تحاول الولايات المتحدة مجدداً، ومن دون الدخول في محادثات مباشرة، ومن دون تجميد إسرائيل للبناء الاستيطاني في الضفة الغربية، حفز الفلسطينيين والإسرائيليين على البحث في المسائل الجوهرية في عملية السلام.
في سؤال وجواب جديد، يُحلِّل مروان المعشر التطوّرات الأخيرة ومايمكن أن تفعله إدارة أوباما لإحراز نتائج.

يوضح المعشر أنه مع نفاد وقت التوصّل إلى حلّ الدولتين، تحتاج واشنطن إلى رسم خطة جديدة للوصول إلى المرحلة النهائية قبل فوات الأوان. ولن يكون ممكناً تجنّب البحث عن مقاربة إقليمية تدفع باتجاه السلام بين إسرائيل والعالم العربي بأسره، لأن الحلّ الثنائي لم يعد ممكناً.

 

ماحجم الانتكاسة التي تسبّب فيها انتهاء المحادثات المباشرة؟

لم يشكّل انهيار المحادثات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين مفاجأةً لأحد. فقد توقّع معظم النقّاد والمحلّلين نهايتها المبكرة حتى قبل أن تبدأ. ومع ذلك، مايدعو إلى الدهشة هو أنه لايبدو أن الولايات المتحدة تُقدِّم أي أفكار جديدة، إذ هي استنفدت الكثير من الوقت في المحادثات غير المباشرة قبل الانتقال إلى المحادثات المباشرة، وها هي تعود الآن، على الفور تقريباً، إلى المحادثات غير المباشرة.

بيد أن المقاربة كلها تحتاج إلى إعادة نظر، حيث من الواضح أن المقاربة التدرّجية الحالية لاتؤدّي إلى إحراز نتائج. ولايمكن لكلا الطرفين تقديم مايريده الطرف الآخر. فلا يمكن للفلسطينيين إعطاء الإسرائيليين مايريدونه بشأن اللاجئين والقدس من دون دعم الحكومات العربية. ولاتستطيع إسرائيل تقديم تنازلات مؤلمة بشأن القدس والقضايا الأخرى في مقابل السلام مع نصف الفلسطينيين.

ثمة حاجة مُلحّة إلى وجود أنموذج جديد، إذ تحّدث آخر خطاب لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بشأن عملية السلام عن العودة إلى المحادثات غير المباشرة، ولكن بطريقة تتم فيها مناقشة القضايا الجوهرية بدل الحديث عن مسألة المستوطنات الإسرائيلية فقط. قد يكون هذا الأمر جديداً، لكن من المبكر جداً قول ذلك. لقد تمّت مناقشة القضايا الأساسية في السابق، لكن من الهام معرفة ما إذا كانت المناقشات تهدف إلى إنهاء الصراع أو ببساطة إلى مجرّد مناقشة هذه القضايا. وهذا الأمر سيؤثّر على المقاربة الأميركية.

لايمكن للولايات المتحدة أن تهرب من الحقيقة بأنها في حاجة إلى وضع أفكارها على الطاولة كي يكون هناك تحرّك جدّي لحلّ الصراع.

لماذا انهارت آخر جولة من المحادثات المباشرة ؟

لم تكن لدى الولايات المتحدة خطة بديلة أو خطة احتياطية عندما فشلت الصفقة مع إسرائيل بشأن المستوطنات، إذ لامعنى لفكرة تقديم حوافز لإسرائيل مقابل وقف البناء الاستيطاني لمدة 90 يوماً، ولايمكن لأحد أن يُفسِّر ماسيحدث بعد مرور 90 يوماً، لأن أحداً لم يكن يتوقّع أن يتم حلّ المشكلة خلال هذه الفترة القصيرة. النتيجة الطبيعية هي أنه بعد انتهاء فترة الوقف المؤقّت للبناء الاستيطاني، سيتمكّن الإسرائيليون من استئنافه برضوخ أميركي على الأقل، إن لم يكن بموافقة أميركية.

ليس أمراً سيئاً أن الصفقة مع إسرائيل فشلت، إذ هي أرسلت إشارةً خاطئةً بشأن الإجراءات التي يتوجّب على إسرائيل القيام بها على أي حال. كان من السهل على الإسرائيليين أن يقولوا لا للأميركيين بسبب عدم وجود ثمن مرفق بالصفقة. وببساطة فإنه لايمكن للفلسطينيين، الذين هم في موقف ضعيف، قبول صفقة تعطي الكثير للإسرائيليين في حين لاتطلب منهم (الإسرائيليين) سوى القليل جداً على صعيد التنازلات.

