في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات الضخمة تجتاح القاهرة، والرئيس حسني مبارك يترنّح، انكب بعض المراقبين الأميركيين، وكرد فعل طبيعي تقريباً، على التشبيه الجزئي بين مايحدث في مصر الآن وبين ما حدث لإيران والشاه في العام 1979. فقد كتب ليزلي غيلب في وقت سابق هذا الأسبوع مقالة بعنوان "انظروا إلى إيران"، جاء فيها أنه إذا ما قُدِّر لجماعة الإخوان المسلمين الاستيلاء على السلطة في مصر، وهو مايعتقد غيلب أنه قد يكون قريباً، فإنه "سيكون من المستحيل تقريباً على الشعب استعادتها منهم". 
في أوقات التغيير السياسي غير المتوقعة، ولكن الخطيرة، في بلدان بعيدة، نتمسك بالمقارنات السياسية كي تساعدنا في فهم مواقفنا واتجاهاتنا. وحتى لو كنا نعلم أن هذه المقارنات منقوصة، فلا يمكننا مقاومة إيحاءاتها المغرية. ولكن، إن لم نكن قادرين على مقاومتها، يمكننا على الأقل أن نختار ما نشاء منها بعناية. فاستحضار إيران بعد الشاه أمر مخيف حقاً، ولكنه مُضلّل بشكل خطير. وثمة مقارنة مختلفة تُوفّر مادة قيّمة أكثر فائدة لطاحونتنا التحليلية غير المستقرة بشأن مصر، تتمثل بإندونيسيا وسوهارتو في أواخر التسعينيات. 
 
تختلف جماعة الإخوان في مصر اليوم كثيراً عن الحركة الإسلامية التي قادها آية الله الخميني، وانتهت بالاستيلاء على السلطة في طهران. فقد نبذت جماعة الإخوان العنف قولاً وفعلاً منذ عقود، وخضعت إلى عملية اعتدال كبيرة. وهي تفتقر إلى وجود قائد ذي شخصية كاريزمية مثل الخميني، كما واجهت بالفعل قيوداً على دعمها الشعبي خلال مشاركتها غير الرسمية في الانتخابات البرلمانية. وقد ركّزت الاحتجاجات الحالية في مصر على الاهتمامات غير الدينية ولم تطرح شعارات أو أهدافاً إسلامية. ومن المؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين ستلعب دوراً هاماً في الحياة السياسية المصرية في مرحلة ما بعد مبارك، بيد أن مصر ليست ناضجة لحدوث ثورة إسلامية متشددة. 
 
في اندونيسيا، هوى الدكتاتور الذي حكم لأكثر من عقدين من الزمن – الذي اعتبر نفسه الضامن الوحيد لاستقرار بلاده وعمل بوصفه حليف واشنطن الثابت - من السلطة بعد موجة قصيرة، ولكن شديدة، من الاحتجاجات التي قادها الطلاب وعدد قليل من المنظمات غير الحكومية التي تمكّنت من البقاء على قيد الحياة في الهوامش الضيقة من الحياة السياسية الإندونيسية. ووقفت إدارة كلينتون مع الطاغية العجوز حتى النهاية المريرة تقريباً، وأطلقت دعوات فاترة للإصلاح، ورفضت تصديق أنه يمكن أن يسقط بسرعة كبيرة، وكانت قلقة للغاية إزاء ما قديحدث من فوضى، أو استيلاء الإسلاميين على السلطة، أو انهيار فعلي للبلاد. 
 
لكن على الرغم من انتقالها المفاجئ والمضطرب، وغياب أي خبرة عميقة لها بالديمقراطية، ووجود أجهزة الأمن مترسّخة وملطخة الأيدي بالدماء، ووقوعها في جوار غير ديمقراطي إلى حد كبير، عبرت إندونيسيا مساراً هشاً، ولكن ناجحاً على نحو لافت، إلى الديمقراطية. واليوم، هي أكبر ديمقراطية في العالم الإسلامي، وتتمتع بنمو اقتصادي سريع في الداخل، وتدعم الديمقراطية بنشاط في منطقتها. 
هناك أربعة أحزاب سياسية إسلامية مُمثّلة في البرلمان الإندونيسي وفي مجلس الوزراء، غير أن حصتها من أصوات الناخبين تقلّصت على مدى السنوات العشر الماضية، حيث انخفضت إلى أقل من 30 في المئة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وقد ترسخت القيم الإسلامية المعتدلة في المجتمع بصفة عامة؛ كما تم تهميش التطرف الإسلامي، بعد أن ضُرِب بعنف. 
 
