"مع أنه كان سيد العالم، لم يكن واثقاً تماماً من خطوته التالية. لكنه سيفكّر في القيام بشيء ما". 
- آرثر كلارك، 2001: أوديسا الفضاء 
 
من الصعب المبالغة بمدى عمق حالة اليأس السياسي التي أصابت العديد من المجتمعات العربية قبل الثورة المصرية أو الشعور بأن العالم قد تغيّر، منذ استقالة الرئيس حسني مبارك الإجبارية، في بعض النواحي الأساسية والإيجابية وحتى المُبهِجة. في رحلة قمت بها إلى الأردن مؤخّراً، تحدّثت مع أردنيين وفلسطينيين من مختلف الانتماءات السياسية ومن مختلف الأجيال، فوجدت أن الإثارة شاملة وعميقة، لكن مشوبة بالواقعية. لم يكن أحد منهم مخدوعاً بالطبيعة المحدودة بوضوح للتغيير الهيكلي في مصر إلى الآن، ولم يكن أحد منهم يتوهّم أن جميع العقبات التي تعترض التغيير السياسي في المنطقة قد تفكّكت فجأة. 
 
بطبيعة الحال، في نهاية المطاف، كثيرون سيصابون بخيبة الأمل ويتحرّرون من الوهم، حيث ستعود السياسة المبتذلة بكل إحباطاتها وفضائحها ومفاسدها. لكن في الوقت الراهن، الاستعارات المُفَضَّلة في الأحاديث اليومية عن السياسة (معظم الأحاديث اليومية، حتى تلك التي سمعتها في المطاعم والمقاهي والشوارع، لا تتناول في الوقت الحالي شيئاً سوى السياسة) تعتمد على الصور اللافتة: النهوض من الكبوة؛ بزوغ يوم جديد؛ أو دخول أشخاص كجهات فاعلة في صنع مستقبلهم. 
وفي حين يبدو بعض التفاؤل معدياً، فإنه لا يمكن أن يحلّ محلّ الحاجة إلى التفكير بشكل واضح بشأن المستقبل. وآمل ألا يبدو في الأمر فظاظة أن يكون المرء أكثر تحفّظاً بشأن الاحتمالات من الصور الملهمة التي يقدّمها العديد من المراقبين في المنطقة. وأنا لا أزعم بأنني أجري تحليلاً شاملاً في هذه المقالات، بل إني أقدّم مجموعةً من الملاحظات حول ثلاثة مجالات محدّدة تمكّنت من سبرها في رحلتي: السياسة الأردنية والحركات الإسلامية والسياسة الفلسطينية. 
 
في المجالات الثلاثة كلها، ثمة تغييرات كبيرة ممكنة. وبينما يبدو من غير المحتمل حدوث تغيير ثوري، فإنه لا يمكن استبعاده. للمرة الأولى منذ سنوات، تبدو قوى التغيير قوية، ومن المرجّح أن تحدث تأثيرات يصعب التنبؤ بها. أما في الوقت الراهن، فإن الاعتبار بأن المستقبل قد لا يكون مثل الماضي تماماً، وبأن السياسة لم تَعُد غير ذات جدوى، يمثّل متنفّساً كافياً للكثيرين في المنطقة. 

الأردن ليس على شفا الانهيار بل في أزمة

1 - من المرجّح أن يصمد النظام السياسي الأردني أمام العاصفة الحالية، ولكن بات من الواضح أخيراً أن ثمة عاصفة تهبّ في البلاد. فقد كان ردّ فعل النظام حتى الآن ملتبساً في أحسن الأحوال. 
 
