يمثّل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة استكمالاً لعملية طويلة، وقاسية في الغالب، انطلقت منذ أكثر من سنة عندما بدأت الأحزاب عملية التحضير للانتخابات. انتهت العملية المثيرة للخصام، والتي تميّزت بمعارك حول تشكيل التحالفات السياسية، وصياغة قانون جديد للانتخابات، ومحاولة استبعاد مرشحين متهمين بأن لهم علاقات سابقة بحزب البعث، بمعركة استمرت تسعة أشهر لتشكيل الحكومة، تركّزت أساساً على ما إذا كان نوري المالكي سيعود رئيساً للوزراء. وتُبشّر نهاية فراغ السلطة بالخير للبلد، بيد أن حكومة الوحدة الوطنية المُوسّعة ستواجه صعوبة في القيام بمبادرات، وربما تكون غير فعالة. 
 
انتصر المالكي بفضل تعاون الأحزاب الكردية ودعم إيران والولايات المتحدة، اللتان أقنعتا مقتدى الصدر وإياد علاوي، على التوالي، بقبوله. وعندها تمكّن المالكي من تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم وزراء من جميع الكتل والأحزاب السياسية الرئيسة، وبالتالي من كل المجموعات العرقية والطائفية. 
 
ولكي يتم استيعاب جميع الأحزاب، تمت زيادة عدد المناصب الوزارية إلى 42، حيث جرى تخصيص المقاعد على أساس نظام النقاط الذي أعطى قيماً عددية مختلفة للمناصب المختلفة، وضمن حصول كل حزب على عدد من النقاط يتناسب مع عدد المقاعد البرلمانية التي فاز بها. 

فوز للمالكي والصدر

على الرغم من العدالة الحسابية المفترضة للنظام، كان من الواضح أن هناك رابحين وخاسرين. برز المالكي والصدر بوصفهما الرابحين فيما خرج علاوي خاسراً، وحافظت الأحزاب الكردية على وضعها. 
 
سيطرت الأحزاب الشيعية في الأغلب، بما في ذلك ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، على منصب رئاسة الوزراء و24 من المناصب الوزارية. أما كتلة العراقية، فقد فازت في الانتخابات بعدد من المقاعد البرلمانية يزيد بواقع مقعدين عن ائتلاف دولة القانون، لكنها خسرت معركة لتشكيل الحكومة، وخُصّص لها منصب رئيس البرلمان. بيد أن هذا المنصب يمكن أن يصبح بلا معنى إذا ما استمر البرلمان في الإذعان للسلطة التنفيذية، كما هو الحال عموماً في البلدان العربية. كما أن عدم وجود كتلة معارضة لايُبشّر بالخير في هذا الصدد.
 
ربما تظهر انحرافات أخرى، ناجمة عن العدالة الحسابية في تخصيص المناصب، عندما يتم استبدال الوزراء العشرة بالوكالة الموجودين في الحكومة الآن بوزراء دائمين. على سبيل المثال، يفترض أن لائتلاف العراقية الحق في تسمية وزير الدفاع، لكن المالكي أوضح بالفعل أنه لن يقبل إلا وزيراً تكنوقراطياً مستقلاً لهذا المنصب، وقد رفض أول مرشح قدم له لكونه قريباً جداً من علاوي من الناحية السياسية. 
 
احتفظ المالكي شخصياً بالكثير من السلطات لنفسه. فهو رئيس وزراء سابق، وبالتالي كان يتولى منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة. خلال فترة ولايته السابقة، تولى أيضاً السيطرة المباشرة على إحدى الوحدات، لواء بغداد. وبما أن ثلاث وزارات حاسمة ليس لها وزراء في الوقت الحاضر، الدفاع والداخلية والأمن الوطني، فإن المالكي يُسيطر عليها مباشرة كذلك. وفي حين يفترض أن هذا وضع مؤقت – المالكي وزير بالوكالة في جميع المناصب الثلاثة - فإن في وسعه إطالة أمد سيطرته بسهولة من خلال رفض البدائل المقترحة، كما فعل من قبل في قضية وزير الدفاع الذي اقترحته العراقية.
 
كما تعززت مكانة الصدر. فقد كان قراره بدعم المالكي مفتاح تشكيل الحكومة. وأكدت عودته المظفرة من منفاه الاختياري في إيران يوم 4 كانون الثاني/يناير أنه قوة لايستهان بها. فبعد فوزه بـ 40 مقعداً في الانتخابات، أصبح التيار الصدري ممثلاً بصورة جيدة في في الحكومة، ولاسيما في وزارات الخدمات.
 
بيد أن ثمة أيضاً مؤشرات على احتمال أن يكون تم عقد صفقات أخرى. فمنذ أن دعم الصدر المالكي، تمت تبرئة أكثر من 600 شخص، يعتقد أنهم صدريون سجنوا خلال ولاية المالكي الأولى، من الجرائم العنيفة التي اتهموا بارتكابها، وأفرج عنهم من السجون. وتنفي الحكومة أن يكون قد تم التوصل الى صفقة، بيد أن كثيرين من العراقيين يعتقدون خلاف ذلك. وهناك أيضاً إشاعات تقول إن المالكي وعد التيار الصدري بالسيطرة على العديد من المحافظات الجنوبية في مقابل الحصول على دعمه، كما أن تعيين علي ضاوي لازم، من التيار الصدري، محافظاً لميسان أعطى الإشاعات مصداقية إضافية. 
 
