مثّلت إزاحة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك من السلطة لحظات تاريخية للعالم العربي بأكمله. بيد أن الأنظمة القديمة - جبال الجليد المغمورة من العلاقات الشخصية والمؤسسات والمصالح المشتركة التي كان الرؤساء وحاشيتهم المباشرة يمثّلون قممها الظاهرة - لاتزال موجودة، وهي تقاوم من أجل الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من السلطة والسيطرة. نحن لا نزال في الأيام الأولى فقط من عملية تحول طويلة، ولكن يبدو من الواضح أن معركة تفكيك الأنظمة ستكون صعبة. وفي هذه المعركة، تظل احتجاجات الشارع عنصراً أساسياً. 

تشير الخطوات المبكرة التي قام بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية إلى أنه يعتزم الحفاظ على أمكنه من النظام. فقد أعلن المجلس أن الحكومة الحالية، التي تتألف كلها من أشخاص عينهم مبارك، ستبقى في السلطة حتى نهاية الفترة الانتقالية التي تستمر لمدة أقصاها ستة أشهر. وعمد المجلس إلى حل البرلمان وإلغاء الدستور، وهي تدابير طالبت بها المعارضة لأن الانتخابات البرلمانية التي أجريت العام الماضي زُوِّرت إلى حد غير معقول، كما تم إعداد الدستور لحماية النظام من المنافسة الحقيقية وإدامة سلطته. 

بيد أن الجيش لم يعط أي إشارة تدل على أن أي شخص باستثناء الخبراء المنحازين إلى صف الحكومة سيشارك في صياغة الدستور الجديد، وأعلن أن الدستور سيكون جاهزاً في غضون عشرة أيام، على أن يجرى استفتاء شعبي للمصادقة عليه في غضون شهرين. هذا الجدول الزمني لايتيح الوقت الكافي لإجراء مشاورات واسعة مع المعارضة، وفترة من النقاش العام بشأن وثيقة الدستور. فمن دون التشاور والمناقشة، سوف يكون الاستفتاء الشعبي بلا معنى مثلما كانت الاستفتاءات في مصر على الدوام. وإذا ما جرت الانتخابات في غضون ستة أشهر، كما أعلن المجلس العسكري، فإن أحزاب المعارضة التي تعرضت إلى فترة طويلة من القمع، وبالتالي فهي ضعيفة، لن تكون مستعدة بشكل جيد عندما يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع. وبعبارة أخرى، تبدو هذه الخطة مصممة بعناية للحد من التغيير، وليس لتشجيعه. 

ربما يضطر الجيش لتعديل خطته. إذ يبدو من غير المحتمل أن ترضى أحزاب المعارضة والمحتجون بالسماح للجيش، الذي لا يزال يتزعمه الموالون لمبارك وأعضاء الحكومة الذين عينهم مبارك، بأن يحكموا بمفردهم لفترة الستة أشهر المقبلة، ويضعوا قواعد جديدة للعبة. لكن الإصلاحات المقترحة حتى الآن تظهر أن النظام يريد أن يستمر. 

تونس، التي أمضت إلى الآن شهراً في العملية الانتقالية، تُقدّم فكرة عن مدى صعوبة تفكيك نظام راسخ بشكل جيد. وكما هو الحال في مصر، أجبر النظام الرئيس على الاستقالة من أجل حماية نفسه. كان استمرار النظام لافتاً للنظر، حيث حلّ رئيس البرلمان فؤاد المبزع محل الرئيس بن علي، وبقي رئيس الوزراء محمد الغنوشي في منصبه. كما بقي معظم الوزراء أيضاً في مناصبهم السابقة. ولم تسفر محاولات إضافة بضعة أعضاء جدد - من أحزاب المعارضة الصغيرة والنقابات - إلى الحكومة، عن الكثير، في البداية، لتغيير وجه الحكومة. في الواقع، استقال معظم الوزراء المعينين الجدد، بمن فيهم أولئك الذين ينتمون إلى النقابات العمالية الرسمية. 

منذ تلك المحاولة الأولى، يشن أعضاء النظام القديم معركة هادئة كي يظلوا مسيطرين، في الوقت الذي يدخلون فيه تغييرات كافية لتهدئة المحتجين. استقال الرئيس ورئيس الوزراء من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم على الفور تقريباً، وفي نهاية المطاف فعل كل وزراء الحكومة الآخرين، الذين تم ترحيلهم من الحكومة السابقة، الشيء نفسه. تم حل اللجنة المركزية لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي، وفي وقت لاحق تم  "تعطيل" الحزب نفسه. وقد حاول اتحاد النقابات العمالية الذي تسيطر عليه الحكومة إعادة صياغة نفسه كمدافع عن حقوق العمال والمحتجين، ولكن من دون تجديد قيادته. 

في نهاية المطاف تم تشكيل حكومة جديدة، ولكن لايزال الغنوشي رئيساً للوزراء والمبزع رئيساً للبلاد. العملية لاتزال مستمرة، ومن المستحيل أن نعرف كم من التنازلات الإضافية سيتوجب على النظام تقديمها قبل أن تمتلك الحكومة مظهراً جديداً يكفي لأن تكون مقبولة، ولكن من الواضح أن الحرس القديم لن يقدم إلا أقل ما يمكنه من تنازلات. 

حتى الآن، تبعث نتيجة العمليتين الانتقاليتين في كل من تونس ومصر على القلق: تمت إطاحة رئيسين لكن النظامين القديمين لايزالان موجودين. في تونس، لا يزال صناع القرار السياسي السابقين يحاولون البقاء مسيطرين، ويقدمون التنازلات على مضض عندما لايكون لديهم خيار فقط. في مصر، كل السلطة الآن في أيدي المؤسسة العسكرية التي لم يتم إصلاحها بعد. 

إن إزاحة زين العابدين بن علي ومبارك لم "تحن قوس التاريخ"، كما أعلن الرئيس أوباما بشاعرية لكن قبل الأوان، حتى الآن على الأقل. الكفاح من أجل التغيير الحقيقي لم ينته بعد. وسوف تواجه الولايات المتحدة مرة أخرى الخيار الصعب بين الأمن الكاذب الناجم عن دعم حلفاء قدامى، يتم جعلهم أكثر قبولاً من خلال مظهر خادع من الإصلاحية، وبين عدم اليقين من حدوث تغيير حقيقي في الأنظمة يمكن أن يؤدي إلى الديمقراطية.