في حين لايزال حجم الاحتجاجات في اليمن حتى الآن متواضعاً مقارنة بتلك الموجودة في مصر وتونس، فإن تأثيرها بالنسبة إلى بلد على حافة الفشل بالفعل يمكن أن تكون كبيرة. إذ يواجه اليمن العديد من الصراعات الداخلية: الحركة الانفصالية التي تزداد عنفاً في الجنوب، والتمرد الحوثي الذي مضت عليه سبع سنوات في منطقة صعدة الشمالية، والنشاط الكبير لتنظيم القاعدة الذي يشهد طفرة جديدة. بيد أن مايهدد مستقبل اليمن أكثر على المدى الطويل هي المشاكل الاقتصادية الخطيرة، المتمثلة بالفقر المتوطن، والمعدلات المرتفعة والمزمنة للبطالة، التي يفاقمها الفساد المستشري والنمو السكاني المُتفجّر. 
 
في ظل هذه الظروف، فإن حركة الاحتجاج التي تتحدى قبضة الرئيس علي عبدالله صالح على السلطة لاتهدد النظام وحشب، بل تهدد الدولة أيضاً، ويحتمل أن تسرّع وتيرة انهيارها. هذه مسألة تثير قلقاً بالغاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. فتنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، الذي يتمركز في اليمن، هو العقدة الأكثر نشاطاً في التنظيم الإرهابي، كما أن إضعاف اليمن أكثر سيزيد في صعوبة جهود احتواء القاعدة في جزيرة العرب. 
 
الاحتجاجات في اليمن لاتزال محدودة نسبياً من حيث حجمها، وغير عنيفة في معظمها حتى الآن، حيث قُدّر عدد المشاركين بـ 16.000 في احتجاجات سابقة في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي. وقد ازداد حجم المظاهرات التي أعقبت ذلك، وامتدت متجاوزة العاصمة صنعاء لتصل إلى مدن أخرى. ويمكن أن تتصاعد الاحتجاجات بسهولة لتتحوّل إلى مواجهة عنيفة. إذ ينتشر امتلاك الأسلحة الفردية الصغيرة على نطاق واسع، وهناك ما يقدر بـ 60 مليون قطعة سلاح لـ 23 مليون نسمة. 
 
علاوة على ذلك، فإن الجيش وقوات الأمن اليمنية ليست مجهزة للتخفيف من الاحتجاجات وتجنب المواجهة المفتوحة، ولكن لحسن الحظ أنها مارست ضبط النفس حتى الآن. فقبل اندلاع مظاهرات 3 شباط/فبراير، على سبيل المثال، أقيمت نقاط تفتيش في محيط صنعاء للبحث عن أسلحة، وتمركزت وحدات النخبة من الجيش حول المنشآت الحكومية الرئيسة. وحاصر رجال القبائل الموالون للحكومة (يفترض أنهم مسلحون تسليحاً جيداً) من خارج صنعاء ميدان التحرير، وأعلنوا أنهم سيوقفون المتظاهرين إذا حاولوا الاقتراب منه. كان ثمة خطر حقيقي لوقوع أعمال عنف. ومع ذلك، تم نزع فتيل الأزمة عندما أعلنت المعارضة، في وقت متأخر من ذلك اليوم، خطتها لنقل المظاهرات إلى جامعة صنعاء. وفي نهاية المطاف، تردد أنه لم تحدث سوى مناوشات قليلة في صنعاء خلال احتجاجات 3 شباط/فبراير. ولايزال رجال القبائل الموالون للحكومة يحتلون ميدان التحرير ويطلبون من أحزاب اللقاء المشترك المعارضة قبول تنازلات الرئيس صالح. 

تنازلات الحكومة ورد المعارضة 

بعد وقت قصير من سقوط حكومة الرئيس بن علي في تونس، أعلن نظام صالح مجموعة من التنازلات الاقتصادية التي تهدف إلى تهدئة المطالب المتزايدة. وقد سعى النظام إلى الحفاظ على ولاء الجيش وقوات والأمن من خلال زيادة الأجور، وحتى الحصول على الغذاء والغاز مجاناً. وقد عالج هموم موظفي الخدمة المدنية من خلال وضع زيادات رواتب الموظفين الأقل أجراً، التي كان مقرراً تطبيقها أصلاً في تشرين الأول/أكتوبر 2011، موضع التطبيق الفوري. وخفض ضريبة الدخل بمقدار النصف، وورد أنه زاد بعض الإعانات، ووضع ضوابط جديدة على الأسعار. وخفضت الحكومة أيضاً رسوم التعليم الجامعي بالنسبة إلى الطلاب المسجلين حالياً، وأعلنت خطة لمساعدة الخريجين الجامعيين الجدد في العثور على عمل. وأخيراً، وسعت الحكومة معونات الشؤون الاجتماعية لتشمل نصف مليون أسرة إضافية. 
 
عندما لم تفلح التدابير الاقتصادية في تهدئة مشاعر الاستياء، لجأ الرئيس صالح إلى التنازلات السياسية استجابة لتشجيع واشنطن، إن لم يكن لإلحاحها على ما يبدو. ففي خطاب ألقاه أمام البرلمان ومجلس الشورى في 2 شباط/فبراير، أعلن صالح أنه لن يرشح نفسه لإعادة انتخابه في العام 2013، وأن ابنه الأكبر والوريث المفترض، العميد أحمد علي عبد الله صالح قائد الحرس الجمهوري، لن يترشح للرئاسة أيضاً. كما "جمّد" تنفيذ تعديل دستوري مثير للجدل يلغي القيود على عدد فترات الرئاسة. 
 
