لم تشجع الملامح الكبرى لمشهد انتخابي غير ديموقراطي ومعلوم النتائج سلفا، الناخبين المصريين على الذهاب إلى مراكز الاقتراع والمشاركة في الانتخابات البرلمانية 2010. فجاءت نسبة المشاركة الشعبية (وبعيدا عن مبالغات اللجنة العليا للانتخابات التي تحدثت بمفردها عن نسبة 35 بالمئة!) على ذات التدني الذي وسمها في الانتخابات البرلمانية الماضية، أي حول 20 بالمئة في أحسن الأحوال. ورتب ذلك نزع أحد المضامين الأساسية لشرعية الانتخابات والمتمثل في المشاركة الشعبية الحقيقية.

ثم جُردت الانتخابات، وبفعل التجاوزات والخروقات المنظمة التي شابتها ووثقتها تقارير المراقبين المحليين وشهادات بعض القضاة، من مضمون الشرعية الثاني المرتبط بإدارة العلمية الانتخابية بنزاهة (ولنقل في حالة مصر بشيء من النزاهة) تكفل تكافؤ الفرص (ولنقل في حالة مصر حدا أدنى من تكافؤ الفرص) بين المتنافسين وتضمن تعبير النتائج (ولنقل في حالة مصر إلى حد ما) عن تفضيلات هذا العدد (المحدود) من المواطنين الذين أدلوا بأصواتهم. كعادتها هيمنت الأجهزة الأمنية على إدارة العملية الانتخابية، فتلاعبت بنتائجها لصالح مرشحي الحزب الوطني، وأعاقت بعض القضاة المشرفين عن القيام بعملهم، ومنعت الكثير من المراقبين من الدخول إلى مراكز الاقتراع أو البقاء بها مدة زمنية تكفي لتقييم سير الانتخاب على نحو موضوعي، ومنَعت ناخبين مؤيدين لبعض مرشحي المعارضة الحزبية وغير الحزبية من الإدلاء بأصواتهم. ولم تتمكن السلطة القضائية من الحد من هيمنة الأجهزة الأمنية، مع الضعف العملي للجنة العليا وبعد إزالة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات وتحول الأمر من “قاضي على كل صندوق” إلى قاضي لكل 20 مركز اقتراع تقريبا (بلغ عدد القضاة الذين أشرفوا على الجولة الأولى 2286 ووزعوا في لجانهم العامة على أكثر من 45 ألف مركز اقتراع).

وتواكب مع محدودية نزاهة العملية الانتخابية، وترتب عليها جزئيا على الأقل، انتهاء الانتخابات بنتيجة صادمة للرأي العام المصري ولكل مهتم باحتفاظ مجلس الشعب الجديد بقدر من التوازن في ما خص تمثيل الحزب الحاكم وأحزاب وحركات المعارضة. فقد فاز مرشحو الحزب الوطني ب420 من إجمالي مقاعد مجلس الشعب ال508 المتنافس عليها انتخابيا (يضاف إليهم 10 مقاعد يشغلوا بالتعيين المباشر من قبل رئيس الجمهورية)، وحصل مستقلو حزب الوفد (بعد انسحاب الحزب من الانتخابات بعد جولتها الأولى) على 6 مقاعد والتجمع على 5 وأربعة أحزاب صغيرة على مقعد واحد لكل منها، ونجح 69 مستقل في الوصول إلى مجلس الشعب (وما زالت أربعة مقاعد شاغرة بعد أن أبطلت أحكام القضاء الانتخابات بالدوائر المعنية وألزمت السلطات بإعادتها). في المقابل، أعلنت جماعة الإخوان انسحابها من الانتخابات بعد جولتها الأولى احتجاجا على ما شابها من تجاوزات وخروقات، كما قرر حزب الوفد أيضا الانسحاب ورفع يده عن مرشحيه الذين شاركوا في جولة الإعادة. والحصيلة هي أن الحزب الوطني بات يسيطر على ما يقرب من 83 بالمئة من مقاعد مجلس الشعب، وأن تمثيل المعارضة المنظمة (أي المؤطرة في أحزاب أو حركات) في المجلس الجديد تقلص في المجلس إلى ما دون 3 بالمئة (15 مقعد للأحزاب ومقعد واحد لمستقل ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين لم ينسحب من جولة الإعادة، وإن كانت الجماعة قد أعلنت أنه لا يمثلها). معنى هذا أن المعارضة المنظمة لن يكون لها أي وجود حقيقي في المجلس الجديد ولن تقدر من ثم على الإسهام الفعال في عمله التشريعي والرقابي. تنزع مثل هذه الحصيلة عن الانتخابات والمجلس، وهي ترتب تماهيا شبه تاما بين مؤسسة الحكم والسلطة التنفيذية وبين السلطة التشريعية عبر أغلبية الحزب الحاكم الكاسحة، مضمونا ثالثا من مضامين الشرعية يتعلق بشرعية التمثيل المتوازن نسبيا للحكم والمعارضة وشرعية استقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية وممارستها الرقابة عليها (أو لنقل في حالة مصر شيء من الرقابة). نحن اليوم أمام مجلس شعب يتسم بتركيبة أحادية تذكر بعهود مجلس الأمة والاتحاد الاشتراكي وسينظر حتما لكل ما يمرره من تشريعات وقوانين وموازنات كترجمة مباشرة وصريحة لإرادة مؤسسة الحكم وحزبها بعد أن استأثرا به.

