محبط ومحير في آن هو ذلك المشهد السياسي الذي أفرزته وقائع ونتائج الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية. فمن جهة، وثق المراقبون المحليون وبعض مراسلي وسائل الإعلام المحلية والعالمية الكثير من التجاوزات والخروقات التي شابت الانتخابات، وأبرزها التدخل المنظم للأجهزة الأمنية لصالح مرشحي الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم وإعاقة بعض القضاة المخولين الإشراف على الانتخابات عن القيام بعملهم ومنع العديد من المراقبين المحليين من الدخول إلى مراكز الاقتراع أو البقاء بها مدة تكفي لتقييم سير العملية الانتخابية والتوظيف واسع النطاق للمال لشراء أصوات الناخبين ووقوع أعمال عنف أمام مراكز الاقتراع أسفرت عن بعض الخسائر في الأرواح والممتلكات العامة. حدت هذه القائمة الطويلة والمحبطة من التجاوزات والخروقات كثيرا من نزاهة وشفافية وتنافسية الجولة الأولى للانتخابات ونزعت، وبغض النظر عن وقائع جولة الإعادة المقرر إجرائها في 5 من الشهر الجاري، الصدقية عن وعد مؤسسة الحكم بإجراء انتخابات حرة وتعددية تفخر بها مصر وتشكل نقلة نوعية في مسار تحولها الديموقراطي.

إحتكار الحزب الوطني للبرلمان

من جهة ثانية، وتأسيسا على نتائج الجولة الأولى وخريطة المرشحين المتنافسين في جولة الإعادة، سيكون المواطنون لمصريون خلال الأعوام الخمسة القادمة في معية مجلس شعب يسيطر الحزب الوطني الحاكم على أكثر من 90 بالمئة من مقاعده ويتدنى به تمثيل المعارضة والمستقلين من 24 بالمئة في مجلس شعب 2005-2010 إلى أقل من 10 بالمئة. وإذا كانت المعارضة وعلى الرغم من كثافتها العددية النسبية في مجلس الشعب المنتهية ولايته لم تتمكن من منازعة هيمنة الحزب الوطني الحاكم على أجندة التعديلات الدستورية والعمل التشريعي وغابت الفاعلية عن عملها الرقابي ومساعيها المتكررة لمساءلة ومحاسبة السلطة التنفيذية، يصبح افتراض تحول هيمنة الحزب الحاكم على العملية التشريعية إلى استئثار مطلق في ظل تمثيل المعارضة المحدود في المجلس الجديد وكذلك خطر التهافت الشديد لدور الأخير الرقابي بعد أن أسفرت انتخابات 2010 البرلمانية عن توحد شبه كامل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بالغا الواقعية ويزيدا من السمات المحبطة للمشهد السياسي الراهن. فمجلس شعب كهذا، للحزب الحاكم 90 بالمئة من مقاعده ويتقزم به تمثيل المعارضة الحزبية وغير الحزبية إلى بضعة نواب غير مؤثرين ويغيب عنه بالكامل حضور جماعة الإخوان المسلمين التي شكل نوابها خلال الأعوام الخمسة الماضية فصيل المعارضة الأفضل تنظيما والأكثر توظيفا لأدوات العمل الرقابي، سيشكك حتما في مدى تمثيله للتفضيلات الفعلية للناخبين واختياراتهم السياسية ولن يتمتع بالكثير من شرعية الرضاء الشعبي التي لا تأتي بها إلا انتخابات نزيهة وشفافة أو قد يرتبها توزيع أكثر توازنا للمقاعد بين الحكم والمعارضة. مجلس كهذا ليس له إلا أن يعمق أيضا من التداعيات السلبية لأحد أخطر الاختلالات البنيوية للسياسة في مصر والمتمثل في ضعف السلطة التشريعية والتراجع المستمر لدورها الرقابي واختزالها لتتحول إلى آلية لتمرير التعديلات الدستورية ومشروعات القوانين ومقترحات الموازنة العامة التي تتقدم بها السلطة التنفيذية دون تغيير أو اعتراض.

