بعد أن اتخذ حزب الله قرارًا بإسقاط حكومة سعد الحريري الأسبوع الماضي، دخل لبنان مرحلةً من الأزمة الممتدة وعلى رأسه حكومة تصريف أعمال. وستشهد هذه المرحلة محاولات متقطّعة لتشكيل حكومة جديدة، علماً أنه تم تأجيل الاستشارات التي كان من المقرّر أن تبدأ هذا الأسبوع. في ظل هذه المعطيات، لا يمكن استبعاد احتمال أن يتم اللجوء إلى الشارع أو حتى استبعاد الاحتمال الأكثر شؤمًا وهو أن يلجأ حزب الله إلى استخدام القوة ليحسم الأمور لصالحه. 
 
فيما يبحث القادة في لبنان وفي المنطقة عن مخرج من المأزق، ينقسم البرلمان بالتساوي تقريبًا ما بين قوى الرابع عشر من آذار التي يترأسها سعد الحريري وقوى الثامن من آذار التي يدعمها حزب الله. ويُعتَبَر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بيضة القبّان في البرلمان، لكنّه ورئيس مجلس النواب نبيه بري قد حضّا الطرفين على تجديد التزامهما بالمفاوضات وإيجاد مخرج توافقي.
 
تشير التطورات المتسارعة إلى تقاطع بين الجدول الزمني للتحقيق الدولي المدعوم من الأمم المتحدة، الذي أوشك على التوصّل إلى خلاصات، وبين إصرار المعارضة على إرساء وضع جديد في لبنان قبل صدور قرار الاتهام. لقد سلك حزب الله والمعارضة حتى اليوم طريق الإجراءات الدستورية، إلا أن السؤال يبقى إذا ما كان حزب الله، بدعم من سوريا وإيران، سيستخدم قوّته العسكرية لفرض واقع جديد بالقوة إذا ما لم تفي الوسائل الدستورية بالغرض.
 
في خطابه الأخير يوم الأحد، كرر قائد حزب الله حسن نصر الله وصفه المحكمة بأنها مسيّسة، مؤكدًا أن حزب الله سيرفض أي محاولات لإلصاق التهمة بأفراد منه. ولطالما كرّر قادة المعارضة أن الوضع قبل صدور القرار الإتهامي سيختلف عن الوضع ما بعد صدوره. ودعمت قوى الثامن من آذار مزاعمها بأن الحريري والمحكمة قد صنّعا الأدلة من خلال بث تسجيلات لاجتماع الحريري مع أحد "شهود الزور" أمام المحكمة. وكانت إفادات هؤلاء الشهود، التي تبيّن لاحقًا أنها مزوّرة، قد أدّت في الماضي إلى اتهام سوريا وسجن أربعة ضباط لبنانيين من الجيش والاستخبارات.
 
وفي ما يخصّ استشارات الأسبوع المقبل لتسمية رئيس وزراء جديد، أفصحت قوى الرابع عشر من آذار عن نيّتها تسمية سعد الحريري لولاية ثانية، فيما قالت قوى المعارضة إنها ستسمّي مرشحًا آخر، هو على الأرجح رئيس الوزراء السابق عمر كرامه. أما كتلة جنبلاط، فقد تنقسم أصواتها بين الطرفين.
 
حتى في تلك الحالة، تفيد آخر التقارير بأن الحريري سيخرج فائزًا من الاستشارات. لكن إذا ما تمّت تسميته، فسيعجز على الأرجح عن تشكيل حكومة في أي وقتٍ قريب، نظرًا للخلافات بينه والمعارضة.
 