يدفع نزع مضامين الشرعية الثلاثة هذه، شرعية المشاركة الشعبية في الانتخابات وشرعية نزاهة العملية الانتخابية وشرعية التمثيل المتوازن بالسلطة التشريعية واستقلاليتها النسبية عن نظيرتها التنفيذية، بالحياة السياسية المصرية إلى أتون أزمة كبرى ذات تداعيات خطيرة. فقد أضحت انتخاباتنا سيئة السمعة وعادت المعارضة المنظمة إلى مقاطعة الأطر الرسمية وبتنا مجددا أمام برلمان له لون واحد ووجهة واحدة ولا يتمتع من ثم بالكثير من المصداقية إن في أعين المواطنين المصريين أو في ما خص المجتمع الدولي. وعلى الرغم من أن سمعة الانتخابات السيئة هذه وفقدان مصداقية البرلمان وضعا مؤسسة الحكم والحزب الوطني الديموقراطي في مأزق حقيقي، إلا أن الطرفين مهمومان على نحو أعمق بمعضلات أخرى.

فقد وضع الحزب الوطني الديموقراطي نفسه أمام معضلتين جديدتين في أعقاب الانتخابات، الأولى قانونية والثانية سياسية. أولا، هناك احتمال حقيقي بأن تؤدّي الأحكام الكثيرة التي أصدرتها المحاكم الإدارية ببطلان الانتخابات في بعض الدوائر وبعدم سلامة إجراءات العملية الانتخابية في دوائر أخرى إلى فقدان مجلس الشعب الجديد لمشروعيته القانونية في مرحلة لاحقة وتدفع إلى الواجهة بتساؤلات موجعة حول مدى شرعية الانتخابات الرئاسية المقررة لعام 2011 والتي تترتب الكثير من تفاصيلها على الانتخابات البرلمانية الأخيرة ومجلس الشعب الجديد. ثانيا، إذا لم يغير حزب الوفد قراره القاضي برفع اليد عن مرشحيه الذين خاضوا انتخابات جولة الإعادة وفازوا ب6 مقاعد واستمر في إجراءات تجميد عضويتهم بالحزب واعتبارهم لا يمثلونه في المجلس، لن يكون هناك حزب معارِض في المجلس يتمتّع بشيء من المصداقية لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة وهو ما يجرّد الحزب الوطني من إمكانية التظاهر بوجود شيء من المنافسة في سباق الرئاسة.