لقد أصبحت الفجوة السياسية العميقة بين الحكام والمجتمعات التي يحكمونها، وهي سمة العديد من الدول العربية، واضحةً بشكل حادّ في الأردن. التظلّمات الاقتصادية – بمعنى أن الدولة تفشل في رعاية مواطنيها وأن سياساتها أكثر استجابةً لمصالح الأفراد الأقوياء منها للمجتمع الذي من المفترض أن تخدمه - تمتزج بسهولة بالتظلّمات السياسية إزاء انعدام المساءلة وعدم إصغاء أصحاب السلطة إلى الاحتياجات الشعبية. في مواجهة هذه الشكاوى (التي ليست جديدةً كلياً)، لم يَعُد لدى النظام جمهور أنصار واضح: أردنيو الضفة الشرقية، الذين يشعرون بالاستياء من الغالبية الفلسطينية وزعماء القبائل الذين كان يمكن الاعتماد عليهم أكثر في السابق- والذين يشعرون بروابط قوية مع النظام الملكي – يرفعون صوت شكواهم عالياً كما الجماعات التي ظلّت لفترة طويلة أقلّ ولاءً للنظام. (تسبّب القرار الذي اتّخذه مؤخّراً بعض زعماء القبائل بالتعبير عن تظلّماتهم لأحد مراسلي صحيفة نيويورك تايمز بإزعاج استثنائي لنظام ملكي مُعتاد على الصحافة الأجنبية المحابية). 
 
ويركّز الكثير من الشكاوى على الفساد. فمن الصعب تقييم صحة هذه المزاعم في زيارة سطحية، لكن من الأصعب تجاهل وتيرتها وحجمها. بطبيعة الحال، السجلات المكتوبة لا تعكس دائماً عمق الاستياء بطريقة مباشرة. فعمّان تزدان الآن بلافتات تؤكّد ولاء قبائل معيّنة للهاشميين، والصحف تمتلئ بإعلانات تحمل رسالةً مشابهة. لكن ما يُعَدّ عملاً مربحاً بالنسبة إلى صناعة الصحف يعني أنباء سيئة بالنسبة إلى النظام الملكي. ومن الواضح أن الإعلانات واللافتات تفصح عن الكثير. ففي أي حديث شخصي، حتى في الأماكن العامة، يُعتَبَر الحديث عن الفساد والإقصاء أمراً روتينياً. 
 
الانتقادات شخصية بشكل مذهل، ذلك أن المحيطين بالملك والملك نفسه بالكاد محصّنون ضدّ الاستنكار. فالتقارير المُنتَظَمة تفيد بأنهم ليسوا متسامحين تجاه الفساد فحسب، بل متواطئون فيه بشدّة أيضاً. ومن الشائع أن تسمع الأردنيين يقولون إنهم لا يرغبون في إلغاء النظام الملكي، في حين يفشلون بوضوح (وبصراحة في كثير من الأحيان) في التعبير عن الشعور نفسه تجاه من يتربّع حالياً على العرش. 
 
لكن إذا كان ثمة مظهر ينمّ عن وجود أزمة، فما مِن إشارة إلى حدوث ثورة. فالنظام يمتلك ثلاثة مصادر إما لم يكن النظام المصري يمتلكها، وإما أنه بدّدها عندما كان يمتلكها.
 
أولاً، لقد تم تشويه الهياكل السياسية الأساسية للنظام، بيد أنها ليست عصيّةً على الإصلاح. في العقد الماضي، أغلق النظام المصري كل نافذة لتحرير النظام السياسي، وكان وقحاً بشكل ملحوظ سواء في الطريقة التي كتب بها القواعد أم بالسرعة التي خرقها بها. قد يكون النظام الأردني قاسياً، إلا أنه لا يظهر "البلطجة" اليومية التي أظهرها ابن عمه المصري الراحل، ولم يعمل النظام السياسي أبداً على أساس التملّق المذهل الذي حوّل رويداً رويداً عدداً كبيراً جداً من المصريين الموهوبين، ولكن الطموحين، إلى مأجورين مُجرَّدين من المبادئ. 
 
في الأردن، يتعيّن على الذين يخدمون النظام أن يلتزموا الصمت، ولكن لا يُطلَب منهم بيع أرواحهم. صحافة المؤسسة مقيَّدة ورزينة، لكنها ليست تدخّلية وشمولية. لقد تم التلاعب بالانتخابات وتهميش البرلمان، إلا أن النظام الأردني عرف الحياء، أو على الأقل أظهر أنه يعترف بوجود حدود لا يجوز تخطّيها. بالتالي، لا تعني مطالب المعارضة تنحيةَ النظام جانباً وتغييرَه، بل إنعاشه وإصلاحه. على سبيل المثال، إصلاح القانون الانتخابي هو موضع نقاش مستمر إلى حدّ كبير. 
 
