يأمل المصريون الذين يسعون إلى بناء مستقبل جديد بعد حكم حسني مبارك في الاستفادة من، وكذلك تصحيح، العيوب الكامنة في التقاليد الدستورية الموجودة في البلاد منذ فترة طويلة. فخلال الأيام التي مضت منذ تولي مجلس عسكري السلطة من الرئيس مبارك، سارعت المعارضة السياسية في البلاد إلى التعبير عن مطالبها بلغة النصوص والإجراءات القانونية الجافة. 
 
الدستور الحالي تم سنّه للمرة الأولى في العام 1971، وجرى تعديله مرات عدة في السنوات التالية، لكن أصوله تعود الى قرن خلا. وقد بذلت أول محاولة دستورية في مصر في العام 1882، عندما وافق مجلس نيابي على قانون أساسي لتنظيم علاقته مع الحكومة. في العام 1923، عندما حصلت البلاد على استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية، تمت كتابة وثيقة ثانية وأكثر شمولاً للجمع، ولو على نحو مرتبك، بين نظام برلماني ونظام ملكي. 
 
عندما تم إلغاء دستور العام 1923، في أعقاب انقلاب عسكري العام 1952، شرع علماء القانون في مصر في العمل على وضع دستور جمهوري قائم على القيم الليبرالية والديمقراطية. ومع ذلك، فقد تم وضع عملهم على الرف في العام 1954، على يد حكام البلاد العسكريين الجدد، الذين أصدروا، بدلاً من ذلك، سلسلة من الوثائق لخدمة احتياجاتهم الإيديولوجية والمؤسسية. هذه القواعد الجديدة نقلت النظام السياسي المصري إلى أيدي نظام الحزب الواحد، الذي بقيت فيه كل السلطة في يد جمال عبد الناصر، رئيس مصر حتى وفاته في العام 1970. 
 
في العام 1971، حصلت مصر على دستور جديد، كان من شأنه أن يثبت أنه وثيقة أكثر تعقيداً وأطول عمراً. عندما خلف أنور السادات ناصر وجد نفسه في مواجهة منافسين في مختلف المؤسسات، كما هو الحال في الحزب السياسي الوحيد والجهاز الأمني. وفي الوقت نفسه، كان السادات يتطلع إلى إعادة تقويم إيديولوجية النظام، والابتعاد رويداً رويداً عن الاشتراكية باتجاه الدين. وأدرك أن بالإمكان معالجة كلتا المشكلتين  من خلال إقرار دستور جديد. دعا السادات لجنة واسعة ومتنوعة بشكل ملحوظ للاجتماع معه، ضمت دعاة المساواة بين الجنسين وعلماء الشريعة الإسلامية والليبراليين والاشتراكيين والقوميين، وممثلين عن الكنيسة المسيحية. على العموم، تحركت المجموعة في الاتجاه الذي أراده السادات: إضعاف الحزب، وتعزيز المؤسسات القانونية بشكل صوري، ووعد المصريين بالابتعاد عن أعنف مظاهر الاستبداد الناصري. 
 
كانت النتيجة إصدار وثيقة دستورية وعدت الجميع بالقليل، ولكن بكل شيء لرئيس الجمهورية. تضمّن الدستور ضمانات للحريات الفردية والإجراءات الديمقراطية، واستقلال القضاء. وكان ينطوي على إيماءات نحو الاشتراكية والإسلام. لكن في مقابل كل التزام، كان ثمة أيضاً باب خلفي؛ ومقابل كل حرية، كان ثمة ثغرة لم تفعل شيئاً يذكر في نهاية المطاف لكبح جماح سلطة الرئيس أو الجهاز الأمني الحازم في البلاد. 
 