وواقع الأمر أن للأحكام القانونية حول مجلس الشعب ماضي طويل في التاريخ السياسي المصري. فقد قضت أحكام صادرة عن المحكمة الدستورية العليا وتعلّقت بمدى دستورية النظام الانتخابي، ببطلان مجلس الشعب عام 1984 ثم عام 1987. صحيح أن التدخّل المكثّف للسلطة التنفيذية منذ عام 2006 أدّى إلى ترويض القضاء المصري إلى حد ما، إلا أن المشاكسة التي أظهرها القضاة في 2004-2005 تجدّدت إلى حد ما في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. فمن جهة، تحدّث بعض القضاة عن تسويد فاضح لبطاقات الانتخاب في صناديق الاقتراع ومخالفات أخرى شهدوا عليها، ومن جهة أخرى، وهي أكثر أهمية، أصدرت المحاكم الإدارية (التي تستمع إلى شكاوى المواطنين ضد الحكومة) العديد من الأحكام القاضية ببطلان الانتخابات. فخلال المرحلة الرسمية للحملات الانتخابية التي جاءت قصيرة واتسمت بالفوضى، أصدرت المحاكم الإدارية قرارات عدّة تطلب فيها من اللجنة العليا للانتخابات تسجيل المرشّحين المعارضين والمستقلّين الذين كانت قد رفضتهم، لكن اللجنة العليا تجاهلت هذه الأحكام أو تحايلت عليها من خلال إجراءات الاستشكال أمام المحاكم المدنية. ثم أصدرت المحكمة الإدارية العليا قراراً تاريخياً اعتبرت فيه أن هذه المناورات غير شرعية (يقضي الحكم بعدم جواز استشكال أحكام القضاء الإداري أمام المحاكم المدنية) ونوهت بخطر بطلان كامل العملية الانتخابية.

يقدم قرار المحكمة الإدارية العليا أساساً محتملاً لرفع دعاوى أمام المحكمة الدستورية العليا للمطالبة بإعلان بطلان مجلس الشعب (وقد تكون هناك أسس قانونية أخرى للقيام بذلك)، وهو ما يشكل، وبغض النظر عن فرص التحقق الفعلية، مصدرا للقلق داخل مؤسسة الحكم وبين قيادات الحزب الوطني. فمن شأن بطلان مجلس الشعب أن يستدعي إجراء الانتخابات البرلمانية مجددا في وقت غير مناسب للحزب الحاكم، إن في خضم الاستعداد للانتخابات الرئاسية أو في بداية فترة رئاسية جديدة. ويمكن له أن يعطي أيضاً أساساً قانونياً لتحدّي شرعية الانتخابات الرئاسية المقبلة، لأنّ النتائج التي حقّقتها الأحزاب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة يترتب عليها جزئيا مدى مشاركتها في السباق الرئاسي أو استبعادها منه.

فضلا عن المعضلة القانونية، ثمة سبب سياسي يثير قلق الحزب الوطني ويرتبط أيضا بالانتخابات الرئاسية القادمة. فآخر ما يريده الحزب الوطني هو منافسة حقيقية من المعارضة على الرئاسة، إلا أنه لا يريد أيضاً أن يبدو الأمر وكأنّه ليست هناك أي منافسة على الإطلاق. فعلى الرغم من أن الحزب الوطني أتخذ خطوات واسعة النطاق، بما في ذلك إدخال تعديلات دستورية في 2007، لإقصاء منافسه الأقوى بين فصائل المعارضة، أي جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، من إمكانية ترشيح أحد القيادات للانتخابات الرئاسية، إلا أنه يرغب في مشاركة الأحزاب المرخص لها بمرشحين في الانتخابات. هنا تأتي معضلة حزب الوفد الذي دفعه سير الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية إلى الانسحاب وإعلان مقاطعة مجلس الشعب الجديد.

