يُشكّل جيل الشباب غالبية سكان مصر، وهم يتشاطرون الشعور بالغربة عن الحياة السياسية في البلاد ويفتقرون إلى الثقة بها. هم يحلمون بوظيفة لائقة ومستقرة ومسكن بأسعار معقولة، وخدمات صحية جيدة. ونتيجةً للجمود السياسي، فإن واحداً من أصل أربعة منهم يعتبر الهجرة، بدلاً من المشاركة السياسية، حلاً لمشاكلهم، فيما تلجأ قلة إلى التطرّف.
 
تسعة من كل عشرة عاطلين عن العمل في مصر هم دون سن الثلاثين، في حين تُعاني الإناث من معدلات بطالة أعلى بكثير من الذكور، وتنجح نسبة 50 في المئة من الشباب الذكور و10 في المئة من الإناث فقط في العثور على وظيفة في غضون سنتين بعد إنهاء دراستهم. ونتيجةً لذلك، يقضي هؤلاء الشباب سنوات عدة – وعمرهم كله أحياناً - في انتظار الحصول على وظيفة تتوافق ومهاراتهم وتلبّي توقّعاتهم من حيث الراتب. وفي غضون ذلك، يضطرّون إلى تأخير سنّ الزواج والإنجاب، ويعيشون فترة أطول مع والديهم. وتُظهر الإحصاءات أن 60 في المئة من الذكور و47 في المئة من الإناث يظلّون عازبين بعد سنّ الثلاثين.
 
أما الشباب الذين يرغبون في إقامة مشاريعهم الخاصة فسرعان مايفقدون الأمل، إذ تبدو السياسات التي تدعم مشروعات الشباب جذّابة في الصحف الموالية للنظام، بينما الحقائق على الأرض مختلفة. فالظروف الاقتصادية والاجتماعية للشباب المصري تستلزم اتّخاذ إجراءات حكومية صارمة للمساعدة في منحهم شعوراً بالأمل والاندماج، والحيلولة دون حصول المزيد من هجرة الأدمغة أو التطرّف. لكن هذه الدعوة لم تلقَ آذاناً صاغيةً.
 
ثقل ديموغرافي من دون صوت سياسي
 
ثلثا سكان مصر الـ80 مليوناً هم من الشباب دون سنّ الثلاثين. وبوجود هذا العدد الكبير من الشباب، من المنطقي أن تُركّز الحكومة على قضايا الشباب، لكن ذلك ليس واقع الحال للأسف.
 
معظم الشباب المصريين غير منخرطين في السياسة، وهم يُصوّتون في الانتخابات بنسب منخفضة، ويشاركون بقدر أقلّ في الأحزاب السياسية. وقد بيّن مسح على الشباب في مصر، أجرته في العام 2009 منظمة "مجلس السكان" الدولية، أن أقلّ من واحد في المئة فقط من الشباب، في الفئة العمرية مابين 18 و29 عاماً ينتمون إلى أحد الأحزاب السياسية، وأن نسبة 16 في المئة فقط أيضاً من الشباب الذين يحقّ لهم الانتخاب أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة، 21 في المئة منهم من الرجال و11 في المئة من النساء. وكان معظم الذين صوّتوا من فئات الدخل المتوسط والمتوسط الأعلى. وما مِن شك في أن هذه النتائج تعكس خيبة أمل جيل الشباب إزاء غياب حرية التعبير والمشاركة المدنية في البلاد، ناهيك عن أسلوب أداء معظم الأحزاب السياسية الذي عفا عليه الزمن، والذي يعتمد على اللغة والرموز التي لا تحظى بجاذبية كبيرة لدى أبناء الجيل الجديد.
 
ظهرت في الآونة الأخيرة في مصر حركات سياسية شبابية تدعو إلى الإصلاح، مثل حركة 6 أبريل، وأحدثت ضجة في المجتمع وحظيت باهتمام إقليمي ودولي. هذه الحركات تُظهِر كيف يمكن للشباب أن يستخدموا الوسائل السلمية للتأثير على السياسات الحكومية وتغييرها. وقد ساعدت شبكة الإنترنت في توسيع أسلوب حركات الشباب للتعبير عن نفسها وكسر احتكار الدولة لقنوات الاتصال. بيد أن الدولة بقيت غير مستجيبة إلى حدّ كبير، وعمدت إلى اتّخاذ إجراءات صارمة ضدّ بعض أوجه النشاط في شبكة الإنترنت والتعبئة السلمية. ولاتزال خيبة الأمل تفوق أي رجاء في حدوث تغيير حقيقي.
 
بطالة ومستقبل مظلم
 
تُعَدّ البطالة المشكلة الرئيسة التي يعاني منها الشباب في مصر، في ظلّ وجود عدم تطابق كبير بين فرص العمل وبين التعليم الذي توفّره المدارس والجامعات. كما أن معظم الوظائف في مصر هي من نوعية رديئة في إطار القطاع غير الرسمي، ولا تجتذب سوى الأقلّ تعلّماً من الساعين إلى العمل. في المقابل، ينظر الشباب الأكثر تعلّماً من الباحثين عن وظائف إلى الهجرة أكثر فأكثر على أنها الحلّ الوحيد لمشكلة البطالة. 
 