لم تكن ثمة حوافز لكلا الجانبين للمضي قدماً في الجولة الأخيرة من المفاوضات. وبسبب عدم اضطرارهما إلى دفع أي ثمن، سيجد الجانبان أن من السهل عليهما الحفاظ على مواقفها الحالية.

هل ثمة أي أمل في أن تؤدّي المحادثات غير المباشرة إلى تحقيق انفراج؟

لاجدوى من المسألة برمتها من دون أن تقدّم واشنطن خطة مفصّلة. فهذا ليس عذراً لكلا الطرفين للكفّ عن القيام بالواجبات الخاصة بهما، ولكن هذا هو الواقع ببساطة. وحتى لو كان الإسرائيليون والفلسطينيون جادّين في المضي قدماً، فإنهم لايستطيعون إعطاء الجانب الآخر مايريده في سياق المقاربة الحالية لعملية السلام.

هل سيؤثّر الكونغرس المقبل في الاستراتيجية الأميركية؟

لايزال لدى الرئيس أوباما قدر كبير من حرية التصرّف في السياسة الخارجية، لكن الكونغرس يمكن أن يؤثّر في عملية التمويل. وربما يكون الكونغرس المقبل أقلّ سخاءً في تمويل السلطة الفلسطينية. صحيح أن رئيس الوزراء سلام فياض حظي باحترام العديد من الأميركيين بسبب الإصلاحات التي بدأها في الضفة الغربية، وأصبحت الولايات المتحدة في وقت لاحق من أكبر الجهات المانحة للسلطة الفلسطينية، لكن يبقى أن نرى ما إذا كان الحال سيبقى على ماهو عليه.

هناك الكثيرون ممّن يشعرون بأن الكونغرس المقبل سيكون أكثر تأييداً لإسرائيل، ويمكن لذلك أن ينعكس على المفاوضات. ولكن حتى لو كان ذلك صحيحاً، فإن حلّ الدولتين ليس لعبة الحصيلة صفر حيث يكون الفوز الصافي لأحد الطرفين خسارة صافية للطرف الآخر. ينبغي على الجميع دعم حلّ الدولتين، وبشكل خاص أنصار إسرائيل الأقوياء. وإذا لم يتم حلّ الدولتين، فإن التوقّعات على المدى الطويل ليست في صالح إسرائيل.

هل ستواصل إدارة أوباما إعطاء الأولوية لعملية السلام؟

في حين يرى بعض المحلّلين أن الرئيس أوباما قد ركّز على حلّ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني أكثر من الرئيس الأميركي جورج بوش في ولايته الأولى، إلا أن إعطاء الأولوية لعملية السلام يعني أكثر من مجرّد كلام مُنمَّق. فالالتزام الحقيقي بعملية السلام يعني أنك على استعداد لبذل كل مايلزم لحلّ الصراع، بدلاً من التعهّد بمقاربة تدرّجية أخرى لاتؤدّي في نهاية المطاف إلى أي نتيجة.

لقد حان الوقت لتسوية النزاع، وهو ماسيحتاج إلى اهتمام شخصي وطاقة وجهد من جانب الرئيس الأميركي. بيد أنه لايزال من غير الواضح ما إذا كان الرئيس أوباما راغباً أو قادراً على اتّخاذ الخطوات اللازمة في هذا الشأن.

ما الموقف الإسرائيلي الحالي؟ ولماذا عارضت إسرائيل المساعدات الأميركية لقاء تجميد آخر مؤقّت للاستيطان؟

ثمة أسباب عديدة جعلت إسرائيل قادرةً على معارضة العروض الأميركية السخية. أولاً، الاقتصاد الإسرائيلي في وضع جيد. ثانياً، يوفّر الجدار العازل شبه فصل كامل بين الفلسطينيين ومعظم الإسرائيليين. وهذا يعني أن الكثير من الإسرائيليين لايعتقدون، في المدى القصير، أن الوضع الراهن أمر سيّئ بالضرورة، إذ ليس لديهم حافز أو رغبة شديدة في التوصّل إلى تسوية.

