فاجأت الاضطرابات التي حدثت في العالم العربي واشنطن في وقت لم تكن مستعدة لها. وفي حين يحاول القادة العرب تضييق الخناق على الاضطرابات الداخلية، من الضروري أن ندرك أن الأمور لايمكن أن تستمر كالمعتاد. فالولايات المتحدة تحاول الآن اللحاق بالركب، والتفاعل مع التطورات. لكن يتعيّن عليها أن تسبق سياق الأحداث في المنطقة وتساعد في دعم التحرّك نحو الإصلاحات الديمقراطية التي تشتد الحاجة إليها. 
 
لقد دعا الرئيس باراك أوباما إلى البدء في عملية انتقال ذات معنى وسلمية للسلطة في القاهرة على الفور. وللأسف، فشلت إدارة أوباما في البداية في استغلال الفرصة المتاحة في مصر، ماجعل من الصعب عليها تغيير مسارها في غضون أسبوع واحد. 
 
بعد تجاهلها للقضايا الأساسية على مدى سنوات، بات من الصعب على واشنطن أن تظهر كطرف جدير بالثقة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، ما لم تكن سياستها الجديدة متسقة ومستدامة، وتنظر إلى عملية الإصلاح بوصفها واحدة من القضايا الرئيسة. 
 
عندما تولى أوباما منصب الرئاسة، تخلى عن الكثير من سياسات الإدارة السابقة. فقد كان يُنظَر الى الرئيس جورج بوش على أنه يسعى إلى فرض الإصلاح في العالم العربي من الخارج. قاومت بلدان وشعوب المنطقة هذه السياسة على نحو مبرر، وخاصة بعد الحرب في العراق والتراجع المفاجئ عن سياستها التي جاءت بحماس إلى السلطة في الأراضي الفلسطينية وبمرشحي جماعة الإخوان المسلمين إلى البرلمان المصري. 
 
وهكذا غيّر أوباما مساره. مقاربته الجديدة لم تُركز أبداً تقريباً على الإصلاح العربي، مايعطي الكثيرين في منطقة الشرق الأوسط الانطباع بأن الديمقراطية وانفتاح النظم السياسية في المنطقة لم يعد من أولويات واشنطن. وقد ألحق هذا المزيد من الضرر بمصداقية واشنطن في نظر الشعوب العربية. 
 
في حين يتعيّن أن يأتي التغيير، بشكل لايمكن إنكاره، من الداخل، فإن صمت إدارة أوباما ساهم - وإن لم يكن تسبَّب – في تراجع عملية الإصلاح العربي في السنوات الأخيرة. ولذلك فإن مقاربته المقابلة لم تنجح هي الأخرى أيضاً. 
  
يتعيّن على واشنطن عدم فرض الإصلاح بالقوة - الانخراط على طريقة الأخ الأكبر - أو اختيار الانسحاب الكلي. بدلاً من ذلك، هي في حاجة إلى إيجاد نوع من التوازن بين هذين النقيضين. 
 
ليس ثمة من سبب يفسّر لماذا لايمكن أن تنخرط الولايات المتحدة مع الدول العربية في حوار جاد حول عملية إصلاح تدريجية مطردة يمكن أن تؤدي إلى انفتاح سياسي جديد، وتعزيز تقاسم السلطة. فهذا يمكن أن يساعد في استقرار العالم العربي ويحدّ من احتمال وقوع أزمات في المستقبل. 
 
في الماضي، ركّزت واشنطن على عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية وغيرها من الاهتمامات في علاقاتها مع الدول العربية، بدلاً من التركيز على الإصلاح الديمقراطي. وبدا أن التفكير الإستراتيجي الأميركي يتمثّل في أنه إذا كانت دولة عربية مثل مصر معتدلة بشأن محادثات السلام، فإنه يتعيّن على واشنطن أن تخفّف من القلق بشأن التقدم الديمقراطي الذي تحرزه تلك الدولة. 
  