ثانياً، في حين أن الشخصيات البارزة في النظام معزولة ومتحفّظة، فهي ليست منيعة كما أثبتت القيادة المصرية في أواخر أيام مبارك. وفي حين أن الاستجابة للاستياء غير متّسقة ولا فعّالة، فإنها لم تكن بلا معنى. ففي الأيام الأخيرة، سمح الملك بتشكيل حكومة جديدة، وإن بالكاد احتوت على وجوه جديدة، عمدت إلى اقتراح سياسات مختلفة. وسرعان ما انقلبت على بعض السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة للحكومة السابقة (مع أنه من غير الواضح تماماً ما إذا كان يمكن تأمين مستقبل الأردن الاقتصادي على الوجه الأفضل بالعودة إلى ماضٍ أكثر حمائية). واقترح رئيس الوزراء الجديد إجراء بعض الإصلاحات السياسية الهامة على الأقلّ، واعداً بشكل خاص بتعديل قانون التجمّعات العامة والسماح (على نحو لافت) للمعلّمين بتشكيل نقابة لهم. (وبما أنه من المتوقّع أن تكون نقابة المعلمين أرضاً خصبةً للغاية لتجنيد الأنصار بالنسبة إلى الإسلاميين، يبدو من غير المحتمل أن يتم احترام التعهّد الأخير). 
 
ثالثاً، بقدر ما يبدو الأردنيون شديدو البُعد عن حكامهم، بقدر ما يخشون بعضهم بعضاً. ففي مجتمع لا يستطيع فيه المواطنون اختيار فريق كرة قدم يدعمونه من دون خيانة أصلهم (أردنيو الضفة الشرقية مقابل الفلسطينيين)، ومن دون التقاتل في كثير من الأحيان، يُقَيَّم كل تغيير سياسي وفقاً لخطوط أردنية-فلسطينية. ومن الصعب، في مثل هذه الحالة، وضع برنامج مشترك للإصلاح السياسي. وفيما صاح المصريون "إرحل" و "اخرج" لرئيسهم، من المرجّح أكثر أن يخاف الأردنيون مما قد يحدث لاحقاً إذا ما تنازل ملكهم عن العرش. فلقد أبلغني إسلامي مُحَرِّض مباشرةً بأنه يكبح الآن لكماته البلاغية لأنه لا يريد خلق لبنان آخر في الأردن. 
إن وجود نظام ديمقراطي فعلي وحكومة تم اختيارها بأغلبية برلمانية مثلاً سيسلّم المملكة إلى الفلسطينيين. والأردنيون الذين يرغبون في التحرّك في هذا الاتجاه – وهم الآن كثر - يدركون بأن عليهم التقدّم بحذر. وفي مثل هذه الحالة، من السهل تفسير وجود توافق عميق وشامل للحفاظ على النظام الملكي: فهو لا يقوم على ولاء الأردنيين للهاشميين بقدر ما يقوم على شكوكهم تجاه بعضهم بعضاً. 
 
 
لقد عاد الكاتب للتوّ من رحلة قام بها إلى الأردن وفلسطين. وهذا هو الجزء الأول من ثلاثة تعليقات تنعم النظر في الواقع السياسي الذي لاحظه أثناء وجوده في المنطقة. إقرأ تحليل ناثان ج. براون للوضع في فلسطين وللحركات الإسلامية في أعقاب الاضطرابات التي حدثت في المنطقة. 
 
 
 
1 للاطّلاع على خلفية الأزمة السياسية (والاقتصادية) الأخيرة في الأردن، أنظر لوري براند، "لمَ الأردن ليس تونس" Why Jordan Isn’t Tunisia، وشون يوم، "لا تنسوا الأردن" Don’t Forget About Jordan، على قناة الشرق الأوسط التابعة لمجلة "السياسة الخارجية" Foreign Policy.