ثمة أيضاً تساؤلات حول ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جاداً في التوصّل إلى اتفاق سلام. فقد أصبح من الواضح أن الحكومة الائتلافية الحالية غير ملتزمة بالتحرك نحو الحلّ النهائي. ومامِن شك في أنه إذا كان نتنياهو يريد التحرّك في اتجاه التوصّل إلى تسوية فمن المؤكّد أنه قادر على القيام بذلك بغالبية كبيرة في الكنيست من خلال ائتلاف مختلف. إذن، هل هو ائتلاف ضرورة أم اختيار؟

وأخيراً، فإن الصراع اليوم هو أكبر من إسرائيل والفلسطينيين، حيث أن حلّ العامل الإسرائيلي-الفلسطيني فقط لن ينهي الصراع الأوسع. ينبغي أن تأخذ المقاربة في الاعتبار الاحتياجات الإقليمية لجميع الأطراف.

مع رفض الفلسطينيين العودة إلى طاولة المفاوضات من دون تجميد الاستيطان، ما استراتيجيتهم للتحرّك إلى الأمام؟

الفلسطينيون في موقف ضعيف للغاية، ولم يبق لديهم سوى القليل من الخيارات. في الماضي، اتُّهِمَ الفلسطينيون بعدم الاهتمام بالتوصّل إلى تسوية في ظل وجود زعيم "متشدّد" - من وجهة نظر الغرب - هو ياسر عرفات. الآن لديهم زعيم فلسطيني معتدل هو محمود عباس. في الماضي، كان الفلسطينيون مُتَّهَمين بالفساد. هم يفعلون الكثير الآن من حيث الحكم الرشيد، حيث يعمل فياض على بناء الدولة على الأرض، إذ قال البنك الدولي إن الفلسطينيين مستعدّون لإقامة دولتهم.

في ظلّ قيود صعبة بشكل لايصدق، فعل الفلسطينيون مافي وسعهم من أجل بناء الدولة على الأرض، ولكن لهذه المحاولة حدوداً، إذ إن خياراتهم محدودة من دون التوصّل إلى تسوية عن طريق المفاوضات. وفي حين يستمر بناء المستوطنات الإسرائيلية، فإن الوضع ليس مستداماً.

لقد نفد الوقت ونحن نشهد الآن تحرّكاً دولياً، حيث تقول بعض الشخصيات البارزة إن العالم في حاجة إلى قبول قيام دولة فلسطينية على أساس حدود العام 1967. وفي حين أن هذا في حدّ ذاته لن يحلّ المشكلة، إلا أنه يشير إلى الإحباط الذي يشعر به الناس في ظلّ عدم وجود تحرّك جاد باتّجاه التوصّل إلى حلّ.

إذا ماوضعنا هذا الأمر في الاعتبار، يمكن للفلسطينيين إما الإعلان عن قيام الدولة من جانب واحد، أو العمل على جعل المجتمع الدولي يقبل قيام دولة فلسطينية. وفي حين أن إسرائيل قد لاتأخذ هذه الخطوات على محمل الجدّ، إذا ما اعترفت بلدان مثل البرازيل والأرجنتين فقط بدولة فلسطينية مستقلّة، فقد يكون الأمر مختلفاً إذا مافعل الاتحاد الأوروبي أو حتى الولايات المتحدة ذلك في المستقبل. وثمة أيضاً حديث عن عصيان مدني سلمي لنزع الشرعية عن الاحتلال. كل هذه الخيارات يجري الحديث عنها، لكنها كلها مثيرة للجدل.

إذا ما انتهى العام المقبل من دون حلّ الصراع، فلن يكون الوضع الراهن مقبولاً أو مستداماً. إذ لايمكن للسلطة الفلسطينية أن تحكم إلى أَجَل غير مُسمّى من دون ولاية جديدة. وفي حين يمكن للجانب الإسرائيلي أن يتعايش مع الظروف القائمة لبضع سنوات أخرى، فإن الفلسطينيين والمجتمع الدولي لن يقبلوا إضاعة سنة أخرى.

كيف تنظر الدول العربية إلى المأزق الحالي؟ وما الذي يتوجّب على الدول العربية القيام به لمساعدة العملية السلمية؟

لا أحد يستفيد من استمرار الصراع العربي-الإسرائيلي. فقد أصبح ارتفاع وتيرة التطرّف في العالم العربي حقيقةً واضحةً للعيان. وعلى الرغم من أن هذا لايمكن أن يعزى كله إلى الصراع العربي-الإسرائيلي فإن عملية السلام التي تعاني من مأزق هي السبب الرئيس للإحباط في جميع أنحاء المنطقة.