على مدى العقود الأربعة التالية، عبث رؤساء مصر بنص الدستور. اتخذ السادات المزيد من الخطوات ضد الاشتراكية، وقدّم المزيد من التنازلات إلى الإسلام، وقام بتفكيك نظام الحزب الواحد والاستعاضة عنه بنظام سياسي تعددي من الناحية الشكلية تمتَّع فيه حزب الرئيس - الحزب الوطني الديمقراطي المنهار اليوم - بدور مهيمن. وفي مقابل كل خطوة إلى الأمام، كان ثمة خطوة الى الوراء: بعد حلّ الحزب الوحيد الذي كان يسيطر على الصحافة، تم نقل السلطة عليها، في العام 1980، إلى مجلس دولة جديد للصحافة. 
 
ترك مبارك الدستور وشأنه طيلة معظم فترة رئاسته، بحجة أن مصر في حاجة إلى الاستقرار بدلاً من المزيد من الدوران الإيديولوجي والمؤسسي. لكن مصر تغيرت في بعض الجوانب تدريجياً، في اتجاه الليبرالية أحياناً. قام مبارك بتوسيع نطاق التعددية الحزبية المحدودة التي سمح بها السادات، وسمح للصحافة المعارضة بالنمو في الثمانينيات، والصحافة المستقلة بالازدهار في العقد الماضي. 
 
ومع ذلك، كانت الحركة السياسية في البلاد بعيدة عن كونها ذات بعد واحد. في الثمانينيات، خف اعتماد الدولة على الأدوات السلطوية القاسية تدريجياً؛ ومع ذلك، عادت الروح إلى هذه الأدوات القمعية في التسعينيات، واستخدمت ليس فقط ضد الإسلاميين المتطرفين ولكن أيضاً ضد جماعة الإخوان المسلمين الأكثر ترويضاً. 
 
ولكن على وجه العموم، في بداية الثمانينيات، بدأت الروح تدبُّ في بعض العناصر الليبرالية في الدستور، بواسطة السلطة القضائية في مصر إلى حد كبير. ومنح قانون قضائي جديد في العام 1984 السلطة القضائية المدنية والجنائية في مصر المزيد من الاستقلالية، وأثبت مجلس الدولة – يتكون من مجموعة من المحاكم التي لها ولاية قضائية على الحالات التي تكون فيها هيئة تابعة للدولة طرفاً – على نحو مفاجئ أنه ودود تجاه المواطنين العاديين. 
 
كانت المحكمة الدستورية العليا هي الأكثر بروزاً، وهي هيكل صمّم أصلاً لإبقاء بقية أجهزة السلطة القضائية تحت المراقبة. ولكن عندما أصبح لها صوت مستقل خلال الثمانينيات والتسعينيات، بدأت فعلاً في تطبيق بعض الحقوق والحريات المضمّنة في الدستور المصري. على سبيل المثال، فرضت مجموعة من قرارات المحاكم بشأن القوانين الانتخابية، عملية اقتراع أكثر انفتاحاً. وبحلول العام 2005، سيطرت جماعة الإخوان المسلمين على خُمس مقاعد البرلمان. وكان غالبية النواب الآخرين متحالفين مع النظام، ولكن النظام الحزبي الفضفاض جعل من الصعب السيطرة عليهم. 
 
في العام 2007، قدّم نظام مبارك سلسلة من التعديلات الدستورية التي سدّت معظم الثغرات الليبرالية في دستور العام 1971. أبعدت التغييرات الانتخابات عن الإشراف القضائي الكامل ووضعتها تحت سيطرة لجان يهيمن عليها النظام؛ وسمحت بإجراء انتخابات رئاسية تعددية من الناحية النظرية، ولكنها قيّدت بشدة الترشيحات القابلة للتطبيق من الناحية العملية؛ ومنعت جماعة الإخوان دستورياً من تشكيل حزب سياسي، واتخذت خطوات لإدراج إجراءات طوارئ استثنائية سابقة (مثل قدرة الرئيس على إحالة القضايا إلى المحاكم العسكرية من أجل إدانات سريعة وموثوقة) في النص الدستوري. 
 
