بات إجراء انتخابات تشريعية تعددية ظاهرة اعتيادية تتكرر بانتظام في العديد من المجتمعات العربية. بيد أن بعض الانتخابات العربية، وعلى الرغم مما تشهده من تنافس بين أحزاب وحركات وشخصيات مختلفة، تظل من جهة معلومة النتائج سلفا ومن جهة أخرى محدودة الأثر في ما خص دفع الحياة السياسية نحو إصلاح جاد يضمن السلم الأهلي ويمهد للتأسيس لحكم القانون ولتداول ديمقراطي وسلمي للسلطة ولإدماج كل القوى المجتمعية الفاعلة في إطار من مواطنة الحقوق المتساوية، بغض النظر عن فوارق العرق والدين والنوع والانتماء الأيديولوجي.

وواقع الأمر أن وقائع ونتائج الانتخابات البرلمانية التي نظمت مؤخرا في مصر، في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، ونظيرتها الأردنية التي أجريت قبلها ببضعة أسابيع، في تشرين الثاني (9 نوفمبر) 2010، قد قدمتا نموذجين راهنين لمثل هذه الانتخابات العربية معلومة النتائج سلفا ومحدودة الأثر الإصلاحي ودللتا بجلاء شديد على تداعياتها الخطيرة على الحياة السياسية وعموم المشهد المجتمعي. أديرت انتخابات مصر والأردن، قانونيا وسياسيا وعملياتيا، على نحو يضمن استمرار هيمنة مؤسسة الحكم على العمل التشريعي ويحول دون منازعة تفردها بالسلطة التنفيذية ويكرس ضعف المعارضة وتفتتها ويختزل التنافس بين الحكم والمعارضة إلى محض واجهة تعددية خالية من المضمون ويجرد الانتخابات من ثم من جوهرها الديمقراطي والإصلاحي.

ففي مصر، اتسمت انتخابات مجلس الشعب 2010 بنواقص قانونية وسياسية وعملياتية عدة ضمنت، إن بشأن النتائج المعلومة سلفا أو لجهة غياب الجوهر الديمقراطي، عدم اختلافها عن مجمل ما أجري في مصر من انتخابات برلمانية منذ النصف الثاني من السبعينيات. فالإطار الدستوري والقانوني الناظم للعملية الانتخابية، خاصة بعد إلغاء شرط الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات (وهو ما ضمنته تعديلات 2007 الدستورية) والقيود الكثيرة التي فرضت على الرقابة الداخلية والرفض الحكومي القاطع للرقابة الدولية، لم يقدم الحد الأدنى من ضمانات نزاهة وحيادية وتنافسية الانتخابات.

كذلك استمرت تدخلات الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في سير العملية الانتخابية وتلاعبه المنظم بنتائجها مستغلا في ذلك شبكة الولاء الزبائني لمؤسسات الدولة والقدرات القمعية لأجهزتها الأمنية والمال الانتخابي لبعض أعضائه النافذين من كبار رجال الأعمال ونفوذ العوائل الريفية الكبيرة المنتمية له. كما أن القيود القانونية والأمنية التي دوما ما واجهتها أحزاب وحركات المعارضة في سياق مشاركتها في الانتخابات وحالت دون تنشيط المعارضة لأطرها التنظيمية والتواصل مع قواعدها الناخبة والرأي العام وعقد المؤتمرات الجماهيرية أو ضمان حصول قياداتها ومرشحيها على تغطية إعلامية توازي أو على الأقل تقترب مما يحصل عليه الحزب الوطني، استمرت على حالها ولم تتراجع ولو قليلا في 2010 مقارنة بالانتخابات السابقة.

بل إن سلسلة القيود والإجراءات القمعية التي استهدفت بها مؤسسة الحكم قبل انتخابات 2010 التنظيم المعارِض الأكبر في مصر، أي جماعة الإخوان المسلمين، أثارت العديد من الشكوك حول نزاهة الانتخابات البرلمانية وتنافسيّتها الفعلية. نعم سمح قانون الانتخابات المستند إلى قاعدة الترشح الفردي للجماعة المحظورة قانونا بالمشاركة في الانتخابات عبر بوابة المرشحين المستقلين.

بيد أن الإخوان الذين تمكنوا في عام 2005 من إدارة حملتهم الانتخابية بصورة علنية مستخدمين شعار "الإسلام هو الحل" ونافسوا آنذاك على ثلثَي مقاعد مجلس الشعب تقريبا، واجهوا في 2010، وعلى الرغم من إعلانهم نيتهم المنافسة فقط على ربع مقاعد المجلس الجديد، استبعاد اللجنة العليا للانتخابات لعدد معتبر من مرشحيهم للانتخابات والتضييق المستمر على حملاتهم الانتخابية بعد اعتماد الحظر القانوني لشعار "الإسلام هو الحل" واعتقال العديد من أنصارهم قبيل الانتخابات ومورس شيء من العنف ضد المرشحين المسجلين قبيل الانتخابات وضد ناخبيهم يوم الانتخاب. وقد لعبت هذه السلسلة من القيود والإجراءات القمعية الدور الأكبر في إخفاق مرشحي الإخوان في الفوز بأي مقعد في الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية ودفعت الجماعة إلى إعلان انسحابها من الانتخابات قبل جولة الإعادة، وبعد أن كان لها 88 نائبا في مجلس الشعب المنتهية ولايته.