تزايد مخاطر الاحتقان الطائفي

من جهة ثالثة، وفي لحظة مجتمعية تتسم بتصاعد التوتر الطائفي بين المسلمين والمسيحيين من مواطني مصر وفي ظل مشهد إقليمي عام يواجه مسيحيي الشرق بالكثير من التحديات الواردة على أمنهم وحرياتهم الدينية والمدنية وحقوقهم السياسية، سيكرس مجلس الشعب المصري الجديد 2010-2015 من محدودية تمثيل الأقباط في السلطة التشريعية. فالحزب الوطني الحاكم وبين ما يقرب من 800 مرشح بالانتخابات البرلمانية لم يسجل سوى 10 مرشحين أقباط، بينما رشح حزب الوفد الليبرالي 5 أقباط وحزب التجمع اليساري 3 وانضم إليهم عدد ضئيل من المرشحين الأقباط المستقلين. وبافتراض فوز جميع المرشحين الأقباط وحصولهم على مقاعد برلمانية، وذلك افتراض شديد التفاؤل يصعب تصور تحققه، سنكون أما تمثيل للأقباط في مجلس الشعب يقل عن 4 بالمئة ولا يعبر من ثم لا عن النسبة الفعلية للمواطنين الأقباط إلى بقية المواطنين (حول 10 بالمئة وفقا لمعظم التقديرات غير الرسمية المتداولة)، ولا عن دورهم المؤثر في النسيج المجتمعي في مصر.

في واحدة من الإيجابيات القليلة لانتخابات 2010 وبعيدا عن حسابات الحكم والمعارضة، سيشهد المجلس الجديد حضورا غير مسبوقا للمرأة بعد أن تم بمبادرة حكومية اعتماد قانون الكوتا النسائية وخصص لها 64 مقعد منتخب وانتهت بذلك حقبة اقتصار تمثيلها (أي المرأة) في المجلس على المعينات من قبل رئيس الجمهورية. في المقابل، تعمد مؤسسة الحكم، ولا تختلف عنها في هذا السياق جل فصائل المعارضة الحزبية وغير الحزبية، إما إلى الصمت المطبق عن كارثة محدودية تمثيل الأقباط بالمجلس أو تبررها بالظرف المجتمعي العام وتضع العديد من الخطوط الحمراء على النقاش العام حول سبل التعاطي الفعال معها، من شاكلة رفض مجرد طرح قانون “الكوتا القبطية” أو غيره من إجراءات التمييز الإيجابي كإستراتيجيات مستقبلية ممكنة، والتذرع في معرض الرفض، بالنسيج الوطني الموحد ومواطنة الحقوق المتساوية بين المسلمين والأقباط على ما بات يرد على كليهما من نواقص خطيرة.

أهداف الحزب الوطني وتبِعات فوزه

من جهة رابعة، وهنا تبدأ مصادر الحيرة حين النظر للمشهد السياسي الذي أفرزته الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية، يصعب افتراض أن الحزب الوطني الحاكم ومن وراءه أجهزة السلطة التنفيذية المختلفة أدار العملية الانتخابية بهاجس وحيد هو الاستئثار المطلق بمقاعد مجلس الشعب. نعم لم يكن موضع شك عزم الحزب الاحتفاظ بأغلبية “ما فوق الثلثين المريحة” بالمجلس ومن ثم الاستمرار في تثبيت وضعيته كالحزب المهيمن على السياسة في مصر بتعدديتها المقيدة وتنافسيتها المحدودة، وكذلك دللت الإجراءات القمعية المتتالية بحق الإخوان المسلمين على توجه مؤسسة الحكم نحو تقليص تمثيلهم بالمجلس الجديد والحيلولة دون حصول الجماعة على عدد من المقاعد يقترب من مقاعدها في المجلس المنتهية ولايته (88). بيد أن الحزب الحاكم أراد أيضا تحقيق مجموعة مكملة من الأهداف السياسية في انتخابات 2010، تمثل أبرزها في:

1) تقوية حضور المعارضة الحزبية في المجلس في سياق إستراتيجية استبدالية تروم وضع نواب لأحزاب الوفد والتجمع والعربي الناصري وغيرها على مقاعد نواب الإخوان وتضمن استمرار ذلك القدر من التعددية والتنوع بالمجلس غير المهدد لهيمنة الوطني على أجندة العمل التشريعي.