كما تأثّرت قضية الإصلاح في العالم العربي باستمرار الصراع. فالعديد من الحكومات تستغلّ الصراع العربي-الإسرائيلي كذريعةٍ لعدم إحراز تقدّم بشأن التحديات الداخلية والإصلاح الداخلي. ولذا فإن حلّ الصراع لن يساعد في تحقيق السلام في المنطقة فقط، ولكن أيضاً في تحقيق الإصلاح العربي.

طرحت الدول العربية في العام 2002 مبادرةً سُمّيَت مبادرة السلام العربية وهي لاتزال قائمةً اليوم. وعدت المبادرة بتحقيق السلام والأمن لجميع البلدان في المنطقة، بما فيها إسرائيل، إذا ما انتهى الصراع. وثمة حاجة إلى دبلوماسية عربية استباقية لترويج المبادرة في المجتمع الدولي وفي أوساط الجمهور الإسرائيلي، وتغيير الأنموذج الحالي بحيث يتم عقد محادثات السلام في سياق إقليمي يوفّر لكلا الجانبين شبكة أمان إقليميةً للتنازلات المؤلمة التي ستكون    ضرورية.

هل يجب على واشنطن الاستمرار في الضغط من أجل التوصّل إلى حلّ ثنائي؟

إن الحلّ الذي يشمل فلسطين وإسرائيل فقط لم يَعُد ممكناً. فالضغط من أجل التوصّل إلى حلّ ثنائي يتطلّب بيئةً لاوجود لها اليوم. وهنا يأتي دور الولايات المتحدة، حيث يمكن لزعامة واشنطن تحديد مسار الوصول إلى حلّ نهائي.

إن المرحلة النهائية من المفاوضات باتت معروفةً، حيث لايبحث الناس عن حلٍّ جديدٍ للصراع. فما هو مطلوب هو وجود إرادة سياسية لرسم مسار الانتقال من حالة الجمود الراهنة إلى الحلّ النهائي. وهذه حالة كلاسيكية لوضعٍ يتطلّب تدخّل الولايات المتحدة، حيث أن الطرفين غير قادرَين على القيام بذلك وحدهما.

خلال سنوات من المفاوضات، حدّد الجانبان تفاصيل وثوابت المرحلة النهائية، لكنهما غير قادرَين على الوصول إلى هناك في الوقت الراهن. فكل استطلاعات الرأي لدى الجانبين تظهر أمرين اثنين: أغلبية واضحة من الإسرائيليين والفلسطينيين تريد حلّ الدولتين، ولكن الغالبية على الجانبين تعتقد أيضاً أن حلّ الدولتين أمر غير ممكن. ويمكن للولايات المتحدة أن تكون الحافز الذي يظهر أن الحلّ ممكن.

إن الولايات المتحدة في حاجة إلى بدء مقاربة إقليمية للتوصّل إلى تسوية بين إسرائيل والدول العربية كافة. المقاربة الإقليمية تعني أن الحكومات العربية ستؤيّد أي اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين يؤدّي إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة على أساس حدود العام 1967. وهذا يعني أن إسرائيل ستنسحب من هضبة الجولان، ويعني تحقيق السلام والأمن لجميع البلدان في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل. وهو يعني تحوّل حزب الله وحماس إلى منظمات سياسية، بما يضمن أن يكون هذا التحوّل مسؤولية عربية.

والأهم من ذلك كله هو أن اتّباع مقاربة إقليمية يعني إعطاء الجانبين شبكة أمان إقليميةً بحيث يعرف الفلسطينيون أنه في مقابل التنازلات التي يقدّمونها لن يُقال إنهم خونة. وسيعرف الإسرائيليون أنهم سيحصلون في مقابل التنازلات المؤلمة على السلام والأمن مع كل المنطقة وخارجها. مع ذلك، فإن هذا لايعني أن الدول العربية الـ22 في حاجة إلى المشاركة في محادثات السلام، أو أن إسرائيل في حاجة للتفاوض مع كل واحدة منها.

ومن شأن المقاربة الإقليمية الجديدة تغيير الأنموذج ووضع عملية السلام على مسار حلّ الصراع، بدلاً من إدارته كما هو حاصل اليوم.