمل للتوصّل إلى سبل ناجعة للتخفيف من المواجهات وزيادة التعاون في ما بينها، من أجل بناء مستقبل مشترك أفضل.

تلتقي دول المشرق العربي (وأعني السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق وسورية وغيرها) مع تركيا وإيران على مجموعة واسعة من المصالح المشتركة: أمن أنظمتها، قيام وضع إقليمي غير مهدد لها، دور في الترتيبات الإقليمية، تأمين إيصال النفط والغاز في شكل ثابت بحراً وبراً إلى الأسواق الشرقية والغربية، مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات وأشكال التهريب الأخرى، الحدّ من القرصنة، تشجيع الاستثمار الإقليمي والدولي، والاستفادة من أسواق إقليمية نامية.

إلا أن العديد من علاقات هذه الدول اتّسم في المرحلة الأخيرة بالتوتّر والعدائية. فهذه الدول تختلف في ما بينها حول نطاق تواجد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في المنطقة، والبرنامج النووي الإيراني، والصراع العربي- الإسرائيلي أو عملية السلام، إضافةً إلى طرق ونطاق انخراط مختلف الفاعلين أو تدخّلهم (مثل السعودية وتركيا وإيران وسورية) في الأزمات المختلفة (مثل أزمات العراق ولبنان واليمن وغزة، إلخ).

وحتى الآن، طغى منطق الخلافات على منطق التعاون في تحديد المسار العام للعلاقات الإقليمية.

فمن مصلحة هذه الدول، على المدى الطويل، أن تعمل لإيجاد منظومة إقليمية تعاونية لتجنب المواجهات وتخفيف التوتر وتعزيز المصالح المشتركة. وفي غضون ذلك، يجب أن تحرص على ألا تؤدّي التوترات الحالية، التي تثيرها قضية العراق والبرنامج الإيراني النووي وغيرها من القضايا الخلافية، إلى حالة عداء دائم تصبح العامل الأساسي المُزعزِع لاستقرار وازدهار المنطقة في القرن الحادي والعشرين.

على الجانب العربي، تعكّرت السياسة الإقليمية منذ السلم الذي عقدته مصر منفردةً مع إسرائيل، واجتياح العراق الكويت، والتوتر السعودي - السوري حيال الاجتياح الأميركي للعراق، إضافةً إلى الوضع في لبنان، وغيرها من القضايا. هذه الخلافات أضعفت الجانب العربي وزادت من مخاوفه وعقّدت علاقاته مع دول الجوار.

أما صعود تركيا فكان ثابتاً ومُطَمئِناً في شكل عام لمعظم الأطراف، إذ تعطي أنقرة الأولوية للتعاون الاقتصادي، وتنخرط في الوساطات والمبادرات الديبلوماسية، وتتمتّع بعلاقات جيدة مع جيرانها العرب والإيرانيين.

أما إيران فكانت لاعباً صعباً. صحيح أنها قدّمت صورةً تعاونيةً وتوفيقيةً في عهدَي الرئيسين علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، إلا أن صعود الرئيس محمود أحمدي نجاد وعودة قضية البرنامج النووي الإيراني إلى التداول أثارا التوتّرات الإقليمية مجدداً. تصاعدت هذه التوترات بعد أن اجتاحت الولايات المتحدة جارتَي إيران الأقرب، العراق وأفغانستان، وبعد أن صنّفت إدارة الرئيس جورج بوش إيران من بين دول محور الشرّ.

فما كان من هذه السياسات الأميركية إلا أن عزّزت مخاوف إيران الوجودية التي ترتبط ببرنامجها النووي، وما كان من الإطاحة بنظام صدام إلا أن أطلق جماح التوتّرات السنّية - الشيعية وأفسح المجال أمام توسّع النفوذ الإيراني في العراق. وأصبحت هذه القضايا المحرّك الأساسي للتوتر العربي - الإيراني.