وأعلن صالح أيضاً أنه سيتم الآن انتخاب حكام الاقاليم مباشرة بدلاً من انتخابهم بشكل غير مباشر من قبل المجالس المحلية، وهو مايعتبر تغييراً غير ملحوظ ولكنه هام. وسوف يعتمد استقرار اليمن، في جزء كبير منه، على مزيد من الحكم الذاتي المحلي وتحويل السيطرة من العاصمة إلى المحافظات، الأمر الذي سيتطلب وجود قادة أقوى على المستوى المحلي. وأخيراً، دعا صالح إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وإعادة إطلاق عملية الحوار الوطني المتوقفة، وأجَّل الانتخابات البرلمانية التي كانت مقررة في نيسان/أبريل من هذا العام لإتاحة الوقت للتحضير لها بشكل مناسب. 
 
على الرغم من أن النظام حقق جميع مطالبها تقريباً من الناحية الشكلية، رفضت المعارضة التنازلات على الفور، لأنها لاتثق بأن الرئيس سيفي بوعوده. إذ كان صالح تعهد سابقاً بألا يسعى لإعادة انتخابه، إلا أنه عاد في كلامه مرات عديدة. علاوة على ذلك، شعر المتظاهرون أن الانتخابات الرئاسية في العام 2013 بعيدة جداً لإحداث التغيير الفوري الذي كانوا يأملون فيه. بدلاً من ذلك، تعهدت المعارضة بمواصلة التظاهر كل يوم خميس من شهر آذار/مارس. 

تصاعد الاحتجاجات لا يشكل تهديداً فورياً للنظام

بدلاً من تخفيف حدة التوتر، يبدو أن خطاب صالح يوم 2 شباط/فبراير قد شجّع المعارضة. فقد استقطبت الاحتجاجات في اليوم التالي أعداداً كبيرة من المشاركين، زادت عن 20.000 في صنعاء، إضافة إلى احتجاجات مماثلة في سبع من المحافظات الإحدى والعشرين. نزلت الحشود إلى الشوارع في محافظات إب وتعز، بينما اعتقلت الشرطة المحتجين في عدن، وفي المكلا استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وفتحت النار على المتظاهرين. 
 
لم تهدد الاحتجاجات في اليمن حتى الآن النظام إلى حد كبير. وخلافاً لما حدث في القاهرة وتونس، فإن الاحتجاجات في صنعاء ليست ذات قاعدة عريضة. فالمعارضة مشتتة وسيئة التنظيم، والبلد يفتقر إلى وجود طبقة وسطى كبيرة. انتشار الإنترنت منخفض، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أقل شيوعاً بكثير في اليمن، حيث استخدم منظمو الاحتجاجات الرسائل النصية والكتيبات بدلاً من موقعي "تويتر" و"فيسبوك". وعلى العموم، فإن الاضطرابات الحالية لاتعدو كونها مناورات بين النخب في البلاد، في سياق سعيها إلى تعزيز مواقفها التفاوضية، وليست ثورة يقودها الشعب.
 وعلى الرغم من ذلك، ليس معروفاً كيف أن هذا الوضع قد يتغيّر في الوقت الذي تتواصل فيه الاحتجاجات وتمتد. فحتى الاحتجاجات المحدودة ، قد يكون لها تأثير عميق على دولة هشة مثل اليمن. التحدي الأكبر لاستقرار اليمن يتمثّل في التدهور السريع للاقتصاد، الذي يؤدي إلى تفاقم كل مشكلة أخرى. البلد يواجه عجزاً في الميزانية بنسبة 27 في المئة هذا العام، ومن المتوقع أن ينفد النفط، الذي يشكل أهم مصدر للدخل، في العقد المقبل. وعلاوة على ذلك، انخفضت احتياطيات العملات الأجنبية في العام  2010 بأكثر من 500 مليون دولار (ما يقرب من 10 في المئة). ولن تؤدي تدابير الرعاية الاجتماعية الشعبية غير الممولة التي أعلنتها الحكومة لتهدئة المتظاهرين، إلا إلى تفاقم العجز وتسريع الانهيار الاقتصادي في اليمن الذي يلوح في الأفق. 
 
إن تبعات انهيار الدولة في اليمن بالنسبة إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي هامة لأن هناك اهتماماً مباشراً بمكافحة الإرهاب في اليمن. إذ تشكّل القاعدة في شبه جزيرة العرب تهديداً مباشراً للمصالح القومية للولايات المتحدة، وهي معروفة الآن بوصفها أخطر تهديد من بين كافة فروع تنظيم القاعدة في المنطقة. 
 
ثمة خوف في واشنطن وأماكن أخرى من أنه إذا ماكانت الحكومة اليمنية تركّز على قمع الاضطرابات السياسية الداخلية (وتكرس المزيد من الموارد العسكرية للبقاء في السلطة)، فلن تركز على التعامل مع القاعدة في شبه جزيرة العرب. ونتيجة لذلك، فإن أمن الولايات المتحدة قد يدفع الثمن. يمكن انتقاد نظام صالح من وجهات نظر عديدة، ولكن في هذه المرحلة لا أحد في واشنطن أو لندن أو بروكسل أو الرياض يرغب في أن يرى الحكومة وقد أطيح بها، لأنه لايوجد في الوقت الراهن أي بديل قابل للتطبيق، أو خليفة معين لصالح. فزيادة عدم الاستقرار في اليمن ستؤدي إلى توسيع رقعة الأماكن التي لاتسيطر عليها الحكومة في البلاد، ويمنح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب مجالاً أكبر لتدبير وتخطيط وشن عمليات على المستويين الإقليمي والدولي.