ويزيد انتشار المحسوبية ومحاباة الأقارب مشكلة البطالة سوءاً. فعلى عكس الشباب من ذوي الخلفيات الأكثر ثراءاً الذين يعتمدون على شبكات كثيفة من الوساطات، فإن الذين ينتمون إلى الأُسَر المحرومة عادة ما ينتهي بهم المطاف بالحصول على تعليم ضعيف وفرص عمل دون طموحهم. وبذلك يبدو أن النظام الاجتماعي في مصر يعاني من الخلل، وأن الحركية التي تتيح التدرّج إلى الأعلى في السلّم الاجتماعي معطّلة.
 
بيئة أعمال منفّرة
 
ينجذب معظم الشباب إلى تنظيم المشاريع للهرب من البطالة والوظائف الرديئة. ومع ذلك، يعانون الأمرّين في كثير من الأحيان لإنجاز تلك المشاريع، إذ لا يحصلون على تعليم وتدريب كافيَين لتأسيس وتشغيل مشاريعهم الخاصة بنجاح. وتكشف إحدى الدراسات الحديثة عن أنَّ النظام التعليمي هو واحد من أهم ثلاثة عوامل تعوق إنشاء المشاريع من طرف الشباب في مصر، فيما يبرز غياب الدعم الحكومي وعدم تركيز الاهتمام على احتياجات أصحاب المشاريع الشباب بوصفهما العائقين الثاني والثالث على التوالي.
 
وعلى الرغم من أن الثقافة الوطنية تدعم النجاح الفردي، إلا أنها لا تُشجّع على الاستقلال الذاتي والمجازفة في إطلاق المشاريع. فالعبء الضريبي المفروض على الشركات الصغيرة والمتوسطة كبير، كما أن الافتقار إلى الموارد المالية، وعدم وجود أملاك يمكن أن تستعمل كضمانات، يُقصي فئة واسعة من شباب مصر عن تحقيق مشاريعهم. ومرة أخرى، تساعد العلاقات الشخصية بشكل أساسي في ولوج قطاع الأعمال المصري والنمو فيه.
 
ما الذي يجب أن تفعله الحكومة المصرية؟
 
على الحكومة المصرية أن تُعطي أولوية قصوى لتلبية الاحتياجات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية للشباب. وينبغي أن يشمل ذلك تدّخلاً سياسياً واضحاً في العمل والتعليم وأسواق الائتمان:
 
فأولاً، يجب أن يتأكّد صانعو السياسات من أن المهارات التي تُدرَّس في الفصول الدراسية تتلاءم على نحو أوثق مع احتياجات أسواق العمل، وتدعم قدرات الشباب على ممارسة الأعمال التجارية. وعليهم أن يركّزوا على تشجيع الإبداع والتفكير النقدي ومهارات الاتصال، فضلاً عن تحفيز روح المبادرة والاستقلالية لدى الطلاب.
 
ثانياً، على الرغم من التحسّن الكبير الذي طرأ على تعليم المرأة، فإنها تواجه قيوداً كثيرة في المجتمع عموماً. وعلى السلطات أن تتيح الفرص الاقتصادية والسياسية أمام الفتيات، فتُوفِّر على وجه التحديد فرصاً أفضل للحصول على التعليم والصحة في المناطق الريفية، وتمكيناً سياسياً ومشاركةً أكبر في الاقتصاد. وتتمثّل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه في تشجيع الإناث على المشاركة في عمليات التصويت، فضلاً عن زيادة عدد النساء اللواتي يتم انتخابهنّ وتمكينهنّ من الحصول على موطئ قدم في الحياة السياسية. واستحداث الكوتا النسائية في البرلمان في الآونة الأخيرة، من خلال منح النساء نسبة 12.6 في المئة من المقاعد (64 مقعداً) في مجلس الشعب، إنما يشكّل خطوةً في الاتّجاه الصحيح.
 
ثالثاً، أدخلت مصر بعض الإصلاحات لتشجيع تنظيم الأعمال، مثل تخفيض الحد الأدنى من متطلبات رأس المال وتسهيل تسجيل المنشآت الجديدة. ومع ذلك، لم تُفِد معظم الإصلاحات إلا الشركات الكبرى في العاصمة، إذ لايزال الشباب الذين يعملون في المشاريع الصغيرة يعانون من الإجراءات المرهقة، وصعوبة الحصول على التمويل، وعدم كفاية التنسيق بين الدوائر الحكومية، والروتين الذي يثقل كاهله الفساد وانعدام الشفافية. بالتالي، على الحكومة الاستمرار في تبسيط الإجراءات والأنظمة وتسهيل الحصول على التمويل.
 
رابعاً، ينبغي أن يستحدث القادة السياسيون آليات لتشجيع الشباب على الترشّح إلى المناصب والتصويت في الانتخابات. كما يجب خفض عتبة سنّ شغل المناصب عن طريق الانتخاب - 35 سنة بالنسبة إلى مجلس الشورى (الغرفة العليا في البرلمان)، و30 سنة بالنسبة إلى مجلس الشعب - للسماح للقيادات الشابة بالمشاركة في عملية صنع القرار.
 
باتّخاذ هذه الخطوات، يستطيع صانعو السياسات تشجيع الشباب في البلاد ليكونوا أعضاء منخرطين ومنتجين بشكل كامل في النمو الاقتصادي والسياسي. ومالَم يحدث ذلك، سيجد صانعو السياسات أنفسهم أمام احتمال أن تستمر هذه الأغلبية المنسيّة في الشعور بالغربة عن الشؤون العامة، أو أن تجتذبها الجماعات المتطرّفة التي تستغلّ شعورها باليأس.