فالوفد يحتل موقعاً فريداً في السياسة المصرية، وعلى نحو غير متوقع كان له دور محوري في الانتخابات الأخيرة. فعلى الرغم من تراجع الحزب كثيراً وانكفائه عن الموقع القيادي الذي كان يشغله قبل عام 1952 وتخليه عن بعض تقاليده الليبرالية والمدنية التي كان يعتزّ بها، لا يزال مصريون كثر يتحدّثون بحنين عن قدرة الوفد الضائعة على قيادة المعارضة. وللمرّة الأولى منذ عقود، طُرِحت هذه القدرة على بساط البحث عندما أرغم عدد من قيادات الحزب رئيسه السيد البدوي على الانسحاب من جولة الإعادة للانتخابات البرلمانية بعد جولة أولى سيئة جداً شابها الكثير من التجاوزات وخرج منها الوفد بمقعدَين فقط.

من شأن ثبات الوفد على موقفه المعلن، القاضي برفض المشاركة في مجلس الشعب الجديد ومقاطعة الانتخابات الرئاسية التي ستجرى العام المقبل، أن يرتب اقتصار السباق الرئاسي على مشاركة الحزب الوطني من جهة، ومن جهة أخرى حزب التجمّع اليساري وحفنة من الأحزاب الصغيرة التي لن تمثل منافسة حقيقية للوطني. بل أن قيادة حزب التجمع، ممثلة في رئيسه رفعت السعيد، تتعرض اليوم لضغوط بعض الأعضاء ممن يطالبون بالانسحاب من مجلس الشعب. إذا رفض الوفد، وربما التجمّع، المشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة، وإذا ما استمرّت السلطات في رفض الاعتراف بفصيل أيمن نور في حزب الغد وتعويق فرص ترشحه للرئاسة، سيخوض الحزب الوطني عملياً السباق منفرداً. والمرجح أن الوطني لا يرغب في رؤية هذا الاحتمال يستحيل واقعا، وسيسعى من ثم إلى البحث عن مساومات جديدة مع أحزاب المعارضة الكبيرة يضمن من خلالها مشاركتها في الانتخابات الرئاسية.

ثم يظل التساؤل مطروحا حول ما إذا كان الحزب الوطني الديموقراطي لا يزال يملك القدرة على الإدارة السياسية الماهرة في المرحلة القادمة التي ستشهد التعامل مع تداعيات الانتخابات البرلمانية الأخيرة والاستعداد للانتخابات الرئاسية. فقد بدت الانتخابات الأخيرة، جزئيا على الأقل، خارج سيطرة الحزب الوطني الذي أثار بعض مرشّحيه والموظّفين الحكوميين في مراكز الاقتراع سخط قياداته بالتزوير الفاضح الذي مارسوه وبلجوئهم المكثَّف إلى أعمال العنف. كما أن ممارسات التزوير والعنف هذه لم تعد اليوم مقبولة من المواطنين المصريين مع وجود مواقع إلكترونية مثل “يوتيوب” و”تويتر” ووسائل إعلامية أخرى تخبر عنها بانتظام وتُحوِّلها بذلك لمصدر إحراج لمؤسسة الحكم والحزب على المستويَين الوطني والدولي. والمؤكد أن الكثير من المصريين قد هزوا رؤوسهم استهجاناً إزاء تصريحات “النزاهة والشفافية” و”التعبير عن الخريطة السياسية الحقيقية في مصر” التي أدلت بها قيادات الوطني بعد الانتخابات وتعجبوا من مدى الانفصام بينهم وبين حقائق الانتخابات كما عاينها وأخبر عنها المراقبون وممثلو الإعلام التقليدي والجديد.

لا تغير تصريحات قيادات الحزب الوطني الإيجابية كثيرا من حقيقة المعضلات القانونية والسياسية التي يواجهها الحزب ومعه مؤسسة الحكم من جراء نتائج الانتخابات البرلمانية 2010، تماما كما لا يملك خطاب ما بعد الانتخابات الرسمي المشدد على نزاهة العملية الانتخابية أن يحد من أزمة شرعية الانتخابات ومحدودية مصداقية مجلس الشعب الجديد وتداعياتهما الخطيرة على الحياة السياسية الرسمية والانتخابات الرئاسية القادمة.