2) بعد التعديلات الدستورية في 2007 التي ألغت الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات وأنشئت لجنة عليا للإشراف عليها (فصل تشكليها وحددت صلاحياتها في قوانين لاحقة) وبعد أن مدد العمل مجددا بقانون الطوارئ مع تأكيد حكومي على قصر اختصاصه على الإرهاب وقضايا المخدرات، إدارة العملية الانتخابية على نحو به من النزاهة والشفافية والتنافسية ما يكفي لتمكين الحزب الوطني من الدفاع عن الأمرين وصناعة صورة جديدة له لدى الرأي العام المصري كحزب عصري يستطيع الفوز في انتخابات نزيهة دون إلغاء لحضور المعارضة شريطة قانونيتها (الأحزاب المسجلة في مقابل جماعة الإخوان المحظورة) ومدنيتها (الحظر الذي تضمنته التعديلات الدستورية 2007 للنشاط السياسي المستند إلى مرجعية دينية وكذلك حظر توظيف الدين في الحملات الانتخابية الوارد في قانون مباشرة الحقوق السياسية).

3) في ظل الاهتمام الغربي (خاصة الأمريكي) بالانتخابات البرلمانية والرفض الحكومي القاطع للرقابة الدولية والتشديد على أهلية وجدية الرقابة الوطنية، هدف الحزب الوطني إلى إخراج الانتخابات بصورة تعطي لتفاصيل إداراتها من قبل أجهزة السلطة التنفيذية ولجهود الرقابة الداخلية مصداقية تمكن من صناعة صورة إيجابية عن الانتخابات لدى الرأي العام العالمي وأمام الحكومات الغربية.

حين تأخذ بجدية تحليلية، تباعد هذه المجموعة المكملة من الأهداف بين الحزب الوطني وبين السعي إلى مجلس شعب له به من المقاعد 90 بدلا من 80 بالمئة، بينه وبين مجلس شعب يقتصر به وجود المعارضة الحزبية على بضعة مقاعد لا تزيد عن أصابع اليدين، بينه وبين مجلس شعب يغيب عنه بالكامل الإخوان بعد إعلانهم الانسحاب من جولة الإعادة احتجاجا على تجاوزات الجولة الأولى، بينه وبين عملية انتخابية تشوبها العديد من التجاوزات والخروقات المرتبطة بالضعف الفعلي للجنة العليا للانتخابات والسطوة البالغة للأجهزة الأمنية وتفتقد من ثم شرعية النزاهة والشفافية، بينه وبين انتخابات يعوق بها عمل المراقبين المحليين ووسائل الإعلام المحلية والعالمية إلى الحد الذي يدفع الخارج إلى التنديد الواضح بها والتخوف من الكيفية التي ستدار بها الانتخابات الرئاسية في 2011.

فهل هي اعتيادية التجاوزات والخروقات الانتخابية في الحالة المصرية التي لم تمكن الحزب الوطني الحاكم من وضع المجموعة المكملة من أهدافه موضع التنفيذ، أم هو الضعف الشديد لأحزاب المعارضة المسجلة وعدم قدرتها على الفوز بالمقاعد التي رغب الوطني في رؤيتها تفوز بها، أم هي المشاركة الشعبية المحدودة التي لم تتجاوز 20 بالمئة وفقا لتقديرات المراقبين المحليين ومنظمات المجتمع المدني، أم هو التناقض البنيوي بين الرغبة في الهيمنة على السياسة وبين السماح بدرجة من التعددية المحدودة؟ أيا ما كانت الأسباب تبقى الحيرة حين النظر إلى سمات المشهد الذي أفرزته الانتخابات ومدى تعبيرها عن أهداف الحزب الحاكم قائمة، تماما كما يبقى الإحباط من كون الانتخابات البرلمانية في إدارتها ونتائجها قد باتت محدودة الصلة بمضامين النزاهة والتنافسية والجوهر الديموقراطي لفعل سلطة تشريعية تراقب نظيرتها التنفيذية بفاعلية ولا تستأثر مؤسسة الحكم بأجندة عملها التشريعي وتحظى من ثم بشرعية شعبية حقيقية.