وتواكب مع كل ذلك، أي مع نواقص الإطار الدستوري والقانوني وتوظيف أجهزة الدولة لحسم الانتخابات لمصلحة الحزب الحاكم والإجراءات القمعية والعنيفة ضد المعارضة والتي أودت بحرية العمل التنظيمي والسياسي، مجموعة من القيود التي فرضتها مؤسسة الحكم قبيل الانتخابات على الحريات الإعلامية والصحافية وحرية التعبير المنظم عن الرأي. وقد كان أبرز القيود هنا هو إجبار المحطات التلفزيونية الفضائية على الحصول على إذن رسمي قبل بث تقارير إخبارية مباشرة من أيّ مكان في مصر، وكذلك إجبار مزوِّدي الهواتف الخلوية على الحصول على إذن مماثل لإرسال رسائل نصّية موحَّدة إلى المستخدمين، وهي تقنية لجأت إليها المعارضة قبيل الانتخابات أكثر فأكثر لتعبئة الأنصار والتواصل مع الرأي العام.

مثل هذه الإدارة، أو لنقل الهندسة القانونية والسياسية والعملياتية للانتخابات البرلمانية المصرية، من قبل مؤسسة الحكم أفرغتها من الجوهر الديمقراطي والتداعيات الإصلاحية. فقد وثق المراقبون المحليون، بل وبعض القضاة المشرفين على الانتخابات، الكثير من التجاوزات والخروقات التي شابت الانتخابات كالتدخل المنظم للأجهزة الأمنية لصالح مرشحي الحزب الحاكم ومنع العديد من المراقبين المحليين من الدخول إلى مراكز الاقتراع أو البقاء بها مدة تكفي لتقييم سير العملية الانتخابية ووقوع بعض أعمال عنف أمام مراكز الاقتراع. أودت هذه القائمة المحبطة من التجاوزات والخروقات بنزاهة وشفافية وتنافسية الانتخابات ونزعت الصدقية عن وعد مؤسسة الحكم بإجراء انتخابات حرة وتعددية تفخر بها مصر. والحصيلة المباشرة هي مجلس شعب مشكوك في شرعيته، يسيطر الحزب الحاكم على ما يقرب من 85 بالمائة من مقاعده ويقزم به تمثيل المعارضة الحزبية وغير الحزبية إلى بضعة مقاعد غير مؤثرة.

أما الحصيلة السياسية الأكبر والأخطر فتتمثل في كون رهان المدى الطويل للمعارضة الديمقراطية، ولدعاة السلام والإصلاح ولإدماج كل القوى المجتمعية في إطار المواطنية، على تحول مصر التدرجي نحو الديمقراطية من بوابة الانتخابات التنافسية والبرلمانات التعددية وصولا إلى تداول السلطة وحكم القانون أثبت فشله الذريع. فمنذ 1976، أي منذ بداية تجربة التعددية الحزبية، وإلى اليوم لم تتغير حياة مصر السياسية جذريا، لا في ما خص استمرار غياب تداول السلطة وهيمنة مؤسسة الحكم وحزبها ولا لجهة الإدارة السلطوية للعلاقة بين النخبة والمعارضة وبين النخبة وعموم المواطنين أو بالنظر إلى حضور الأدوات القمعية وقدرة النخبة على استخدامها في أي وقت وظرف.

أما في الأردن، فيشوب عملية الإصلاح السياسي المتعثرة تشوه هيكلي يرتبه قانون الانتخاب الذي صمم، عن قصد، بهدف استمرار إفراز مجالس تشريعية يغلب عليها الطابع الخدماتي وتفتقر إلى حضور تكتلات أو أحزاب سياسية ذات فاعلية على المستوى الوطني ولها برامج واضحة تمكنها من ممارسة دور تشريعي ورقابي حقيقي.

فقانون الصوت الواحد المجزأ (صوت واحد لكل مواطن ضمن دائرة متعددة المقاعد)، والذي عدل قبل الانتخابات الأخيرة من دون إجراء حوار وطني حقيقي حوله، وكذلك التقسيم المعمول به للدوائر الانتخابية حالا دون الحد من سيطرة النواب الخدماتيين على مجلس النواب ورتبا من ثم، ونظرا لاعتماد هذه المجموعة من النواب في معظم الأحيان على الدولة وأجهزة السلطة التنفيذية لإيصال الخدمات لمناطقهم وافتقادهم الاستقلالية المطلوبة للاضطلاع بمهام محاسبة ومساءلة الدولة، استمرار ضعف القدرات الرقابية للمجلس.