لكن يجب الآن أن تشمل أي سياسة جديدة كلتا المسألتين. فما نفع حليف يفقد التأييد الشعبي؟ هذا لن يساعد عملية السلام، أو يهدّئ المخاوف تجاه إيران أو أي شيء آخر. 
 إن البحث عن قيادة بديلة في مصر وتونس هو نتيجة مباشرة لسياسة الأنظمة المتمثلة بعدم إتاحة أي فضاء سياسي لظهور مثل هؤلاء القادة.
 
هذا لم يَحُل دون حدوث التغيير. بيد أنه لابد أن يتم خلق مثل هذا الفضاء، بحيث لاتواجه الولايات المتحدة ولا دول الشرق الأوسط فراغاً في القيادة يمكن أن يعقّد أي عملية انتقال منظم للسلطة. وثمة حاجة واضحة لإصلاح سياسي يساعد على خلق بدائل للنخبة السياسية المتحصنة والمعارضة الإسلامية. 
 
كثيراً ماجادل قادة المنطقة المستبدون في أن النظم السياسية تتطلّب رقابة مشدّدة لمنع الإسلاميين من الاستيلاء على السلطة. غير أن الاضطرابات في تونس ومصر لم يقدها الإسلاميون، بل كان الشعب هو الذي يوجهها. ومن غير المرجح أن يتزعم الإسلاميون حكومات خرجت للتو من أزمات. ويتعيّن على الأنظمة ألا تستخدم الخوف من الإسلام لتبرير القمع، لأن الأنظمة المغلقة لاتترك للمواطنين أي وسيلة للتعبير عن احتياجاتهم ورغباتهم. 
  
ومن الواضح أيضاً أن تأييد الولايات المتحدة القوي، والمساعدات التي تقدمها، ليس كافياً كي تتشبث الأنظمة بالسلطة. فلن يأتي الاستقرار الحقيقي من خلال الحكم الاستبدادي، ولكن من خلال تقديم الدعم لعملية إصلاح سياسي من الداخل تمكّن شعوب المنطقة وتساعدهم على الشعور بأنهم مواطنون لا رعايا. 
 
حتى الآن، كان دعم الولايات المتحدة للإصلاح، بشكل أساسي، من خلال "برامج دعم الديمقراطية"، والتي لم تقدم ما هو أكثر من دعم برامج مرتجلة، لم تساعد على خلق عملية إصلاح ذات مصداقية. ويتعين على العالم العربي والولايات المتحدة الآن الكفّ عن التظاهر بأنهما منخرطين في عمليات إصلاح جادة من خلال هذه البرامج التي لا تعزز المؤسسات السياسية للبلدان المعنية. 
  
بدلاً من ذلك، ثمة مجال لجهد تعاوني صريح تقوم به واشنطن وبلدان المنطقة لدعم عملية شاملة غير مجزأة. وهذا يتطلب إستراتيجية مستدامة وطويلة الأجل يمكن الاتفاق عليها مع دول المنطقة، إستراتيجية تمتد فترة أطول من دورة الانتخابات الأميركية البالغة أربع سنوات. 
  
ومع اقتراب نظام مبارك من نهايته في مصر، والثورة في تونس، وإقالة الحكومة في الأردن، والاحتجاجات في اليمن وولادة دولة جديدة في السودان، يبدو من الواضح أن واشنطن بحاجة إلى التكيّف مع التغيرات الجارية في العالم العربي والتي لايمكن وقفها. 
  
قد تكون واشنطن فوجئت بالاحتجاجات في مصر، لكنها تملك الآن فرصة لإعادة النظر في سياساتها ومساعدة الدول العربية على البدء في عملية إصلاح سياسي حقيقية ولكن تدريجية. وهذا من شأنه المساعدة في خلق الاستقرار والسلام والديمقراطية في الوقت نفسه.