بعد طرد التيار الصدري من البصرة في العام 2008، اعتبر المالكي، في العراق وفي واشنطن على حد سواء، زعيماً قادراً على ضبط التيار الصدري. ويُعد التحالف الذي تشكل حديثاً بين المالكي والصدر تطوراً جديداً وهاماً قد يؤثّر بشكل كبير على توجهات البلاد. ولئن كان التحالف قد ضمن نجاح المالكي في تشكيل حكومة، فإنه ينطوي أيضاً على تكاليف كبيرة بالنسبة له. فالبروز الجديد للصدر يثير استياء كثير من السنّة والشيعة الذين كانت عائلاتهم ضحايا للعنف الذي مارسته الميليشيات الصدرية في الماضي. 

خسارة لعلاوي والقائمة العراقية

لقد خسر علاوي. فهو لم ينجح في أن يصبح رئيساً للوزراء، ولم يكن مهتماً في شغل منصب الرئيس أو رئيس مجلس النواب. الحل الوسط، الذي منحه رئاسة المجلس الوطني الأعلى للسياسات الإستراتيجية الذي شُكِّل حديثاً، يحتمل أن يكون صورياً. فقد توخى علاوي أن يكون المجلس الوطني الأعلى للسياسات الإستراتيجية هيئة تتمتع بسلطات تنفيذية من شأنها أن تكون بمثابة ثقل موازن لرئيس الوزراء بشأن المسائل ذات العلاقة بالمصلحة الوطنية. لكن ممثلي ائتلاف دولة القانون يتجاهلون المجلس بوصفه هيئة استشارية فقط. 
 
تصف المسودات المُسرّبة من القانون، الذي يتعيّن أن يسنّه مجلس النواب، المجلس الوطني الأعلى للسياسات الإستراتيجية على أنه هيئة تنفيذية تضم رئيس الوزراء والرئيس ورئيس البرلمان، إضافة إلى نوابهم وأشخاص آخرين يتم تعيينهم. ولكن قرارات المجلس لاتكون مُلزمة إلا إذا وافق عليها 80 في المئة من أعضاء المجلس. وفي ظل حكم من هذا القبيل، فإن رئيس الوزراء وحلفاءه يمتلكون حق نقض قرارات المجلس الوطني الأعلى للسياسات الإستراتيجية. 
 
ولعل ما يزيد في المشاكل التي يواجهها علاوي، أن بعض التصدعات الصغيرة بدأت تظهر في ائتلاف العراقية. فقد كان على الدوام ائتلافاً غير منطقي، حيث يتحدث علاوي، وهو شيعي (وإن كان علمانياً)، بالنيابة عن مجموعة تحصل على معظم دعمها من السنّة. الكثير من أعضاء  الائتلاف يعتقدون الآن أن علاوي أدار المفاوضات بصورة سيئة وأنه لن يكون في المستقبل قادراً أو ملتزماً بما فيه الكفاية بالدفاع عن مصالحهم في البرلمان. ونتيجة لذلك، عمدت التنظيمات المنضوية في العراقية إلى تشكيل كتل مصغرة داخل البرلمان. 
 
كما أن حصول العراقية على منصب رئيس البرلمان لم يُسعف موقف علاوي. فأسامة النجيفي، رئيس مجلس النواب، لا يدين بالفضل لعلاوي، الذي كان يفضّل في الواقع أن يتولى شخص آخر هذا المنصب. وحتى لو نجح النجيفي في أن يصبح رئيساً قوياً للبرلمان، فإن ذلك سيكون مكسباً له، ولكن ليس بالضرورة للعراقية، وبالتأكيد ليس لعلاوي.

تحديات في الإدارة

تواجه الحكومة الجديدة تحديات هائلة للمضي قدماً. ويتعيّن عليها أن تثبت أنها قادرة على الحفاظ على الأمن من دون وجود القوات الأميركية. وعليها مواجهة المطالب الشعبية بتحسين الخدمات، حيث يعد الاستياء من نقص الكهرباء ونقص المياه والصرف الصحي، والرعاية الصحية السيئة والتعليم شواغل مُلحّة؛ وتُسلِّط وسائل الإعلام الضوء على هذه القضايا باستمرار. وهي بحاجة إلى زيادة إنتاج النفط وسن قانون النفط والغاز المتوقف منذ فترة طويلة. كما أن عليها التعامل مع مشكلة كركوك أو إيجاد وسيلة لتأجيل اتخاذ قرار بهذا الشأن فترة أطول، على الرغم من نفاد صبر الأكراد المتزايد.
 
إن تشكيل حكومة وحدة وطنية يُمثّل أداة غير عملية لمعالجة المشكلات الكبرى، ومن المرجح أن يثبت حتى تحالف المالكي والصدر أنه من التعقيد بحيث يعجز عن معالجتها. ويمكن لصعوبة إدارة العلاقات مع جميع الأحزاب والجماعات العرقية والطائفية الممثلة في حكومة الوحدة الوطنية أن تصل بعملية صنع السياسات، بسهولة، إلى طريق مسدود، على حساب معالجة مشاكل البلاد. بدلاً من ذلك، فإن الحاجة إلى التصرف قد تشجع المالكي على تركيز السلطة في يده أكثر، وذلك على  حساب الديمقراطية.