لذلك، ينبغي ألّا يكون مستغرباً أن حركة الاحتجاج التي أطاحت الرئيس مبارك لم تعد تنظر للدستور للاسترشاد به. على مدى سنوات ركّز نشطاء المعارضة والشخصيات الإصلاحية جهودهم على أحكام دستورية قليلة أملاً في أن يؤدي تثبيت هذه الأحكام إلى بث الروح من جديد في  العناصر الليبرالية والديموقراطية من دستور العام 1971. ولكن التعديلات التي أقرّت في العام 2007 وضعت بعناية شراكاً في الدستور. لم يعد العبث كافياً. وعندما بدأ زعماء المعارضة في مصر بالحديث عن "ثورة"، لم يكونوا يريدون إنهاء رئاسة مبارك فقط، ولكن أيضاً تنحية دستور العام 1971 جانباً. 
 
وهكذا، ابتهجت الحشود في ميدان التحرير بالتخلي عن الإجراءات الدستورية في 11 شباط/فبراير وتعليق الدستور يوم 13 شباط/فبراير. إذا كان لهذا البلد أن يحكم بواسطة مجلس عسكري، فإن من شأن عملية إعادة هيكلة أساسية أن تكون مطروحة على طاولة البحث. ومع ذلك، فإن هذه استراتيجية في غاية الخطورة بالنسبة للمعارضة، لأنها تعتمد على رغبة النظام في التفاوض مع المعارضة والموافقة على عملية جامعة حقاً لإعادة البناء السياسي. 
 
ربما يبدو أن من شأن القرن الماضي جعل المصريين يسخرون من قوة الوثيقة الدستورية على بناء نظام سياسي مناسب. لكن يبدو أن العكس هو الصحيح: لقد علّمهم أنهم بحاجة إلى إيلاء اهتمام أكثر بكثير للتفاصيل الدقيقة. اليوم ثمة توافق واسع بشكل ملحوظ على عناصر نظام دستوري جديد. إذ ستوافق كل القوى السياسية من خارج النظام تقريباً - من جماعة الإخوان المسلمين إلى النشطاء العاملين في المجال العام - على رزمة عامة للإصلاح. 
 
تود المعارضة أن ترى صلاحيات الرئاسة وقد تقلصت تدريجياً؛ وأن تكون هناك ضمانات مؤسسية ثابتة لاستقلال القضاء، عموماً في شكل مجلس قضائي أكثر استقلالية وقوة، ورصد قضائي للانتخابات، ووضع حد للمحاكم الاستثنائية وحالة الطوارئ في مصر (بتأثير مستمر تقريباً منذ العام 1939)؛ وأدوات أكثر قوة لحماية الحقوق والحريات، ونظام حزبي تعددي فعلاً. 
 
وعلى العموم، سيكون للتغييرات المقترحة ثلاثة تأثيرات. أولاً، من شأن هذه التغييرات أن تزيد بشكل كبير مساءلة المؤسسات القائمة أمام الشعب. ثانياً، من شأنها أن تمنح حماية حقيقية للحريات الفردية وتوفّر ضمانات لنظام سياسي تعددي. ثالثاً، من شأن التغييرات أن تفعّل آليات المساءلة الأفقية ، بحيث يمكن للمؤسسات الدستورية المختلفة في مصر أن تراقب بعضها بعضاً. 
 
في هذا العنصر الثالث، يظهر المصريون تفهّماً متطوراً لماضيهم الدستوري. مصر دولة مؤسسات، ولكن تلك المؤسسات كانت جميعها مسؤولة أمام الرئاسة. من خلال منح هذه المؤسسات استقلالاً حقيقياً، يمكن أن يصبح للوعود الغامضة لنص دستوري معنىً حقيقي. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة نظاماً على غرار نظام "الضوابط والتوازنات" في الولايات المتحدة، إذ من المرجح أن يتحدث المخططون الدستوريون المصريون عن "فصل للسلطات"، يتم فيه احتواء المؤسسات ضمن حدود واضحة المعالم. 
 