أما إذا حصد مرشح قوى الثامن من آذار الأغلبية، فهذه القوى أعلنت أنها ستسعى إلى تشكيل حكومة وحدها بدون قوى الرابع عشر من آذار. ومن شأن تلك الحكومة أن تقطع فورًا كل علاقات لبنان الرسمية بالمحكمة. إلا أن التشنجات سرعان ما ستنشأ في لبنان وفي المنطقة، إذ سيحمّل السنّة حزب الله مسؤولية تجريدهم من تمثيلهم في نظام لبنان الطائفي ذات التركيبة الدقيقة. عندئذ ستكون ردة فعل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر سلبية. حتى أن قطر وتركيا قد أوضحتا بأن أي حكومة جديدة يجب أن تحترم الخطوط العريضة لاتفاق الدوحة الذي أنهى الأزمة الأخيرة في العام 2008، ونصّ على تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون فيها كل الأحزاب والطوائف الأساسية راضية عن تمثيلها. وقد أعادت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، إضافة إلى روسيا والصين، التأكيد على دعمها المحكمة.
 
وإذا ما فشل أي من المرشحين في الفوز بأغلبية واضحة، فسيطلب رئيس الجمهورية المزيد من الوقت لمتابعة الاستشارات الداخلية والخارجية.
 
لكن المفاجئ هو أن الحياة اليومية في لبنان في غضون ذلك ما زالت تأخذ مجراها بشكل طبيعي. ونظرًا إلى تفوّق حزب الله العسكري، من المستبعد أن يحاول منافسوه مواجهته في الشارع. لكن من المرجح أكثر فأكثر أن يبدأ حزب الله باللجوء إلى التظاهرات والاعتصام كما في العام 2007 لممارسة الضغط على رئيس الوزراء والأسرة الدولية، كما لا يمكن استبعاد أن يقوم بالتصعيد. 
 
ولا شك أن الإعلان عن محتوى قرار الاتهام الصادر عن المحكمة الدولية سيكون الضربة التالية التي تُوجَّه إلى النظام. فلقد سلّم مدعي عام المحكمة دانيال بلمار قرار الاتهام المختوم إلى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين. وأمام فرانسين 6 إلى 10 أسابيع لمراجعة الوثائق واتخاذ القرار بشأن الخطوات التالية، لاسيما القرار بشأن إعلان محتوى القرار وتوقيت هذا الإعلان. 
 
إلا أن التكهنات المكثّفة بشأن محتوى القرار تتواصل. إذا ما زعم القرار، كما تفيد بعض التقارير الصحفية، بأن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي أعطى الأمر باغتيال الحريري بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني وسوريا وحزب الله، فستلفّ الأزمة لبنان والمنطقة بأسرها. وستفسّر إيران وسوريا هذه الخطوة على أنها إعلان حرب، فتتخليان عندئذ عن أي حديث عن حكومة "وحدة وطنية" في لبنان، وتحضّان حزب الله على استخدام قوّته للتحرّك ضدّ قوى الرابع عشر من آذار وإرساء واقع سياسي وأمني جديد في لبنان.
 
لكن إذا تبيّن أن قرار الاتهام محدود النطاق، تتزايد فرص التوصّل إلى اتفاق وتشكيل حكومة ائتلافية.
 
تستمر المفاوضات اليوم لإيجاد مخرج من الأزمة، لاسيما من خلال عقد قمة ثلاثية ما بين رئيس الوزراء التركي وأمير قطر والرئيس السوري يوم الاثنين، وقيام وزير الخارجية التركي ووزير الخارجية القطري بزيارة لبنان يوم الثلاثاء. واقترحت تركيا تشكيل مجموعة أوسع للتركيز على الوضع اللبناني، تضمّ المملكة العربية السعودية ومصر وإيران. كذلك، اقترح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تشكيل مجموعة اتصال تضمّ الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وسوريا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا.
 
في ظلّ هذه الأزمة التي تتزامن فيها قضايا العدالة والاستقرار والأمن، وتتقاطع المصالح الطائفية والسياسية والإقليمية والدولية لتشكّل عقدة متشابكة، قد يسوء الوضع قبل أن يتحسّن، ويبدو أن الحلّ بعيد المنال.