بطبيعة الحال، يختلف المسار التاريخي لمصر، وتركيبتها الاجتماعية، وأوضاعها الاقتصادية، وشخصيتها الوطنية، في نواح كثيرة عن إندونيسيا. ومع ذلك، فإن قدراً كافياً من خبراتها الاجتماعية والسياسية وهياكلها يشبه ما كان في إندونيسيا قبل عشر سنوات - من مزيجها المتميز بطريقة جديدة من المتظاهرين الشباب المثاليين، والجماعات المدنية، والأحزاب السياسية المعارضة، إلى الجهود التي تبذلها منذ فترة طويلة لتحقيق التوازن بين القيم العلمانية والإسلامية – إلى حد أن عملية التحوّل الديمقراطي في إندونيسيا تمنح بصيصاً من الأمل لمصر. وبناء عليه، يجدر بنا أن نشير إلى بعض مفاتيح عملية الانتقال الناجحة في إندونيسيا. 
 
أولاً، كانت مرحلة التجديد السياسي بعد سوهارتو شاملة على الرغم من الرفض الشعبي القوي للنظام الديكتاتوري السابق. فقد سارع الرئيس المؤقت إلى السماح بحرية التعبير وفتح المجال السياسي. وتمكن الموالون الحزبيون الذين كانوا يحيطون بالدكتاتور من إيجاد دور سياسي جديد لهم من خلال الحزب الحاكم السابق الذي أجرى عملية تغيير، وأكد قدراته التكنوقراطية. وشهد الجيش، الذي لعب دوراً رئيساً في تسهيل تنحية سوهارتو برفضه قمع المحتجين بعنف، تقلّص دوره السياسي إلى حد كبير، ولكن شيئاً فشيئاً، من خلال المفاوضات المستمرة والتسويات. وسمح للأحزاب السياسية من كل نوع بأن تزدهر، على الرغم من الفوضى التي شابت الانتخابات الأولية والحكومات. 
 
ثانياً، بعد إنجاز إطاحة سوهارتو المفاجئة، أصبحت العملية الانتقالية قانونية ومكررة بشكل مكثف. فقد أقحمت إندونيسيا نفسها في مراحل لانهاية لها، فيما يبدو، من الإصلاحات القانونية والدستورية والانتخابية وسواها، نُفِّذَت بروح من التسوية. وتمت ترجمة المفهوم الإصلاحي الغامض، لكن الانفعالي، بشكل تدرجي إلى مؤسسات وقواعد وإجراءات ملموسة. وساعد السعي الجاد لإنجاز هذه الأجندة الإصلاحية المفصلة الإندونيسيين في تحمّل فترة انتقالية تميزت في وقت مبكر بوجود زعيم مشكوك فيه بعد الدكتاتور، وفورات مزعجة من العنف، ومشاكل اقتصادية، وانفصال تيمور الشرقية. 
 
ثالثاً، تغلبت الولايات المتحدة وأوروبا على شكوكها تجاه عملية الانتقال السياسي التي كانت تخشاها منذ وقت طويل، وقدّمت مساعدة قيّمة لدعم الانتخابات، وتطوير الأحزاب السياسية، وتعزيز المجتمع المدني، والإصلاح القانوني. ربما لم تحاول الجهات الفاعلة الخارجية أبداً، بسبب مساحة إندونيسيا الكبيرة وعزلتها الجغرافية النسبية، جزئياً، توجيه العملية، ولكنها قبلت بدلاً من ذلك القيام بدور متواضع وهادئ، ولكن ثابت أيضاً، بوصفها شريكاً نافعاً. وساعدت خبرة الاندونيسيين الإيجابية مع المساعدة الخارجية في الإسهام في تصميمهم الرائع ليصبحوا أنصاراً فعليين للديمقراطية في منطقتهم. 
 
مامن مقارنة ستكشف تماماً الطبيعة الحقيقية للأوقات الصعبة التي تواجهها مصر مستقبلاً. سوف يكون مسارها مزيجاً معقداً من التحولات السياسية من جوانب عديدة. ولكن، وفيما نبحث عن وسائل لفهم ما لم يكن متصوراً منذ فترة طويلة في دوائر السياسة الأميركية، يتعيّن علينا تجنّب سيناريوهات التخويف المفرطة في التبسيط الناجمة عن مقارنات تم اختيارها على نحو رديء. فهي، في المحصلة، السيناريوهات نفسها التي أدت بسياسة الولايات المتحدة إلى تجنب الحقائق التي كان يجب أن تبدأ في مواجهتها بجدية في مصر والعالم العربي بشكل عام، منذ سنوات مضت. وسيكون من قبيل الحكمة أن ننظر إلى إندونيسيا كمثال على الكيفية التي يمكن أن تنجح من خلالها عملية التحول الديمقراطي في بلد مسلم.