هل هذه مهمة خيالية؟ ثمة سببان يدعوان إلى الأمل. أولاً، مصر لديها مجموعة قوية من المؤسسات الدستورية ذات الجذور العميقة والمعايير المهنية. ثانياً، هناك درجة كبيرة من التوافق في الآراء بشأن ما يتعيّن القيام به. بطبيعة الحال، أي عملية دستورية سوف تثير نقاشات رمزية حول الهوية والإسلام، ولكن حتى في شأن هذه القضايا الخلافية المحتملة، فإن نسخة معدَّلة من الصيغ في دستور البلاد الحالي مقبولة بالنسبة لمعظم الأطراف السياسية. 
 
العقبات الحقيقية أمام الثورة الدستورية في مصر تكمن في مكان آخر. كبداية، ليس ثمة أي إجراء حقيقي لكتابة دستور جديد. إذا بدأت مصر من الصفر، فكيف تمضي قدماً؟ لقد صيغت الدساتير السابقة بواسطة لجان تعمل في السرّ. البلد لا يوجد لديه تقليد يعتمد عليه لمزيد من الممارسات الممتدّة والشاملة، مثل جمعية تأسيسية منتخبة. الطريقة الوحيدة لوضع مثل هذه الإجراءات تتمثّل في جلب جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات والاتفاق على العملية. ومع ذلك، هذا سيكون صعباً لأنه بقدر ما قد تتفق تلك الأطراف بشأن المسائل الجوهرية، فإن الطبيعة المتفرقة للمعارضة تجعل الاتفاق على التكتيكات والإجراءات بطيئة وشاقة. 
 
سوف يصبح مثل هذا التوافق في  الآراء أكثر صعوبة إذا ما ضغط الحكام العسكريون باتجاه التوصل إلى حل أقل راديكالية. وهذه هي أهم عقبة حتى الآن: تسيطر على الدولة المصرية حالياً لجنة من القادة العسكريين الذين أطلقوا أصواتاً عامة مؤدبة جداً، ولكنهم أشاروا إلى نوايا محدودة للغاية. والواقع أنهم أعطوا إشارات قوية على أنهم يرغبون ببساطة في تعديل مسودة الدستور الحالي، وأظهروا ميلاً قليلاً نحو إما عملية ديمقراطية أو شاملة. مثل هذا الإجراء يبدو مثيراً للشكوك كالإجراءات التي استخدمت لتغيير الدستور أو انتخاب الرئيس في الماضي، حيث لا يدعى الناس للتصويت إلا بعد أن يقدم قادتهم خياراتهم لهم. ولكي نكون منصفين، فإن تعيين طارق البشري ، وهو مفكر رائد له سمعة طيبة من حيث النزاهة والاستقلالية، رئيساً للجنة الدستورية الجديدة يمثّل إشارة مشجّعة جداً. 
 
في هذه المرحلة، الكثير يعتمد على نوايا القادة العسكريين المصريين. فلا تزال لديهم الفرصة لتصحيح خطأ ارتكبه بعض من سبقوهم. في العام 1952، كان الجنرال محمد نجيب، الذي وعد بالعودة الى الحكم المدني، على رأس مجموعة من الضباط أطاحت النظام. وقد تم إنجاز معظم العمل على مشروع الدستور الليبرالي أثناء رئاسة نجيب. 
 
لكن ناصر خلع نجيب في العام 1954، وبدأ العمل على بناء النظام الذي هزمه الثوار المصريون للتو. وإذا ما أريد للثورة المصرية أن تنجح في بناء نظام جديد، فلا بدّ أن يمارس شبح نجيب سحره على الجنرالات الذين يسيطرون على البلاد. 
 
نشر هذا المقال في الأصل في مجلة "فورين أفيرز – Foreign Affairs".