أحرز المغرب تقدّماً ملحوظاً في مجال الحدّ من الفقر على مرّ العقدين الماضيين، بحسب آخر تقرير للتنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة. فاليوم، أقلّ من 9 في المئة من سكّانه يُصنَّفون فقراء، مقارنةً بـ 16.2 منذ عقد، وهو إنجاز لافت بالنسبة إلى بلد عدد سكانه 32 مليوناً ويفتقر إلى الموارد الطبيعية المهمة. وهذا التوجّه يستحقّ النظر فيه عن كثب لفهم الأسباب الكامنة وراء انخفاض معدّل الفقر، وتحديد الدروس التي يمكن للدول في المنطقة العربية وخارجها استخلاصها من السياسات المعتمدة.

وإضافة إلى الاستثمارات العامة الكثيفة في القطاعات الاجتماعية، والكفاءة في تحصيل الضرائب والاستخدام الاستراتيجي لعائدات التخصيص، وتوفير مزيد من التمويل للمؤسسات والأفراد، والتحويلات السخية للمهاجرين المغاربة، فقد ساهم ظهور المنظمات غير الحكومية ومشاركتها النشطة في مجال التنمية المحلية من خلال شراكات رسمية مع الدولة والمجالس المحلية، في تراجع معدل الفقر في المغرب. فبرنامج البنية الأساسية الريفية يمثّل تجربةً ناجحةً للشراكة بين الدولة والمجالس القروية وجمعيات المستفيدين، علماً أن الدولة صمّمت البرنامج، بينما ساهم الشركاء المحليون في التمويل المشترَك. وقد سهَّلت اللامركزية في الموارد المالية عملية إشراك المجالس المحلية. وأدّت الشراكة إلى تحسين الرفاه العام للناس، منهم بعض سكان المجتمعات الفقيرة والنائية.

وثمة عوامل ثلاثة ساهمت في الدور الفعّال الذي قامت به المنظمات غير الحكومية في المغرب منذ منتصف التسعينات.

أولاً، غضّت الدولة الطرف عن أنشطة هذه المنظمات باعتبارها منظمات محلية، ولأنها ركّزت عموماً على قضايا تنموية كتوفير الكهرباء والمياه، وإدارة المياه للاستخدام الزراعي، ومحو الأمية، ولم تدخل في أية مواجهة مباشرة مع السلطات. كما أدّى الضغط على استخدام الموارد العامة، في إطار سياسة التكيّف الهيكلي في البلاد، إلى تعزيز نهج الدولة الإيجابي تجاه المنظمات غير الحكومية. وتشكّل شراكات الدولة والمجالس المحلية مع المنظمات غير الحكومية، لتوفير الكهرباء والمياه والمساهمة في حملات محو الأمية، أمثلةً على هذا النهج الإيجابي. مع ذلك، اعتبرت النخب المحلية التقليدية، لاسيما في المناطق الريفية، هذه المنظمات غير الحكومية منافساً محتملاً لها على صعيد التمثيل السياسي والامتيازات التي ينطوي عليها.

أما العامل الثاني الذي ساهم في ظهور المنظمات غير الحكومية، فهو بروز نخبة متعلّمة جديدة فَقَدَ أعضاؤها الثقة في المقاربة الراديكالية لممارسة السياسة، واختاروا التنمية الإصلاحية المحلية غير الحزبية.

وتمثَّل العامل الثالث في تحويل مساعدات المانحين إلى الجهات الفاعلة المحلية غير المرتبطة بالدولة، في إطار أجندة السياسة الجديدة التي تركّز على الحكم الرشيد، والتي أتاحت مجموعة كبيرة من الموارد المالية للمنظمات غير الحكومية. وسمح تعديل الإطار القانوني للجمعيات في العام 2002 للمنظمات غير الحكومية بالاستفادة من الأموال الأجنبية.

وعلى رغم محدودية موارد هذه المنظمات، أظهرت دراسات بعض الحالات أن أعمالها أحدثت تغييراً حقيقياً في حياة الناس على المستوى المحلي. فإلى جانب دورها في توفير الخدمات الأساسية، ساهم ظهورها في الكثير من القرى بقوة إلى إعادة ترتيب علاقات القوى في هذه المجتمعات، ما أدّى إلى التحوُّل من هيمنة الذكور المسنّين إلى عملية صنع قرار أكثر استشاريةً تأخذ في الاعتبار آراء الشباب والإناث ومصالحهم. وحتى تستطيع المنظمات غير الحكومية زيادة المشاركة وتعزيز الشفافية والمساءلة، لابد من تجاوز العقبات الأربع الآتية:

أولاً، لا تزال المنظمات تخضع لقرارات السلطات المحلية، من أجل وجودها ونشاطها، ما يحدّ كثيراً من هوامشها. والتعديلات التي أُدخِلَت على إطارها القانوني، على رغم إيجابيتها، لها تأثير محدود. وثمة هُوة بين الأحكام القانونية وبين الممارسات السائدة، لذا يجب أن يحرص صانعو السياسات على أن تُنَفَّذ الأحكام التي تمنح مساحةً وحريةً أكبر للجمعيات.

ثانياً، عليها الحفاظ على استقلالها كي تكون لها مساهمة متميِّزة في التنمية والحوكمة الرشيدة. لذلك يجب أن تعيد النظر في علاقتها مع الدوائر الحكومية والمجالس المحلية، وتركّز على دورها في الدفاع عن قضايا الناس.

ثالثاً، على رغم أن إنشاء عدد كبير من الجمعيات الصغيرة مفيد في التعامل مع القضايا المحلية، إلا أنه قد يضرّ بقدرتها على القضايا ذات الطابع الوطني. لذا، على المنظمات غير الحكومية وضع هياكل اتحادية قطاعية أو وطنية لتجميع الموارد وتعزيز قدراتها التفاوضية.

ورابعاً، تحتاج هذه المنظمات إلى تعزيز قدراتها ما يجعلها فعّالةً أكثر في مجال المؤازرة وتقديم الخدمات الاجتماعية، وعلى الجهات المانحة والمنظمات الدولية أن تركّز على تطوير مهارات هذه المؤسسات وبناء قدرتها على صياغة أفكار وسياسات مبتكرة من أجل مساهمة فعّالة في التنمية.

وختاما، تمكّن حوالى 1.7 مليون مغربي من التخلّص من براثن الفقر خلال العقد الماضي. والتحدّي اليوم أمام المغرب يكمن في الحفاظ على هذا الاتّجاه الإيجابي.