بل ان انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أضافت إلى هذا الواقع السلبي، وفي تشابه بين مع الحالة المصرية، ملمحا جديدا تمثل في غياب المعارضة الجادة عنه بعد أن قاطعت جبهة العمل الإسلامي، وهي الحركة السياسية الأكبر في البلاد، الانتخابات لقناعتها بعدم جدواها في دفع عملية الإصلاح قدما.

وحقيقة الأمر أن الحياة السياسية الأردنية ماتزال تعاني من هيمنة طبقة محافظة عليها، تديرها قانونيا وإجرائيا وعملياتيا على نحو يحول دون إدخال إصلاحات فعلية، حتى وإن كانت تدريجية. وقد نصبت هذه الطبقة نفسها، وبصورة بالغة الإقصائية، مدافعة عن مصالح الدولة وحدها من دون غيرها وسيطرت على الأجهزة التنفيذية المختلفة. ودوما ما عارضت الدعوة إلى تغيير حقيقي في قانون الانتخاب ومطالب الإصلاحيين بتقوية تمثيل التكتلات والأحزاب السياسية بمجلس النواب متذرعة بحجة عدم إتاحة الفرصة للإسلاميين بالاستحواذ على أغلبية داخل المجلس.

بيد أن النتيجة العملية لهذه التفضيلات وسياسات هذه الطبقة المحافظة كانت ازدياد نفوذ المعارضة الدينية داخل الشارع الأردني والتراجع المستمر لبقية التيارات السياسية التي لا تملك الحضور المجتمعي المؤثر للإسلاميين ولم يفسح لها المجال للتواجد داخل المجلس التشريعي.

ومع إدراك الطبقة المحافظة المهيمنة على الحياة السياسية في الأردن والأجهزة التنفيذية التابعة لها لحقيقة أن مجلس النواب سيبقى حكما ضعيفا ما لم يغير قانون الانتخاب والتقسيم المعمول به للدوائر الانتخابية، ومع تكرر نداءات الملك عبدالله الثاني لإصلاح العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بتعظيم دور وفاعلية مجلس النواب، لجأت في الانتخابات الأخيرة إلى التركيز على الإجراءات التقنية لضمان نزاهة الانتخابات وشفافيتها والسماح بالرقابة الدولية على مجمل العملية الانتخابية. وقد هدف ذلك إلى تحويل الأنظار عن جوهر المعضلة الأردنية، وهو كيفية الوصول إلى مجلس نواب قوي يمارس العمل التشريعي والرقابي بجدية وسبل تطوير نظام ناجع للنزاهة والشفافية يتجاوز الأمور الإجرائية المتعلقة بالعملية الانتخابية.

وعلى الرغم من أن جل استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الأعوام الماضية قد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن المجلس التشريعي وبغض النظر عن درجة نزاهة العملية الانتخابية التي أفرزته (وتلك تفاوتت بشدة في الحقبة الأخيرة وفقا لاعتراف الحكومة الأردنية نفسها) سيبقى مفتقدا للحد الأدنى من الرضاء الشعبي ومن الفاعلية ما لم يغير قانون الصوت الواحد المجزأ. أما الأصوات الإصلاحية، التي نادت وما تزال بتغيير القانون بهدف إفساح المجال أمام التكتلات والأحزاب الفاعلة على المستوى الوطني لدخول مجلس النواب، ومن ثم إعادة الهيبة لدوره وتوسيع قاعدة صنع القرار العام من خلال مؤسسة تشريعية قوية تكون ضمانة حقيقية للاستقرار والازدهار، فقد أقصيت أو تم تهميشها في أحسن الأحوال.

تختلف الانتخابات المصرية عن نظيرتها الأردنية في تفاصيل إداراتها القانونية والسياسية والعملياتية وتتفاوت كذلك خصائص قوانين الانتخاب المعمول بها في البلدين، بيد أنهما يشتركان من جهة في كونهما باتا محدودي الصلة بالجوهر الديمقراطي للانتخابات، ومن جهة أخرى في كونهما يمثلان في وقائعهما ونتائجهما ترجمة عملية لمجمل اختلالات الحياة السياسية وغياب إرادة مؤسسات الحكم الإصلاحية. والحصيلة المؤلمة هي مجالس تشريعية ضعيفة، تغيب عنها المعارضة الحقيقية ويتهاوى دورها في الرقابة على السلطة التنفيذية إلى مهابط غير مسبوقة وتواجه أزمة مصداقية وشرعية متنامية بين المواطنين. فهل لنا أن نصف انتخابات هذه وقائعها وتلك نتائجها "بالعرس الديمقراطي"؟ نشك.