يبدي المجتمع الدولي والإقليمي مخاوف منطقية حيال عدم التعاون الكامل لإيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي مخاوف أدّت إلى العقوبات الأخيرة التي فرضتها الأمم المتحدة على إيران، والتي تتعاون تركيا والدول العربية على تطبيقها. هذا علماً أن لإيران مصلحة كبرى في الخروج من هذه العزلة التي تشكّل عبئاً ثقيلاً عليها وعلى مجتمعها واقتصادها، كما أن لدول المنطقة مصلحة في عدم بناء منظومة من العدائية الدائمة، تزعزع استقرار الخليج ومنطقة الشرق الأوسط في شكل عام لعقود طويلة.

تنطوي السياسة الإيرانية على بعض المعالم الواقعية، حتى مع القيادة الحالية، وهي معالم يجب تشجيعها. وتعي إيران أن مصلحتها في استقرار أفغانستان كما العراق، وتدرك حاجتها إلى تصدير الطاقة، وإلى التعاون الإقليمي، والاستثمار، وأشكال التعاون الأخرى. إن إيران ليست كوريا الشمالية، ويجب ألا نصل الى حالة كتلك، وعلى إيران ودول المنطقة أن تتعاون لتجنّب التسبّب بحالة من العزلة والمواجهة الشديدتين قد تدوم عقوداً من الزمن.

سبق لمعظم مناطق العالم أن أحرزت تقدّماً سريعاً في مجال بناء منظومات التعاون الإقليمي في الأمن والاقتصاد والسياسة، حتى بين دول متنافسة أو متخاصمة. فاستطاع المعسكران الغربي والسوفياتي أن يتواصلا ويستكشفا آفاق التفاهم والتعاون، حتى في أوج الحرب الباردة، وذلك عبر آلية مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، الذي أنشئ بعد قمة هلسنكي في عام 1975. ساهم هذا المؤتمر المتكرّر في بناء الثقة، وتخفيف حدّة التوترات، وإنهاء الحرب الباردة في شكل سلمي.

فإذا استطاع المعسكران هذان أن يتفاهما في أوج الحرب الباردة، فلا شك في أن الدول العربية وتركيا وإيران تستطيع بذل جهود مماثلة للتواصل والتفاهم والتعاون في ما بينها في المرحلة الراهنة. هذا التواصل قد يؤدّي، في أحسن الحالات، إلى إزالة التوتر، خصوصاً بين إيران والدول العربية، والتقدّم باتجاه بناء منظومة تعاون أمني واقتصادي وسياسي، لما فيه مصلحة أهل المنطقة. وفي أسوأ الحالات، يوفّر هذا التواصل مزيداً من الحراك الديبلوماسي لإدارة الأزمات الحالية وتذليل عقباتها.

ويمكن البدء من خلال عقد مؤتمر إقليمي سنوي تستكشف فيه دول المنطقة العربية مع تركيا وإيران مصالحها المشتركة وتحاول أن تتعاون على تعزيزها. ويمكن أن ينظر مؤتمر كهذا في سبل بناء تعاون أفضل حول مسألة العراق وأزمات أخرى، والوصول الى اتفاقات حول ضمان الانتقال الحرّ للطاقة بحراً وبراً، ومكافحة القرصنة والإرهاب والتهريب، والعمل باتجاه منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

إن السياسة الدولية لم تكن يوماً أمراً بسيطاً، وعلى رغم أن دول المنطقة والعالم تختلف مع إيران في ما يتعلّق ببعض سياساتها، خصوصاً النووية منها، إلا أن الهدف الطويل الأمد يجب أن يكون تشجيع إيران على اتّباع سياسات أكثر انفتاحاً وتعاوناً، وإنشاء نظام إقليمي مستقرّ ومزدهر، وليس الوصول إلى حالة دائمة ومفتوحة من المواجهة.

إن قرار المواجهة قرار بسيط، أما بناء الثقة والتعاون فعملية معقّدة. لقد وجدت القيادة الإيرانية في المرحلة الأخيرة أن خيار المواجهة أسهل من خيار التعاون، لكن يجب ألا يكون قادة المنطقة والعالم على القدر نفسه من ضيق النظر. فمن الممكن التزام موقف حازم من القضية النووية، وفي الوقت نفسه، تشجيع الانفتاح والتفاهم والتعاون في مجالات أخرى. إنها مقاربة سبقت أن نجحت في ساحات أخرى من العالم، وهي أيضاً قابلة للنجاح في المثلّث العربي- التركي- الإيراني.